الخميس ٢٢ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم عادل صيام

ألوان من السجن

شرف لا أدعيه: فأنا لم أسجن بعد

أكتب لكم هذه الصفحات، ربما لمجرد الفضفضة، أنا لا أود أن اخدعكم أو استدر عطفكم، فلست سجينا سياسيا، و لا حتى اتهمت ظلما و سجنت في قضية لم ارتكبها، كما أنني لم اسجن في قضية مخلة بالشرف أو الأمانة، أنا لم اسجن خلف قضبان الجلاد، بل إنني لم أدخل إلى قسم بوليس من الأساس، و لم أحظى شرف أن أكون معتقلا لأي سبب، وتجرتبي مع السجن تجربة خاصة جدا، و أصبحت الآن أعرف أن هناك من مروا بهذه التجربة فهناك رهين المحبسين الضرير الذى فرض على نفسه السجن في بيته دون الخروج تشاؤما من الخروج من بيته، و أنا لا أقارن نفسي به، فهو قد حظى من النجاح في كتابة الشعر و الحكمة ما خلد ذكراه عبر قرون التاريخ، بل قد خلده الناس بوصفه"حكيم الشعراء و شاعر الحكماء" و لمن لم يعرفه إلى الآن هو المعري و سمي المعري نسبة إلى بلدته التى ولدفيها معرة النعمان في سوريا، وبالتالى فلا يوجد بيني و بينه أى علاقة من قريب أو بعيد سوى إنني قرأت له بعض أشعاره، و علاقة أخرى أن بلدي في مرحلة من مراحل تاريخنا العربي كانت بينها و بين سوريا تجربة وحدة لم تستمر كثيرا، و لى علاقة أخري بسوريا حيث شاهدت منذ أيام مسرحية أسمها غربة.

واقدم العلاقات بيني و بين المعري و سوريا هي أنني أحلم دوما بزيارة هذه البلد كما حلمت بزيارة بلدان عربية أخرى، لكنني في الآونة الأخيرة قد عزفت عن فكرة الزيارة، و الفضل في ذلك للأمريكان، فالعراق التى قرأت عنها على سبيل المثال و حلمت أن امشي في شوارعها استنشق عبق تاريخ درسته و قرأته في الكتب أظنها قد اختفت تحت نيران طائرات اف 52، لقد تغيرت صورة العراق و لبنان و فلسطين، بينما كنت أنا في محبسي، و لم استطع زيارة أى من المزارات التى من المؤكد دمرت تحت نيران القصف في الحروب التى دارت في وقت غير بعيد.

أذكر لأبي العلاء أن طه حسين الاديب و الوزير المصري قد حصل على درجة الدكتوراة في أدب ابي العلاء، و أن كلاهما فقد بصره و هو صغير السن، يعجبني لأبي العلاء قوله"أنا أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيري على البصر"
و أحمد الله إنني إلى الآن لا يجمعني بالمعري أو طه حسين غير كوني قرأت بعض أو أكثر ما وصل إلي منهم و عنهم، و إنني إلى الآن لم اتهم مثلهم بالكفر و الزندقة، فكليهما قد قيل بكفرهما، ومن رفق بهما من علماء الدين قال أنهما قالوا ما يستوجب تكفيرهما لكنهما تابا، و نسأل الله أن يكونا قد تابا و أن يكون الله قد تقبل توبتهما، و كان أبو العلاء لايقول الشعر مادحا أحد طلبا للعطية، و يقال أنه لم يهج أحد إلا الأنبياء عليهم جميعا صلاة الله و سلامه، و هو قد هجاهم باستخفافه بأمور النبوة.

و على الرغم من اشتهار أبي العلاء بأنه رهين المحبسين إلا أنه هو نفسه يقول أنه رهين محابس ثلاثة حيث يقول:

أراني في الثلاث من السجون فلا تسـأل عـن النبـأ اللبيس

لفقدي ناظري ولزومي بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث

و رغم أني لم افقد البصر بعد كالمعري، أو الدكتور طه حسين، و رغم أني لا تربطني بهم غير علاقات هامشية بالنسبة لهما بكوني أحد ملايين القراء لأدبهما، إلا أني أذكر على سبيل المثال أن طه حسين سافر إلى فرنسا و قد سافرت لها، و أذكر أن أحد الدكاترة كانوا يدرسوننا في الجامعة ذات يوم و قال أنه يذكر عن طه حسين أنه قد حمل الدكتوراه مثله، فقلت مستوقفا ألا تذكر لطه حسين أى شيء غير أنه حمل الدكتوراة مثلك يا دكتور، فأقل ما يجب ان تقول حضرتك أنك تحمل درجة الدكتوراة مثل الدكتور طه حسين فهو قد حملها قبلك و أنت حديث عهد بها، و كانت النتيجة أني حصلت على النجاح بالكاد في مادة هذا الدكتور.

جمال حمدان و الحبس الاختيارى:

و ممن اذكرهم في الحبس الاختيارى، هو الدكتور جمال حمدان، صاحب شخصية مصر، و شخصية مصر هي أشهر ما ألف جمال حمدان لكن الرجل له أبحاث كثيرة منذ حداثة سنه جعلته ينال جائزة الدولة و هو ما زال في بداية الثلاثينات من عمره، و العجيب أن الدكتور جمال حمدان قد فرض على نفسه عزلة و حبس شديد قاسي، ربما لم يحرمه هو من الكثير، لكن من المؤكد أنه حرم الملايين من الكثير من مخالطة مثل هذه الشخصية، و في سبب ما فرضه على نفسه من عزلة أن الجامعة قد تخطته في الترقية، أو أن الجامعة قد ساوت بينه و بين زميل له في الترقية، المهم أنه قد حبس نفسه في شقة مكونة من حجرة واحدة كما قيل في منطقة الدقي بالقاهرة، حتى أنه لم يك يستقبل أحدا في منزله طوال سنوات طويلة و أن الناشر كان يذهب ليجد الأوراق موضوعة أمام باب الشقة و يترك له مستحقاته بالطريقة ذاتها، وبعد كل ما أعطاه جمال حمدان للفكر العربي، و العالمي، مات محروقا في شقته بعد تسرب الغاز من انبوب البوتاجاز، مع إشارات واضحة إلى أن الأمر كان اغتيالا من قبل الكيان الصهيوني الذى لم يكن يهنأ لهم بال من كثرة ما يحققه جمال حمدان من أبحاث تثبت عدم أحقيتهم في أى شيء في المنطقة.

سطور لعادل سالم:

و آخر علاقاتي بالسجن هو قراءتي عن السجن الحقيقي خلف القضبان مقال بعنوان"أم كلثوم خلف القضبان" للاستاذ عادل سالم، و خلاصة المقال هو أن أم كلثوم كانت الأنيس الوحيد للمعتقلين في سجونهم حيث يقول: "كان صوتها يثير فينا ذكرياتنا، ومشاعرنا، وحنيننا إلى الحرية، أليس الأسرى بشرا لهم مشاعرهم وأحاسيسهم؟ من قال إن الأسرى من صخر؟ وقلوبهم من حديد؟ هم مواطنون كبقية أبناء شعبنا، يفكرون بزوجاتهم، بأولادهم، بأهاليهم، من لم يكن متزوجا يفكر بخطيبته، ومن لم يكن له خطيبة، يفكر بحبيبة عرفها أثناء الدراسة، أو من الحي الذي يسكن فيه، او بحبيبة يصنعها هو بنفسه بأحلامه ويختار لها الشكل المناسب."

و لفت نظري في مقال الدكتور عادل سالم قوله إن المساجين كانوا يسيرون في الغرفة بشكل بيضاوي ـ حسب ما يتوفر من مساحة خالية في الغرفة ـ بعد تناولهم العشاء.

سجن الغربة :

و تذكرت حال بعض من يعيشون في غربة عن بلادهم، وقد تركوا الأهل الأخ و الأخت و الزوج و الأبن، و يعيشون في حجرة لا تتعدى سبعة عشر متر شاملة الحمام و المطبخ، و كل حاجيات المعيشة من دولاب و فراش و جهاز كومبيوتر و مكتبة، و قد رهنوا نفسهم حبسا في الحجرة، لأسباب كثيرة، منها ما هو صحي و منها ما هو أدبي و منها ما هو أخلاقي و ديني.

أعرف من هذا النوع مجموعات من الشباب خرجوا لتحسين دخلهم المادي، و أقول دخلهم المادي و ليس المستوى المعيشي فهم لا يعيشون بالمرة، ففي غرفة صغيرة تجد عدة رحال من مختلف الأعمار، و ربما لا يمكنهم الحركة بحرية داخل الغرفة لأن ألأرضية خشبية، و إذا تحركوا ستشكوهم الجارة المسنة للبوليس، و بالتالى فليس لهم الحق في المشي في هذه الحجرة، كمن وصفهم الدكتور عادل سالم في المعتقل.

و منهم من ينفق آخر ما لديه من مال على مكالمة تليفون يتصل فيها على ابنته و ينقطع الاتصال ببساطة لأن النقود نفذت، و يصرخ الأب انقطع الاتصال و ابنتي تبكي و تقول: "بابا امي لا تعطيني الشكولاته، و يقترض الأب من زميل له في السكن ليعاود الاتصال و يقول يا حبيبتي ماما مش بتديكي الشوكولاته عشان عندك حساسية أنا هاجي و أجيب لك شوكولاته معايا، بابا ما انت بتقول هاتيجي بقالك سنين، يا حبيبتى جاي خلاص" و ينام الأب و يصرخ في نومه كأن هنام من يخنقه أو يصربه اوكأننه يعوي كالذئب، و يقوم كل من يسكنون معه و هم يلعنون اليوم الذى جاء بهم لهذه الغربة، ولكن غربتهم كالقمار، قد خسروا فيها الكثير، و يحلمون بوهم اللحظة التى تأتي فتعوض كل هذه الخسارة، و يضيع منهم زهرة شبابهم في بلدان نظيفة و جميلة، و هم لا يرون شيء من نظافتها ولا جمالها، و لم يتمتعوا بشيء مما قد يحصلوا عليه مع أسرهم.

و سجن داخل السجن، حيث يعيش خمسة أفراد في حجرة صغيرة، و حدثت بينهم مشاكل و خلافات دعتهم جميعا أن ينقطعوا عن الحديث و الكلام مع بعضهم البعض خمسة أفراد في مكان واحد لا يتحدث احدهم مع الآخر طوال سنتين، و لم أصدق القصة في البداية و لكني رأيتهم بام عيني، و دخلت منزلهم، كيف تطيقون أن تعيشوا هكذا، لقد تشاجرنا حتى أن البوليس جاء و اخذونا للسجن و تركونا ثانية، و لأننا لا نريد أن نعمل الكثير من المشاكل حتى لا يتم ترحيلنا حيث لا إقامة شرعية لدينا فنحن نعيش تحت هذا السقف ولا يجمعنا سوى اننا نتقاسم الايجار و ندفع الفواتير المشتركة، و لكن لا نتحدث في أي شيء و ليس بيننا أى معاملات.

ألوان من السجن بالاختيار الأضطراري

نعم هو اختيار اضطراري فأنت الذى تختار هذا اللون من السجن مضطرا إما تسجن أو أن تمرض على كل المستويات

أذكر فيم قرأت أن أحدهم أراد ارسال دعوة لأبي العلاء لحضور مجلس، و كان يعرف أنه يتشاءم بدرجة كبيرة فأرسل له عبدا حسن الوجه و احتاط في كل شيء حتى أن اسم العبد كان "اقبال" فذهب العبد بالدعوة إلى أبي العلاء فسأله أبو العلاء ما اسم الغلام قال: إقبال، قال له اني اتشاءم من هذا الاسم فقيل كيف قال إن كتب مقبولا صار لابقاء

و لعلنا لا نصل إلى هذا الحد من التشاؤم، و لا إلى هذا الحد من الحصافة التى تجعلنا نلتفت إلى الأمور بهذه الصورة و ننتبه لمعنى الاسم و مقلوب معناه.

و لكن لنا بعض قدوة في ابي العلاء حيث يحمد الله على كف البصر، و قدوة حيث حبس نفسه في منزله، فأى شيء سترى في الدنيا، أنت إن خرجت سترى المراهقين و المراهقات و أحوالهم لا تسر خاطر إلا من تعاهد من الشيطان، و حتى البالغين لن تر منهم ما يسعدك، فتقول لك الحمد يا رب أني لدي زنزانتي الخاصة، التى يسمح لي فيها بالمشي في شكل بيضاوي، و تحمد ربك على هذه الحجرة الصغيرة عندما ترى من ينامون في الطرقات في مدينة النور بلا سقف يسترهم من المطر أو باب يحميهم من البرد، و تعزل نفسك حيث لا تجد سوى الغيبة و النميمة، و مهما حاولت الميل بمحدثك عن سيرة هذا او ذاك يعود بك لنفس الأمر، و تعزل نفسك عن الخروج إلا فيم ندر حيث خروجك يعني ان تركب المواصلات العامة أو تستقل تاكسي فتجد أن السائق مزكوم الأنف و هذا يعني انك ستحدث لك العدوى اذا ركبت في هذا التاكسي، و إذا ركبت المواصلات العامة فلابد أن تجد من يعطس فيرسل لك آلاف الفيروسات التى لا تشكل خطر قاتل، لكنها ستؤدي بك للمرض و التعب لعدة أيام، و إذكر أني سمعت من يقول أنه مسكين يذهب لعيادة الطبيب لتكرار العلاج الدوري فقط مثل علاج للسكر أو الضغط، فيكون من نصيبه أن يخرج من عيادة الطبيب مرتفع الحرارة، و من حظه العثر أن المضاد الحيوي الذى يؤتي معه نفع لا يشمله نظام التأمين الصحي. فيدفع حوالى خمسة عشرة يورو نظير خمس حبات، و من المعتاد هو يحتاج عشر حبات، كمان أن العلاج يحتاج أن يتناول معه حافظ للمعدة ثمنه حوالى ثمانية عشر يورو، فيجد نفسه يدفع للصيدلي بشيك آجل بعد عشرة ايام، و الصيدلي يبدي التعاون مع الزبون الذى يعرفه منذ سنوات، لكن لو لم يكن هناك رصيد للشيك فالبنك لن يدفع، وقد يجد نفسه قد وضع في قائمة الحظر السوداء في البنك، و هذا يعني أن الحياة كلها تصبح سوداء، فليتجنب المرض و الغيبة و النميمة، و ليتجنب رؤية السيقان العارية و الصدور المكشوفة، و ليتجنب رائحة الدخان و الحشيش و الماريجونا، التى تجوب الشوارع، عليه أن يبقى حبيسا في حجرته، أغلب الوقت.

و حتى يمكنك أن تشعر ببعض الهدوء مما قد يسببه لك ما يفرض عليك من وسائل الإعلام يكون الحل الأمثل أن تفرض على نفسك لون آخر من الحبس داخل مسكنك و هو أن تأخذ جهاز التليفزيون و الراديوا و تضعهم بسلة المهملات، لماذا ببساطة لأنهم يرددون عليك في مئات القنوات أشياء لا تريدها، و إذا اردت أن تسمع أخبارا عن منطقة من العالم تشغل خاطرك فلن تجد ما يسر من الأخبار، فيكون الحل هو التخلص من التليفزيون، و تكتفي بما قد سهله الله لك من جهاز الكومبيوتر الذى يسمح لك بتناول ما قد تحتمله من مادة فأنت حر تفتح الخبر الذى تريده و تقرأه، و لكن بعد قليل تجد ان الأخبار و القراءة لها علاقة وثيقة بارتفاع الضغط و آلام في العين، فيكون الحل الأمثل هو أن تقلع أيضا عن قراءة الأخبار، و تحاول ان تعزل نفسك حتى عن معرفة أخبار غزة و أخبار مصر و أخبار سوريا و أخبار العراق.

فلن تجد فيها ألا ما يذبحك، فيكون الحل الأمثل بنصيحة الطبيب هو ألا تقرأ الأخبار، و ممن أذكر أنهم مروا بهذه الحالة، هو الممثلة المصرية شريهان، نسأل الله لها و لكل المرضى الشفاء، فقد قيل أنها من رقة الاحساس أنها تمرض لأقل خبر، حتى أن الأطباء قد فرضوا عليها نوع من الحظر لم يسمح لها برؤية أى من الأخبار التى تحدث من حولها، حتى أنها لم تعرف شيء عن ضرب امريكا للعراق على سبيل المثال، نسأل الله الشفاء لكل مريض و ان يخفف الألم النفسي عن كل من يعاني من قلق أو مرض نفسي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى