السبت ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
حينُ يتنفّس الحديد:

الكتابة بوصفها حريةً مؤجَّلة

منى أبو حمدية

قراءة نقدية في كتاب «يوميات الزائر والمزور: متنفس عبر القضبان» للكاتب المحامي الحيفاوي حسن عبادي

أولاً: مدخل سياقي – الكتابة من تخوم القيد

لا يُقرأ كتاب «متنفس عبر القضبان» بوصفه عملاً أدبياً محضاً، ولا باعتباره توثيقاً سياسياً جافاً، بل يأتي في المنطقة الرمادية الخصبة بين الأدب الشاهد والنص المقاوم. إنه نتاج وعي فلسطيني مأزوم، يكتب من تماسّ مباشر مع تجربة الأسر، لا من داخل الزنزانة فقط، بل من فضاءٍ أكثر تعقيداً: فضاء الوسيط؛ ذاك الذي يتحرك بين الأسير والعالم، بين القضبان واللغة، بين الصمت والكلام.

ينطلق حسن عبادي من قناعة جوهرية مفادها أن فلسطين هي «بلد المليون أسير»، وهي ليست عبارة بلاغية، بل توصيف واقعي لبنية استعمارية تجعل الاعتقال أداة مركزية لإدارة المجتمع وكسر وعيه. ومن هنا، لا تأتي اليوميات كترف سردي، بل كضرورة أخلاقية ووطنية.

ثانياً: في النوع الأدبي – تداخل الأجناس وانفلات التصنيف

ينتمي الكتاب ظاهرياً إلى أدب اليوميات، لكنه سرعان ما يفلت من هذا القالب الضيق ليقيم في منطقة هجينة تجمع بين:

• اليوميات،
• الشهادة،
• السيرة الجزئية،
• الحوار الثقافي،
• والمقال السياسي الضمني.

هذا التداخل لا يُعد خللاً بنيوياً، بل خياراً واعياً ينسجم مع تشظّي التجربة الأسيرية نفسها؛ فالسجن ليس حالة مغلقة، بل عالم متداخل الأزمنة والهويات. لذلك، تبدو النصوص وكأنها كُتبت على إيقاع الزيارة: زمن محدود، مكثف، ومشحون بالمعنى، كما في نصوص مثل «45 دقيقة» التي تختزل العمر الإنساني في فتحة زمنية ضيقة.

ثالثاً: البنية السردية – الكتاب بوصفه أرشيفاً حيّاً

لا يقوم الكتاب على حبكة تقليدية، بل على بنية تراكمية، تتجاور فيها الأصوات والتجارب، في ما يشبه أرشيفاً إنسانياً مفتوحاً. الكاتب لا يتصدّر المشهد بوصفه بطلاً، بل يتراجع خطوة ليمنح المساحة للأسرى، لأفكارهم، لقراءاتِهم، ولإبداعاتهم التي وُلدت في أكثر الأماكن عداءً للكتابة.

هذا الاختيار البنيوي يمنح النص أخلاقيته العميقة؛ إذ لا يتحدث الكاتب عن الأسرى، بل معهم، واحياناً بأصواتهم. وهنا تتجلى قيمة العمل بوصفه جسراً ثقافياً، لا مجرد سجل انطباعات.

رابعاً: اللغة والأسلوب – اقتصاد التعبير وصدق النبرة

لغة حسن عبادي هادئة، غير متكلّفة، ومتحرّرة من الزخرفة الخطابية. وهي لغة تنحاز إلى الصدق أكثر من انحيازها إلى البلاغة، وإلى المعنى أكثر من الإبهار. تأتي الجملة غالباً قصيرة أو متوسطة الطول، مشحونة بالدلالة، وكأن الكاتب يدرك أن المساحة – كما الزمن في الزيارة – محدودة.

وتبرز قوة الأسلوب في قدرته على تحويل اليومي والعابر إلى دلالة كبرى: نظرة أسير، كتاب مُنع من الدخول، حوار مبتور، أو ابتسامة مؤجلة. كل تفصيل صغير يتحول إلى علامة على عنف المنظومة الاستعمارية، وعلى صلابة الوعي في مواجهتها.

خامساً: الرؤية الفكرية – الثقافة في مواجهة الكيّ

ينطوي الكتاب على رؤية فكرية واضحة، مفادها أن الثقافة فعل مقاومة لا يقل شأناً عن أي شكل نضالي آخر. فالاحتلال، كما يشير النص، لا يكتفي بسجن الجسد، بل يسعى إلى «كيّ الوعي» عبر المنع، والعزل، وتجفيف منابع المعرفة.
في مقابل ذلك، يقدّم عبادي صورة مغايرة للأسير: ليس ضحية ساكنة، بل فاعل ثقافي، قارئ، كاتب، ومفكّر، ينتج المعنى من قلب القهر. وهنا تكمن إحدى أهم إسهامات الكتاب: تفكيك الصورة النمطية للأسير وإعادة بنائها بوصفه ذاتاً منتجة للمعرفة.

سادساً: القيمة الجمالية والإنسانية – من التوثيق إلى الخلود

تتجاوز أهمية «متنفس عبر القضبان» كونه وثيقة عن مرحلة أو تجربة، ليغدو نصاً إنسانياً مفتوحاً على الذاكرة الجمعية. إنه يكتب ضد النسيان، وضد العزلة، وضد تحويل الأسرى إلى أرقام أو ملفات أمنية.

كما أن إدراج ردود الأفعال، والتعقيبات، وأصداء النصوص، يمنح الكتاب بعداً تفاعلياً، ويؤكد أن ما كُتب خلف القضبان لم يبقَ حبيسها، بل خرج إلى الفضاء العام، محققًا غايته الأسمى: الحرية عبر الكلمة.

وفي الختام؛ يمكن القول إن كتاب «يوميات الزائر والمزور: متنفس عبر القضبان» عمل أدبي-ثقافي بالغ الأهمية، لا لأنه يروي حكايات الأسر فقط، بل لأنه يعيد تعريف الكتابة ذاتها: بوصفها فعل وفاء، ومسؤولية أخلاقية، ومقاومة ناعمة في وجه منظومة عنف صلبة.

إنه كتاب يُقرأ لا بعين الناقد فحسب، بل بضمير القارئ، ويترك أثره لا في الذائقة فقط، بل في الوعي.

منى أبو حمدية

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى