الفقر ما بين

التفاؤل الزائف والواقع المرير

، بقلم أمينة زوجي

غالبا ما نصادف عند اجتياز الامتحانات والمباريات المهنية، اسئلة حول استراتيجيات التنمية الاجتماعية والبشرية في المغرب، ودورها في الحد من ظاهرة الفقر، بيد أنه لم يطرح مسبقا أي سؤال عن استراتيجيات مكافحة سياسة التفقير، وعلينا كراغبين في الحصول على وظيفة وتوديع صفوف العطالة، أن نحرص على صياغة مقال وردي، يتفنن في تعداد حسنات الحكومة في بلورة هذه الاستراتيجيات، وما حققته من نتائج عالية الجودة، في حين تبقى أي محاولة للنقد أو التقييم معرضة للإقصاء التام، فنحن مجتمع يتخوف من هؤلاء الذين يجيدون حرفة النقد، يكره مواجهة الحقائق، ويخشى تسليط الضوء على نقاط ضعف برامجه، أو بالأحرى نقاط ضعف طريقة تطبيق هذه البرامج، فقد تعلمنا في إطار الاعداد لمباريات التشغيل، أنه حتى حينما يطلب منك الادلاء برأيك الشخصي المعارض، عليك تقديمه بشكل دبلوماسي لبق، لتأتي التقارير الدولية لتقول ما نعجز عن قوله بشكل مباشر، حيث نجد أن المغرب لا يحقق أي تقدم في سلم التنمية البشرية، بالرغم من هذه الجهود المبذولة، وذلك باستقراره في المرتبة 130 حسب تقرير التنمية البشرية لسنة 2013، وهي مرتبة متدنية ومخزية في نفس الوقت.

لا أدري أين الخلل بالضبط، فحين نفتح القنوات التلفزيونية الوطنية نجد الحكومة تعمل على قدم وساق، نشاهد كما هائلا من التدشينات الضخمة، ونسمع عن ابرام عقود واتفاقيات دولية هامة... للوهلة الاولى تبدو لنا الانجازات عظيمة جدا في مجال التنمية الاجتماعية، والإحصائيات متفائلة على الاوراق دائما، فنسبة الفقر حسب الارقام الاخيرة المتوفرة لدى المندوبية السامية للتخطيط لا تتعدى 8,9 في المائة، أي أقل من نسبة الفقر في الولايات المتحدة الامريكية نفسها، وحينما نتأمل عدد البرامج المسطرة بهدف تقليص نسبة الفقر والهشاشة الاجتماعية، وما يتخللها من مشاريع منجزة وأخرى في طور الانجاز، نتساءل عن السبب الذي يجعلنا رغم كل ذلك، لا نرى في هذا البلد السعيد غير ملامح البؤس والحرمان، تطالعنا مظاهر الفقر ومشتقاته من الظواهر الاجتماعية في كل مكان، في القرى والمدن على حد سواء، قد تؤلمنا أحيانا بما تخلفه في أنفسنا من آثار، وقد تكون سببا في إزعاجنا والتضييق على حريتنا احايين أخرى كثيرة.

نعلم جميعا أن ظاهرة الفقر من بين الظواهر الاكثر انتشارا في العالم كله، وخصوصا في العوالم القروية بسبب ضعف الموارد، وغياب عدة محددات رئيسية، تتمثل في انعدام الولوجيات على غرار المراكز الصحية، الطرق والمدارس...، وترتبط في المدينة بقلة الامكانيات والكفاءات المهنية التي تخول لكل فرد الحصول على عمل يقيه من قسوة الفقر وتبعاته.
ونرى أن المغرب بإيعاز من الدول المتقدمة، عمل على الانخراط في سيرورة محاربة الفقر والتقليص من تداعيات الاقصاء الاجتماعي والهشاشة الاجتماعية، وذلك عبر تبني سياسة اجتماعية تسعى إلى تحسين نوعية حياة الافراد، تحقيق الرفاه، وضمان تكافئ الفرص، وقد تمثل ذلك في قيام المغرب بالاستثمار في مجال التنمية الاجتماعية بخلق مجموعة من المؤسسات، والتي تضطلع إلى جانب وزارة التضامن، المرأة، الأسرة والتنمية الاجتماعية، وباقي القطاعات، بمهمة تنفيذ برامج تنموية هدفها تمكين الساكنة الهشة والفئات التي تعاني من العوز المادي والوظيفي، نذكر من بينها التعاون الوطني، منظمة محمد الخامس للتضامن، ووكالة التنمية الاجتماعية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بالإضافة إلى مؤسسات القروض الصغرى.

وتبدو لنا منهجية هذه المؤسسات من الناحية النظرية على الأقل فعالة وشمولية، حيث تختلف طرقها في التعاطي مع مسألة محاربة الفقر، ففي الوقت الذي نجد فيه مؤسسة كالتعاون الوطني تتكفل بتقديم المساعدات المادية أو الخدمات كالإسعافات، الأدوية والملابس...نجد مؤسسات أخرى تهدف إلى خلق فضاءات اجتماعية لاحتواء الاشخاص في وضعية صعبة كدور العجزة، وبناء مراكز لإيواء المعاقين والأطفال المتخلى عنهم، من أجل القضاء أو التقليص من بعض الظواهر الناتجة إما بشكل مباشر أو غير مباشر عن الفقر، كالتشرد، التسول والانحراف...

وتعمل مؤسسات أخرى بمبدأ الانتقال من دور المساعدة المادية إلى دور التمكين والتأهيل، عملا بالمثل الصيني "لا تعطيني سمكة ولكن علمني كيف اصطاد"، عبر تشجيع المشاريع الصغرى و تعلم الحرف، لجعل الفئات التي تعاني من الهشاشة والاقصاء الاجتماعي والتهميش، قادرة على الانخراط في النسق الاقتصادي وبالتالي تحسين وضعيتهم المعيشية.
غير أن استمرار تفاقم ظاهرة الفقر، مؤشر على أن الجانب التطبيقي لهذه المؤسسات لا يوازي الجانب النظري، وشخصيا أشك في مدى قدرة هذه المؤسسات على مقاومة شبح الفقر في المغرب، لا لمحدودية مواردها ولا لضعف إمكانياتها، بل بسبب فساد الذهنيات وشيوع ثقافة النزوع لخدمة المصالح الشخصية لدى الكثير من المسؤولين، فنحن كمواطنين عادين، نلاحظ أن المساعدات والإعانات المقدمة من طرف بعض الجهات، لا تصل إلى من يستحقها دائما، بل تخضع للاستغلال والمساومة، فقد تستعمل في الترويج للحملات الانتخابية المبكرة، وقد يحصل عليها ميسورين بأثمان زهيدة أو مجانا، وربما أقرب مثال يمكن التركيز عليه، يتمثل في بطاقة "راميد" المخصصة للمعوزين للاستفادة من الخدمات الصحية مجانا، والتي تمكن حسب ما أوردته بعض الصحف الوطنية أزيد من 220 ألف ميسور الاستفادة منها على حساب الفقراء، بتواطؤ مع بعض رجال السلطة.

دائما وللأسف نجد أنفسنا أمام عملية استغلال المناصب والنفوذ، لاحتكار خيرات البلاد، وهنا نستحضر حالة الموظفين الأشباح الذين يتقاضون رواتب شهرية مقابل عمل لم يؤدوه يوما ما، و نفس الشيء ينطبق على "الكريمات" والتي هي عبارة عن هبات ملكية، يفترض أن تمنح إما للأشخاص الذين ساهموا في رفع راية المغرب في المحافل الدولية في مجال معين، أو تمنح للأشخاص المعوزين على سبيل المساعدة والإعانة كالمعاقين أو النساء بدون موارد...، غير أن الكثير تمكنوا من الحصول عليها عبر الادعاء والخداع.

أعتقد أن ما نحتاجه لمحاربة الفقر قبل إنشاء أي مؤسسة، أو تسطير أي برنامج، هو محاربة بعض الذهنيات السائدة، مقاومة شبح الجشع المستشري في هياكل المجتمع، حيث صار كل شيء يباع ويشترى بدون وجه حق، الوظائف، الاعانات، الادوية والقيم كذلك أصبحت مجردة من محتواها الاخلاقي.

ان الفقر ليس قدر أو قضاء إلهي محتم، يجب التسليم به، على أساس أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسة مائة سنة، بل هو فعل انساني مقصود أو غير مقصود نتيجة استحواذ فئة صغيرة على خيرات فئة أخرى لا تدرك أن لها حقوقا، في إطار تقاعس أو تواطؤ الجهات المنوطة بحماية وضمان هذه الحقوق، ويمكننا بالأحرى اعتبار أن الفقر ما هو إلا نتيجة سياسة تفقيرية، يمارسها كل إنسان ساهم بشكل من الاشكال في استمرارا ممارسات فاسدة في المجتمع ولو بالصمت وعدم الاكتراث، ونختتم هذا المقال بقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي "اذا رأيت فقيرا في بلاد المسلمين فاعلم أن هناك غنياً سرق ماله".