أرجوحة الذاكرة وتصدّع الصمت
قراءة في امتثالات الحنين والانكسار عند عبد الستار نور علي
إنّ الشعر، في جوهره، نقرٌ هادئ على جدار الصمت، ومحاولةٌ شاقّة لترميم شروخ الذاكرة بغية إعادة بناء الوعي الإنساني من تفاصيل الحياة اليومية. وهو إذ يتجلّى بوصفه أرجوحةً رقيقة تتهادى بين الواقع والرمز، يعيد الذاكرة دافئةً، متسائلةً، وباحثةً عن مرافئ آمنة وسط فيض الخيبات والتحوّلات الزمنية؛ ومن هنا تحديداً تتسم اللغة الشعرية في (نصوصٍ قصيرةٍ جداً) (*) للشاعر عبد الستار نور علي بقدرتها على الانزلاق الهادئ بين اليومي والرمزي، بحيث تبدو العبارة في ظاهرها بسيطة، غير أنها تحمل في عمقها توتّراً دلالياً خفياً؛ لغة تتجاوز الإبهار البلاغي المباشر لتسعى إلى خلق شقوق دقيقة في سطح المعنى، تسمح للذاكرة والتجربة بالتسرّب.
يتكئ الشاعر على مفردات مألوفة، غير أنّه يعيد ترتيبها ضمن سياقات غير متوقعة، فتغدو الكلمة وكأنها تُقال للمرة الأولى، وتتحوّل اللغة إلى مساحة اختبار تبتعد عن تقديم المعنى جاهزاً، وتدفع القارئ إلى ملاحقته في مناطق ملتبسة بين التذكّر والتخييل، بين الحنين والانكسار.
ثمة وهمٌ لطيف في الاعتقاد بأن هذه النصوص تُقرأ مروراً؛ والحقيقة أنها تُوقِف القارئ؛ إذ تُراوغ وضوحها، وتشتغل على منطقة حسّاسة بين الذاكرة واللغة، ويتجاوز النص كونه مجرد حكاية قصيرة ليتحوّل إلى حقل توتّر تتعثر فيه القراءة نفسها. هنا يبدأ التوقّف بوصفه استجابةً لحيوية المعنى وتمنّعه حين يفلت من ثباته الأول.
يبدأ الانفتاح على الذاكرة من عتبة الطفولة، حيث تتكوّن البذرة الأولى للقراءة، ومن هناك تنبثق العلاقة الأولى بين النص والحلم بوصفها تجربة معاشة، وتتجاوز مجرّد فعل تلقٍّ، كما ينكشف في استهلال الشاعر لنصّه الأول:
«1»
وانا أحبو في عالم القراءةِ،
في خمسينياتِ القرنِ الراحلِ،
الذي كان واقفاً على ثورٍ..
ذي قرنين،
حثّني ابنُ عمي الكبير:
أنْ أقرأ روايةَ "المصابيح الزرق"،
وحين قرأتُ (حنا مينا)
امتطيتُ أمواجَ البحر...
يبدأ الشاعر نصّه بالعودة إلى ينابيع التكوين الأولى، مستحضراً زمناً يتأسّس على استعارة كثيفة : قرنٌ راحل يقف على ثور ذي قرنين. هنا يُستدعى الماضي بعيداً عن الاسترجاع البسيط، ليتجلّى بوصفه أسطورة شخصية. وعندما يُحال القارئ إلى "المصابيح الزرق" واسم حنّا مينه، يتجاوز الأمر التجريد ليكتفي باستدعائه إلى معايشة الأثر: امتطاء البحر. هذه القفزة من القراءة إلى الامتطاء ليست انتقالاً منطقياً، وإنما انزياح دلالي حاد، حيث تنفصل الكلمة عن وظيفتها الإشارية لتغدو تجربة حسّية ناضجة.
ويتكثّف الحلم أولاً، ثم يبدأ بالانكسار حين تتدخّل الذاكرة الثقافية في امتزاجه، فتتحوّل الرومانسية إلى اختبار قاسٍ لعلاقة الذات بالعالم.
«2»
كانَ البحرُ حلماً رومانسياً،
لكنّني حين حفظتُ:
"تجري الرياحُ بما
لا تشتهي السفنُ"
و "الشيخ والبحر"
صرتُ ريشةً..
في مهبِّ الرّيحْ
يتعمّق هنا الانفصال بين الحلم والواقع، إذ يتحوّل البحر من فضاء رومانسي إلى قوة معاكسة عبر دخول الذاكرة المدرسية ممثّلة ببيت المتنبي، الذي يأتي كقوة تقويض للحلم يتجاوز الحكمة الجاهزة. ثم تحضر إحالة "الشيخ والبحر" لتكثيف الصراع، قبل أن تنتهي الذات إلى صورة الريشة، كيان هش منزوع الإرادة. التدرّج من الامتطاء إلى التلاشي يكشف تحوّلاً جذرياً: ينتهي البحر عن كونه موضوعاً خارجياً ليصبح قوة قاهرة، وتتخلّى الذات عن فاعليتها لتغدو أثراً عابراً.
ثم يتجه السرد لدى الشاعر نحو الداخل، حيث تتكشّف هشاشة العلاقة بين القارئ ونصوصه، وتغدو التفاصيل اليومية مرآة لانكسار أعمق مما يبدو.
«3»
في مكتبتي الصغيرة
ذاتِ الزجاج المكسور،
أيامَ كنتُ صغيراً،
وأقرأ كثيراً،
مزَقتْ قطتي المشاغبةُ
مجلاتي الأدبيةَ والفنيةَ،
بمخالبِها،
إرباً.... إرباً....
ونامتْ مستريحةً
على فراشِها الوثير!
تُرى هل كانتْ تُدركُ
أنّ رأسي يتمزّق
إرباً.... إرباً....
بين شظايا الأوراق؟
ينقلنا النص إلى الداخل، إلى فضاء حميمي تتكثّف فيه العزلة، حيث يتجاوز الكسر في الزجاج مجرّد تفصيل مادي ليصبح علامة على هشاشة تجربة القراءة ذاتها. القطّة التي تمزّق المجلات تتحوّل إلى وسيط رمزي عنيف بين القارئ ونصوصه، ومع السؤال الحائر عن إدراكها لتمزّق الرأس، يتكشّف توازٍ مؤلم بين الخارج والداخل. اللغة هنا تتجاوز الوصف المجرد لتُحدث أثرها المباشر، كاشفةً أن التمزّق بنية كامنة في الوعي تتعدى الحدث العابر.
ومن هذا الداخل المتشظّي تنبثق مفارقة لغوية خفيفة المظهر، عميقة الدلالة، حيث تنكشف الفجوة بين ما يُقال وما يُفهم داخل السياق الاجتماعي.
«4»
سألَ صديقُ أبي يوماً:
في أية كليةٍ يدرسُ ابنُكَ ستّار؟
أجابَهُ أبي باعتزاز:
في كلية الآداب.
أردفَ الصديقُ:
يستاهلْ،
هو مؤدبٌ جداً!
تنزلق اللغة هنا إلى مفارقة دلالية شفافة، حيث يُفهم مصطلح "كلية الآداب" بوصفه قيمة سلوكية يبتعد عن التخصّص المعرفي. يتحوّل المعنى العلمي إلى معنى أخلاقي، وتنكشف فجوة لطيفة بين نظامين لغويين. هذه اللحظة تبتعد عن إنتاج سوء فهم سلبي، وتفتح أفقاً تأويلياً يُظهر اللغة كمساحة احتمالات تجعلها أعمق من أداة تطابق.
ومع اتّساع التجربة، يتخذ الصراع شكلاً وجودياً داخل الزمن اليومي، فيتحوّل الليل إلى مساحة اختبار لتوتّر الذات بين الراحة والاحتراق.
«5»
للّيلِ حسناتهُ،
وسيئاتُهُ،
فيهِ نستريحُ..
منْ رَهَقِ النهارِ،
وفيهِ نُرهِقُ الرأسَ..
بالنارِ.
يتكثّف الصراع في ثنائية الليل، حيث يتجاور النقيضان داخل بنية واحدة دون حسم. فالليل يجمع بين الملاذ الخالص والعبء المطلق، مشكّلاً منطقة توتّر مستمرة. الإيقاع المتوازي يعمّق هذا التردّد، وكأن اللغة نفسها تأنَف إصدار حكم نهائي، مكتفية بفتح المجال أمام القلق المنتج.
ثم تتسع الدائرة لتشمل الذاكرة الجمعية والتاريخ بوصفهما امتداداً للتجربة الفردية، غير أن هذا الاتّساع يتجاوز الشعور بالأمان ليفضي إلى مزيد من التشظّي.
«6»
نامَ...
منذ ايامِ "لا أنام"
و:
"والفولاذُ سقيناه"
و:
"ولا ليلة ولا يومْ
أنا دُقتِ النومْ
أيام حبكْ .."
و:
" ادجلةَ الخير،
يا أمَ البساتين"
واستيقظ..
يومَ انهار جدارُ برلينَ.
فلا النومُ نفعَهُ
ولا اليقظةُ قادتْهُ
إلى ميناءِ راحةِ الرأس.
يتّسع الأفق هنا ليشمل الذاكرة الجمعية، حيث تتجاور شظايا من نصوص وأغانٍ مع حدث تاريخي مفصلي. هذا التراكم يبتعد عن إيجاد سرد متماسك، ويكشف عن تشظٍّ شعوري عميق؛ الذات التي نامت على أصوات الآخرين تستيقظ على صدمة التاريخ دون أن تبلغ السكينة. العبارات تتجاور دون أن تلتحم، كاشفة عن عجز الذاكرة الثقافية عن منح خلاص فردي.
بهذا الامتداد، تتكشف حركة النصوص بوصفها سلسلة من القفزات الدلالية والانزلاقات بين مستويات متعددة، حيث يصبح التوقّف جزءاً من فعل القراءة ذاته، ويتجاوز كونه عائقاً له. فالكلمة، حين تفقد ثباتها، تتحوّل إلى أثر حيّ مفتوح، وتبدأ طبقات المعنى في التشكّل: ذاكرة، تجربة، وانكسار. النص هنا يبتعد عن تقديم إجابة نهائية، ويظل سؤالاً مستمراً، يتجدّد مع كل قراءة، ويعيد تشكيل نفسه داخل وعي القارئ بوصفه فعلاً لا ينتهي.
(*) نُشِرت "نصوصٌ قصيرةٌ جداً" في موقع ديوان العرب، بتاريخ 13 /7/ 2026م
