أدبية المسرح المغربي
لن نناقش في موضوعنا هذا الطبيعة الأجناسية للمسرح، ولا الحقل الذي ينتمي إليه بشكل دقيق؛ وهل هو جنس أدبي أو فني. لأن هذه الثنائية الأزلية (نص/ عرض)، تم التطرق إليها بإسهاب منذ أرسطو إلى يومنا هذا. إننا نرصد بالأساس ظاهرة استرعت انتباهنا ونحن نستعرض مجموعة من نصوص المسرح المغربي، تتمثل في لجوء عدد كبير منها إلى تذييل نصوصها بهوامش، شارحة ومعقبة على ما يرد في النص الأصل.
يشكل خطاب الهوامش بنية نصية مستقلة تسعى إلى توضيح وتفسير النص الأصل ومحاورته. إذا كان من المألوف أن نجد نصوصا سردية أو شعرية مذيلة بهوامش متفاوتة يحتكرها المؤلف لنفسه قصد تقوية المكتوب وتعضيده، فإنه من النادر أن نجد هذه الهوامش في النصوص المسرحية. فالمسرح فن ذو خصوصية متميزة. والنص المسرحي يبقى دائما مشروع عرض مسرحي. وما يمكن أن تتحدث عنه باقي الأجناس الأدبية في هوامش يمكن للمسرح أن يتحدث عنه بطرق أخرى، إما عن طريق البرولوج؛ وهي مساحة شاسعة مخصصة لعرض آراء المؤلف وتوجهاته وتفسيراته لبعض الأمور، أو عن طريق الإرشادات المسرحية. ويرى باتريس بافيس في معجمه أن بعض المؤلفين الدراميين مثل كورناي، كانوا يفضلون كتابة الإرشادات المسرحية في الهامش
وهذا يدل على مدى تشابه الملاحظات التي قد تكتب في الهامش مع الإرشادات المسرحية. مما يجعلنا نتساءل عن مدى جدوى ما كتب في هوامش بعض نصوص المسرح المغربي.
وهذه بعض نصوص المسرح المغربي التي اعتمدت خطاب الهوامش:
– أحلام الفراشات الجميلة، إدريس الصغير
– إكليدن، البشير القمري
– شاعر الحمراء، محمد حسن الجندي
– عودة رأس الحسين، سالم اكويندي
– للاّ جميلة، الزبير بن بوشتى
– المرتجلة الجديدة، محمد الكغاط
– مرتجلة فاس، محمد الكغاط
– وقت ميت، أحمد العشوشي
– يا موجة غني، الزبير بن بوشتى
فعلى سبيل المثال لجأ البشير القمري في مسرحيته " إكليدن"، والتي صنفها في خانة التراجيديا الملحمية، إذ يستحضر فيها جزءا مهما من تاريخ الأمازيغ، إلى استعمال أربع وأربعين إحالة. فتارة يعقب ويترجم بعض الكلمات الأمازيغية، وتارة يبرز بعض المصادر التاريخية التي استقى منها معلوماته التي طعم بها أحداث المسرحية.
كما أن الزبير بن بوشتى بدوره استخدم عشرين إحالة في نصه المسرحي " يا موجة غني"، بحيث وضح فيها بعض الأماكن الجغرافية ومواقعها الواردة في المسرحية، ويشرح لغة الصيادين التي يوظفها بكثرة في هذا المؤلف. ولقد سلك الشيء نفسه في مسرحيته" للاّ جميلة" بحيث استعمل ثمان عشرة إحالة، جاءت في معظمها شروحا لكلمات اسبانية، وأسماء لأماكن توجد بمدينة طنجة المغربية.
والحقيقة أن النص المسرحي عنصر من عناصر العرض المتنوعة والعديدة، ومن ثم فالمسرحية بمجرد أن تعرض فإنها تتجرد من أغلال اللغة، حتى إن بلاغة الكلام وقوته تبدو في أحيان كثيرة باهتة أمام التقنيات والآليات الموظفة. وإذا كان النص بحواره وإرشاداته عبارة عن خطة تصور للعرض، فأين يمكن أن ندخل خطاب الهوامش، وهذه العلامات المثبتة في أسفل الصفحة كيف ستمارس وجودها الحي والعياني؟ وما هي الطرق الكفيلة لصياغتها من المقروء إلى المنظور أو الملفوظ؟ ثم ما هو دور هذه الهوامش في صناعة الفرجة حتى وإن كانت ذهنية؟
إنه إشكال يطرح نفسه بإلحاح لذا نجد بعض المسرحيات توظف شخصية الراوي أو الاعتماد على (الاستهلال) وكذا (الخاتمة) لسرد بعض الوقائع والتعليق عليها، أو للتملص من بعض العوائق التقنية التي لا تخول لعرض أحداث مسرحية عرضا سليما لهذا يتم الاقتصار عن سردها فقط. ولعل هذا ما دعا راسين إلى المطالبة بعدم الالتجاء إلى طريقة سرد الأحداث في المسرح، إلا تلك التي يستعصي تجسيدها أو التي لا ينبغي أن نراها.
إن اعتماد خطاب الهوامش جعل مثل هذه المسرحيات تتجسد أكثر في النصوص المسرحية منها في العروض، لأنه من الصعب تأمل الأحداث التي تجسدها عبر الأنساق غير اللغوية للعرض. ومن الطبيعي أن تتكئ بشكل بارز على اللغة الأدبية، وقد تكون هذه الهوامش مظهر من مظاهرها. بمعنى أن هذه النصوص المسرحية موجهة إلى القارئ في الدرجة الأولى، حتى يتسنى له فهم النص بشكل جيد. وهنا تكمن المفارقة بين العرض والنص. فالعرض يركز على المشاهدة، والمشاهدة ترتبط بالفرجة.أما النص، فتتحقق الفرجة فيه عبر الاستهلاك القرائي. وأكيد أن الاختيار الخطي المتعلق بالهوامش يخدم جانب القراءة على جانب المشاهدة. وبهذا فإن هاجس الأدبية في مثل هذه النصوص حاضر حتى من الناحية الكرافية.
