الأربعاء ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
بقلم نورة أحمد محمد جاد

أمل محترق في رماد سيجارة

كانت الاضواء تغرق المكان الصغير..تحتل الفراغات وخبايا الوجوه..ظل يراقب تدفق الوجوه امامه..

لم يعر ايٌ من هؤلاء يوما ادنى اهتمام. ينقدونه ثمن التذكره، ويظلوا فى تأرجحهم عاليا مع ارتفاع الساقيه..تأتيه صرخاتهم،كانها شىء سخيف لا مبر له..لا يعير خوفهم ادنى اهتمام..تناول سماعات مشغل الموسيقى من جيبه، لينصت الى صوت فيروز، تمسح برقتها كل ماعلق بقلبه، من صدى صرخاتهم الخائفه..ويعود ليزيح السماعات جانبا، ليصعد ركاب اخرون، قد نقدوه ثمن تذاكرهم..تدور الساقيه من جديد..يحكم لف (الكوفيه) جيدا حول رقبته،وبين اصابعه تنام سيجارة، تتنقل بين اصابعه وشفتيه..لم يعرف ابدا، حينما كان ينكب على تلك الكتب، التى يدرسها فى الجامعه، ان حاله سيؤول الى ما آل اليه..وان سنوات الدراسه ستتحول الى رماد،مثل رماد سيجارة محترقه..

كم ترقب وجهها طويلا بين الوجوه..تعلقت عيناه بعينيها..استشرى الدفء فى جسده فجأة..كانت كإحدى صفحات الدراسه، صفحة لم تُغلق ابدا..كانت تدور فى الساقيه كيف لم ينتبه اليها وهى تصعد..الهاه صوت فيروز تهمس فى اذنيه.(.ليالى الشمال الحزينه.. ضلى اذكرينى اذكرينى..يسال عليا حبيبى.. ليالى الشمال الحزينه)...زادته الكلمات وجعا على وجع،

تعانقت نظراتهما..مازالت كما هى، تسود نظراتها الدهشه...مازالت كالاطفال..بابتسامتها المطله بخجل فوق شفتيها.توقفت اللعبه..وتوقف قلبه عن النبض..ود لو توارى فى ابعد مكان الان...ماذا لو انشقت الارض لتبتلعه، بعيدا عن نظراتها المتشحه بالدهشه...اخذ نفسا عميقا من سيجارته...هل ستأتى؟

ستمد له يدا مرتعشه، وستساله عن احواله..سيخبرها انه بخير..لن تساله عن ذاك العمل الذى التحق به..لكن عينيها لن تبخل بالسؤال..وستمنحه نصف ابتسامه، محمله بالضيق لحاله..اخذ نفسا اخرا من سيجارته، التى لا تضل طريقها بين شفتيه وأصبعه والعكس..سترسم على كفه خطوط السعاده، حينما تتلاقى اناملهما، فى عناق محموم بالشوق...وستودعه بعدها بنظرة حزينه مُثقلة، بألف سؤال، أوقفته امام اللعبة،التى ترتفع عاليا...خطت خارجها، يتبعها اخرين..لم يعرهم اهتماما..ولم يبال بصوت فيروز، الذى يدق فى اذنيه..ولا بالسيجارة، التى اوشكت على تقبيل اصبعيه بنيرانها...وكأنه فقد الشعور بالوقت..غابا فى نظرة طويله..تقدمت تجاهه...سابحة فى اضواء الحديقه، فتبدو كاحدى بطلات الحواديت...لم تمد يدها ولم ترمقه بنظرتها المحمله بالاسى..ولم تمنحه نصف إبتسامه..فقد خبت الاضواء..عم المكان ظلام دامس..لم يتحرك..ولم تقو اقدام الناس المذعوره، التى تتزاحم للخروج، من نطاق الارض المقامه،فوقها اللعبه،على زحزحته من مكانه..ظل ثابتا فى مكانه وكانه قد زُرع كالاشجار هنا..انتظر طويلا..وحتى القبلة المؤلمه، التى تركتها له بقايا سيجارته،التى نامت لحظات طوال،على شفتيه لم تؤلمه...كان هناك وجعا اكبر هناك..حيث لا يعرف به احد..حينما عادت الاضواء لم تكن هناك..لا نظرتها ولا بسمتها..سالت دمعه..تركها تحبو ببطء على وجنتيه...ثم اشعل سيجارة، راحت هى الاخرى تطير بين شفتيه واصبعيه..وعاد لصوت فيروز، ولصرخات الركاب المذعوره، تسلب منه روحه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى