آذار.. حين يفتح القلب نوافذه للعائدين
آذارُ..
موعدٌ قديمٌ كان ينام في جيب الفصول،
حتى نهض الآن
كأغنيةٍ تعرف طريقها إلى الضوء.
نجمٌ أفلتَ من سرِّ السماء،
ونثر على الطرقات همسَه الأول،
فاستيقظت الأرض
كأنها كانت تحلم بنا منذ قرون.
قافلةٌ من الزهر الأبيض
تعبر الحقول كغيمةٍ وديعة،
تفرد أجنحة الخصب في الهواء،
فتضطرب السنابل تحت لمستها
ويرتجف القمح بندى الفجر،
وتنهض التلال من نعاسها
كعروسٍ تمشّط ضفائرها
أمام مرآة الصباح.
تستعيد الأرض نبضها العميق
رغم أنف التشظّي،
ورغم يبس الريح في الحناجر،
ترتدي فستان التوهّج
وتدير ظهرها لعري الفصول المنكسرة،
فتغدو خضراء العينين
كأن الربيع أودع قلبه في حدقتيها.
هناك..
يعزف النهر كمنجاتٍ خفيّة،
وتلتحم جداولُه الصغيرة
كأطفالٍ عادوا إلى صدر أمّهم،
ويتدفّق الماء
شلالاً من عطرٍ بارد،
يعلّم الحجارة
كيف تُزهر في الضوء.
آذارُ..
اغفر خطايا البعد الطويل،
وأوقد قناديلك من حبر القصائد،
دعني أرتّب مواسمي في كفّيك
وأسكب نبيذي في كؤوس الريح.
افتح أبواب عشقك للهواء،
ودع الحنين يدخل مثل ضوء الفجر،
وشرِّع قلبك للعائدين،
فالعائدون يشبهون المطر
حين يطرق أبواب الأرض المتعبة.
هي الأولى..
دائماً على شرفات الهوى،
تستقبل المواعيد
كفجرٍ لا يشيخ.
الأولى في الركض إلى الضوء،
وفي إصابة القلب،
وفي الاحتراق الذي يشبه الخلاص.
تتوهّج خطواتها
كأن الطريق يشتعل تحتها بالندى،
وتنحدر صباحاتها نحو العناق
في دروبٍ بعيدة
تعرفها الروح قبل الخرائط.
بوحها مقاعدُ دافئة
في حدائق الملاذات الخضراء،
ورذاذُ مطرٍ
تعشقه القلوب المنشرحة.
هي البداية..
وهي الخاتمة التي تشبه الوعد.
هي الشوق
حين يعانق الأقمار واحداً واحداً،
هي حكايات آذار
كلما عاد اللوز إلى بياضه القديم
وثب في الأغصان
كقلبٍ يتعلّم الخفقان
من جديد.
