الجمعة ٣ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم سلوى أبو مدين

بقع غيم

استيقظت يوماً على رنين الهاتف المتواصل وما أن اقتربت منه حتى توقف .
ثم عاود الرنين مرة ثانية وما أن أمسكت بالسماعة ؛ حتى جاء صوت من الجهة الأخرى قالت أمك متعبة أصبحت ترتعش وتتلعثم في الكلام ، كانت المتحدثة أختي ، لم أتمالك نفسي وسألتها : ماذا حدث لها ؟

أخبرنني بأنه حدث مشادة كلامية بينها وبين أخي ثم دخلت غرفتها وأغلقت على نفسها ومنذ تلك اللحظة وهي ترتعد ولا تستطيع الكلام .
وأكملت : أسرعنا بها إلى أقرب مستشفى وبعد أن فحصها الطبيب قال : لديها أعراض زهايمر!

لم يقنعني تشخيصه لحالتها ولا طريقته قالت ، ثم طلبت مني الحضور على الفور .
أغلقت الهاتف وجسدي يرتعد من صدمة ما سمعت وتمتمت لطفك يا لطيف .
وعلى الفور خرجت من المنزل ، ركبنا السيارة التي اخترقت بنا الطريق الفسيح . وما أن وصلت إلى بيت أمي وجدت أختي تضحك بطريقة غريبة ، ثم أعادت عليّ ما سمعته منها عبر الهاتف .

دعتني إلى الدخول وجدت أمي مستلقية شاحبة الوجه ، أخذتها في حضني وقبلت رأسها وسألتها عن سبب تعبها ؟
أجابت بلعثمة : لا أعلم ررربما المشادة بيني وبين ..... ولم تكمل !
ثم التقطت أنفاسها ، وأخذت تضبط الشال الذي وضعته فوق رأسها كانت يدها ترتعش كثيراً وكانت المرة الأولى التي أرى فيها أمي بهذه الحالة !
تناولت أوراق كانت معي فيها آيات من القرآن الكريم ، وأخذت اقرأ وأنفث فوق جسدها .

وفي المساء ، هدأت قليلا وارتاحت أساريرها .
وأخذت تتحدث معي بتلعثم وأنا من داخلي أتمزق خوفاً وهلعاً .
فاقترحت أختي أن نأخذها خارج البيت كي ترتاح قليلا وتبدل المكان . خرجنا وأمسكت بها وبكرسيها المتحرك الذي جلست فوقه وهي ترتعش كلما نظرت إليها أصابتني نصل في قلبي.
توقفنا عند مقهى خرجنا من السيارة التي أقلتنا أمسكتها من يدها وأجلستها فوق كرسيها .
وأخذت أدفع العربة وانظر إليها وكلي ألم ، جلسنا في مقهى وسألتها عن طلبها
فقالت : بتلعثم كابتشينو ، وعلى الفور ذهبت إلى الكاشير وطلبت ما أرادت
حين فتحت حقيبتي لم تكن النقود تكفي ، اتجهت إلى أقرب صراف وسحبت مبلغ يكفي لجلستنا التي كنت آمل أن تبدل من مزاج أمي إلى الأفضل .

ابتعدت عدة أمتار وبدأت أراقبها وهي تحاول أن تتناول كوب الكابتشينو وترتعش .
وقفت شاردة مأخوذة أتأملها من بعيد ، والصور المتراقصة امتلأت بغيمة من الدموع
تلك أمي التي أحببتها وكانت تنتقدني في كل ما أفعل ، هي أمي التي توجعني وتقسو عليّ بمعاملتها لي ، أمي التي تؤنبني في كل عمل أقوم به .

أأأمي التي لم تخبرني يوماً بأنها تحبني ، وأعلم يقينا بأنها أمي ، ولكني لستُ في قلبها .
أسئلة انهمرت عليّ مثل وابل مطر ، ها هي متعبة ترتجف بحاجة إلى يأخذ بيدها ، استيقظت من شرودي بطفلة دفعتني ومضت .
وسرعان ما اتجهت نحو المقهى أخذت كرسيّ ، واقتربت منها تناولت كوب الكابتشينو فوجدته بارداً .

قربته من فمها ، حاولتْ الإمساك به لكنها أخفقت وتركته لي .
سألتها إذا ما أردت كوباً آخر فأومأت برأسها نافية .
اقتربت منها قبلتها فوق رأسها ومسحت فمها بقطعة منديل ورقي حاولت أن تمسكه لكنها عجزت .

أمسكت بكرسيها ودفعته وأنا أشير إلى محلات الألبسة أردتها أن تنتقي منها
ما تريد لتنسى ألمها وتعبها الذي داهمها فجأة !

كنتُ على قناعة أن أيّ تعب يمر كسحابة صيف ، وسرعان ما مسحت دمعة كادت أن تخذلني وتمتمت الحمد لله أنها بخير .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى