أصدقائي الذين سبقوني إلى الضوء
لم يرحل أصدقائي الشعراء،
هم فقط
عبروا إلى الضفة الأخرى من القصيدة.
تركوا فناجين قهوتهم
تحتفظ بأثر أصابعهم،
وتركوا جملةً يتيمة،
وضِحكةً
ما زالت عالقةً في خشب الكراسي
كأن المكان
يرفض تصديق الغياب.
منذ رحيلهم
صار الطريق أقلَّ يقيناً،
وصارت خطاي
تمشي كمن نجا مصادفةً،
أبحث عن صدى رفيق
كي لا أبدو
الاسم الأخير
في قائمة الغياب.
كنّا نصدّق
أن القصيدة تؤخّر الوقت،
وأن اللغة
تمنحنا مهلةً أخرى للحياة.
لكن الموت
كان قارئاً قديماً،
يتصفّح قلوبنا بهدوء،
ويضع إشارته
عند الصفحات الأكثر نقاءً.
يا أصدقائي،
إلى أين أخذتكم هذه الخفّة؟
وأيُّ سماواتٍ
تحتاج الآن
كل هذا الحنين؟
أفتح دفاتر الأمس،
فتسقط منها أصواتكم
كأوراق خريف،
وأدرك
أن الفقد ليس حزناً فقط،
بل هذا الاتساع المفاجئ
في القلب.
علّمتموني
أن الشاعر
هو من يمشي بقلبٍ مكشوف
في طقسٍ لا يرحم،
وأن الكلمة
حين تصدق
تصير وطناً صغيراً للفقراء.
فكيف أمشي الآن
ونصف قلبي
نائم تحت أسمائكم؟
أصدقائي،
كلما حاولت أن أكتبكم
تضيق اللغة،
كأن الحزن
أكبر من الحروف.
ومع ذلك
سأكتب،
لأنكم تركتم لي
هذه المهمة الصعبة:
أن لا نغيب مرتين،
مرة بالموت،
ومرة بالنسيان.
سلامٌ عليكم
في الضوء الذي صرتموه،
سلامٌ على أسمائكم
حين تمرّ في قلبي كدعاء،
وأنا..
كلما مشيت في دربنا القديم
أصل متأخراً،
وحدي،
وأقلَّ اكتمالاً.
