الجمعة ٢٢ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢١
بقلم محمد زكريا توفيق

أوريستيا - ثلاثية إسخيلوس – حاملات القرابين

ثلاثية أوريستيا لإسخيلوس تتكون من ثلاث مسرحيات، هي: أجاممنون، "حاملات القرابين" و"ربات الغضب". يمكن أن تعرض منفردة في ثلاثة عروض، أو في عرض واحد مستمر، حسب أحداثها الزمنية. بعض الشخصيات، تظهر في كل أجزاء الثلاثية.

بعد نصر أجاممنون المؤزر على طروادة، الذي جاء أيضا في مسرحيتي "هيكوبا" و "نساء طروادة" ل يوريبيديس، تتآمر زوجته وابن عمه، ويقوما بقتله شر قتلة. جريمته هي أنه قام بالتضحية بابنته إفيجينيا إرضاء للآلهة، حتى يتم له النصر في حربه مع طروادة.

المسرحية الثانية في الثلاثية، "حاملات القرابين"، أو "حاملات شراب القرابين"، تكمل تراجيدية العائلة. لقد مرت عشر سنوات، وأصبح الآن بطلي المسرحية هما إلكترا، ابنته الكبرى، وأوريستيس، ابنه الوحيد. هذه المسرحية عبارة عن دراما الانتقام أو الثأر، تشبه إلى حد كبير مسرحية "إلكترا" ل سوفوكليس.

قيل إن مدينة أثينا قد تركت للعالم اثنين من الروائع، كلاهما في غاية الجمال والروعة. البارثينون في الأكروبوليس، وثلاثية أوريستيا. كان إسخيلوس الأب العظيم للدراما عند الإغريق بصفة خاصة وفي الغرب بصفة عامة. تبين هذه الثلاثية الجزء الأكبر مما نعرفه عن أفكاره.

من بين سبعين مسرحية أو نحو ذلك كتبها، لم ينج منها، سوى سبع مسرحيات. كانت موجودة بالكامل في مكتبة الإسكندرية قبل حرقها. المسرحيات الأربع الأخرى الباقية، هي أجزاء من ثلاثيات، كل منها منفصل عن باقي الأجزاء الأخرى. بالتالي من الصعب دراستها بالكامل. لكن الأوريستيا قد وصلتنا عبر العصور كاملة. فيها يقدم لنا إسخيلوس، رؤية فريدة كاملة عن مجتمعه. رؤية رائعة ليس لها مثيل.

من أين أتت الدراما اليونانية؟ الدراما هنا بمعنى المسرح. هذا لغز محير. يبدو أن الدراما اليونانية لها جذورها في الاحتفالات الدينية، التي كانت تتضمن الموسيقى والرقص في المعابد. ربما نقلت من المعابد المصرية التي كانت تعرض فيها أسطورة إيزيس وأوزوريس.

بحلول القرن السادس قبل الميلاد، حول الأثينيون الاحتفالات الريفية بالإله ديونيسيوس، إلى مهرجان حضري مع جوقات راقصة، تتنافس على الجوائز. إلى أن جاء شاعر مجهول مع فكرة وجود جوقة (كورس)، يتفاعل مع ممثل ملثم.

في وقت لاحق، استخدم إسخيلوس اثنين من الممثلين الملثمين، كل يلعب أجزاء مختلفة من العرض. من هنا ولدت الدراما اليونانية، وأصبحت ممكنة. مع اثنين من الممثلين وكورس، يمكن أن تعرض قضايا معقدة ومؤامرات وصراعات إنسانية، كما لم يحدث من قبل.

الشعراء الذين كانوا يتنافسون في المهرجان، لم يعودوا يكتبون ترانيم متقنة، بل مسرحيات حقيقية. بشكل لا يصدق، كان الكتاب المسرحيون أكثر من مجرد كتاب. ألفوا الموسيقى، وصمموا الرقصات، وأخرجوا ووجهوا الممثلين.

كانت أثينا الدولة اليونانية الوحيدة التي تطور فيها هذا الشكل الفني. الكوميديا والمآسي والدراما التي وصلتنا من تلك الفترة، بالرغم من وصفها بأنها أعمال يونانية، هي في الواقع أعمال نتجت في مدينة أثينا.

بعد هزيمة الفرس في الحرب، 480-479 قبل الميلاد، برزت أثينا كقوة عظمى بين دول المدن اليونانية المستقلة، خلال هذا الوقت، أصبح مهرجان الدراما، أو ديونيسيا، حدثا مذهلا. كان يستمر من أربعة إلى خمسة أيام.

كانت المدينة تأخذ الاحتفالات على محمل الجد. تفرج عن السجناء بكفالة، تأخذ معظم الأعمال العامة إجازة وتتوقف عن العمل. كان يشاهد المسرحيات ما يقرب من عشرة آلاف مواطن، من الذكور الأحرار وعبيدهم، في مسرح ضخم في الهواء الطلق. يمكن أن يتسع ل 17 ألف متفرج.

لمدة ثلاثة أيام، في كل يوم، كان يعرض الأثينيون ثلاث أعمال مأساوية وعمل كوميدي خفيف عن موضوع من الأساطير. الأعمال المأساوية لكاتب مسرحي تراجيدي من ثلاثة، تم اختيارهم مسبقا. لم يكن من الضروري أن تكون الثلاثيات دراما ممتدة، تتعامل مع نفس القصة، بالرغم من أنها كانت كذلك في كثير من الأحيان.

الأوريستيا هي الثلاثية الكاملة الوحيدة الباقية لدينا. بالرغم من أن المسرحيات الثلاث لسوفوكليس، التي تتعامل مع أسطورة أوديب، تسمى أحيانا "ثلاثية أوديب". إلا أن سوفوكليس لم يقدم تلك الأعمال معا. في الواقع، كتب المسرحيات بشكل منفصل على مدى عقود. في نهاية المهرجان، تحصل المآسي على الجائزة الأولى والثانية والثالثة من قبل محكمين متخصصين.

بالنسبة للمشاهد الحديث، قد يكون الكورس، هو العنصر الأكثر غرابة في المسرحية. لم يكن المقصود بالدراما اليونانية أن تمثل الواقع. لقد كانت شكلا فنيا منمقا للغاية. كان الممثلون يرتدون أقنعة، ويتضمن العرض الأغاني والرقص.

الكورس يقدم الكثير من المشاركة والشرح بالقول والشعر والغناء للموضوعات. في مسرحية حاملات القرابين، الكورس مكون من النساء السبايا الذين يعيشون في قصر كليتيمسترا وإيجيسثوس.

هن مواليات لأوريستيس وإلكترا، ويكرهون كليتيمسترا وإيجيسثوس. يتفاعلن مع الممثلين، ويلعبن دورا حاسما في المسرحية. بشكل عام، الكورس في أوريستيا، هو أكثر تكاملا من الأعمال الأخرى ل إسخيلوس.

معرفة اللعنة التي أصابت بيت أتريوس، وقصة أجاممنون، هما أمران ضروريان لفهم أحداث حاملات القرابين. بدأت لعنة بيت أتريوس مع عداء بين شقيقين، أتريوس وثيستيس. بعد أن أجبر ثيستيس على الفرار، رجا أخيه أتريوس لكي يسمح له بالعودة، هو وأطفاله. تظاهر أتريوس بالموافقة.

دعا أتريوس أخاه ثيستيس إلى وليمة، لكنه دبر سرا ذبح جميع أطفاله، وقدم لحومهم على أنها لحوم عادية. أكل ثيستيس لحم أطفاله مطهيا وهو لا يعلم. في نهاية الوليمة، كشف أتريوس لثيستيس ما كان يأكله. هرب ثيستيس بطفله الوحيد، إيجيسثوس، الذي نجا من هذه المجزرة، بعد أن قام بلعن منزل أتريوس.

كان ل أتريوس ولدان، أجاممنون ومنيلاوس. تزوج أجاممنون كليتيمسترا، وتزوج منيلاوس هيلين. أغوت هيلين باريس في طروادة، وذهبت معه عن طيب خاطر إلى مدينته. نظم أجاممنون ومنيلاوس وباقي زعماء اليونان قوة هائلة لاسترجاع زوجته هيلين.

تجمع أسطول أجاممنون في أوليس، لكنه لم يتمكن من الإبحار لأن الإلهة أرتميس كانت غاضبة، وأبقت الطقس في غير صالحهم. قال العراف كالتشاس لأجاممنون، لكي يسترضي الآلهة، يتعين عليه التضحية بابنته إفيجينيا.

فعل أجاممنون ذلك، وأبحر هو وقواته. شنوا حربا على طروادة لمدة عشر سنوات طويلة. وأخيرا، تم تدمير المدينة وذبح أو استعباد جميع سكانها هناك. في رحلة العودة، مر أجاممنون بعاصفة بحرية رهيبة، لم تنج منها سوى سفينته.

عاد أجاممنون مع عشيقته كاساندرا. بينما كان بعيدا، اتخذت زوجته كليتيمسترا عشيقا لها، لم يكن سوى إيجيسثوس، الابن الوحيد الباقي على قيد الحياة لثيستيس.

بعد وقت قصير من عودة أجاممنون، قتلته كليتيمسترا زوجته، بينما كان يستحم. كاساندرا عشيقته كانت الضحية التالية. كانت مقتنعة بأنها لن تستطيع تغيير مصيرها. لذلك سارت عن علم نحو حتفها.

عرضت كليتيمسترا جثمان الملك، وأعلنت أن العدالة قد تحققت بموته. كانت دوافعها مختلطة. شملت الرغبة في السلطة، وحبها لإجيسثوس، وأيضا رغبتها في الانتقام والثأر لذبح أجاممنون لابنتهما البريئة، إفيجينيا. نصبت كليتيمسترا وإيجيسثوس نفسيهما كملوك غير شرعية لأرجوس، مما يقودنا إلى حاملات القرابين.

المسرحية كتبت في أرجوس، بعد سنوات عديدة من وفاة أجاممنون، تبدأ مع عودة أوريستيس، يرافقه صديقه بيلاديس. أوريستيس وأخته إلكترا الآن شابان، لكنهما محرومان من ميراثهما الشرعي.

كان أوريستيس يعيش في المنفى، وإلكترا، تعمل خادمة في منزل والدها. يأتي أوريستيس متنكرا، لكي يزور قبر والده. بينما هو هناك، جاءت مجموعة من النساء، ومعهن إلكترا، لكي يقدمن مراسم الحداد.

يخفي أوريستيس نفسه حتى يعرف نية النساء. النساء يقمن بصب شراب القربان تكريما للموتى. لكن، تذهل إلكترا عندما تجد خصلة شعر على قبر والدها أجاممنون. خصلة الشعر على القبر، شيء عادي وعمل تقليدي بالنسبة لقبور الموتى.

لكن الغريب هو كون الخصلة لها نفس لون وملمس شعر أولاد أجاممنون. بالتالي، يجب أن تكون قد جاءت من رأس أوريستيس. بعد ذلك بقليل، يكشف أوريستيس عن نفسه، ويعلن أنه قد عاد للانتقام من مقتل والده، ولكي يستعيد العرش.

أبولو نفسه، هو الذي أمر أوريستيس بقتل المغتصبين. ثم يحاول أوريستيس وإلكترا استدعاء روح أجاممنون، لأخذ الموافقة على المضي قدما في مخططهما.

يسأل أوريستيس النساء، لماذا جاؤوا لتقديم القرابين في قبر أجاممنون. فتخبره النساء السبايا بأن كليتيمسترا هي التي أرسلتهن، بعد أن باتت تعاني من كوابيس رهيبة، يعضها فيها ثعبان سام، قامت بإرضاعه من ثدييها من قبل.

فسر الكهان كوابيسها بأنها تعني أن الموتى غاضبون. لذلك أرسلت كليتيمسترا إلكترا والنساء السبايا لصب القرابين في قبر أجاممنون كمحاولة لاسترضاء روحه الغاضبة.

وضع أوريستيس خطة. هو وبيلاديس صديقه، سيدخلان القصر متنكرين. إلكترا ستراقب، الكورس المكون من النساء السبايا، يصمتن. لكن يمكنهن المساعدة إن استطعن. الرجلان سينتظران لحظة مناسبة لقتل إيجيسثوس وكليتيمسترا.

هناك تغيير في مشهد قبر أجاممنون، ومشهد خارج قصر كليتيمسترا. يقترب أوريستيس وبيلاديس من أبواب القصر، ويتظاهران بأنهما مسافران أجانب، جاءا بأخبار مروعة. لقد مات أوريستيس.

ترحب كليتيمسترا بهما. ثم ترسل ل إيجيسثوس حتى يتمكن من سماع الأخبار السارة. سيليسا، مربية أوريستيس القديمة، تذهب وهي حزينة تبكي للبحث عن إيجيسثوس. لأن أوريستيس كان لها مثل الابن.

الكورس تلمح بأن أوريستيس قد يكون لا يزال على قيد الحياة، ويحثون سيليسا على حث إيجيسثوس لكي يأتي وحده، دون حرسه الشخصي. لا تفهم سيليسا تماما تلميحات الكورس الخفية، لكنها تفعل ما يطلب منها.

يعود إيجيسثوس بدون حراسة. يذهب إلى القصر، وبعد لحظات يظهر أحد أتباعه ويعلن مقتل إيجيسثوس. ثم يحذر كليتيمسترا من الخطر القادم. قبل أن تتمكن من اتخاذ تدابير لحماية نفسها، يخرج أوريستيس وبيلاديس من القصر ويقومان بالقبض عليها.

تنتاب أوريستيس لحظة تردد، لكن بيلاديس يقنعه بأنه يجب أن يستمر في تحقيق هدفه. تحاول كليتيمسترا، دون جدوى، حمله على إنقاذ حياتها، وتحذره من مغبة قتلها، حتى لا يصاب بلعنة قتل الأم. لكن أوريستيس لا يرق أو يلين.

هو وبيلاديس، يقومان بجر الملكة إلى داخل القصر. تفتح الأبواب، ويكشف أوريستيس عن جثتي والدته وإيجيسثوس. ويقول بأن العدالة قد تحققت أخيرا، ثم يبرر أفعاله. يعلن عن نيته الذهاب إلى ضريح أبولو وانتظار المزيد من التعليمات.

فجأة، تظهر آلهة الغضب. هي مرئية ل أوريستيس فقط. آلهة مخيفة، رؤوسها تخرج منها الحيات. لقد حان الوقت لكي يدفع أوريستيس ثمنا لقتله لوالدته. يهرب أوريستيس، تتبعه آلهة الغضب. سبايا الكورس تتساءل، عما إذا كانت قد أصابته لعنة منزل أتريوس، وهل من الممكن التخلص منها مستقبلا؟

ملاحظات على المسرحية:

كتب أرسطو أن العنف بين الأقارب هو جزء من المأساة. العنف في أوريستيا يحدث بين جميع أفراد الأسرة. وبالتالي، لا يمكن أن تحدث جريمة قتل دون الشعور بالذنب. الحب دائما مصحوب بالخوف. إرضاع كليتيمسترا للأفعى السامة من ثدييها، هو رمز لهذا الموضوع.

الكراهية والحب بينهما علاقة معقدة. في بعض الأحيان، تدفع بعضها البعض نحو الشدة بدلا من التخفيف. من الأمثلة، هي المرارة والكراهية الشديدة التي تكنها إلكترا وأوريستيس نحو والدتهما. الكثير من هذه الكراهية يأتي من حقيقة أنهما يشعران برفض أمهما لهما. هذا الكره، لن يكون بهذه الحدة، إذا لم تكن كليتيمسترا أمهما.

جزء من ثلاثية إسخيلوس، هو احتواء قصة بيت أتريوس، وشرح الأحداث من ناحية التقدم الحضاري. جرائم القتل في المنزل كلها مصنوعة لتناسب نموذجا تفسيريا، يجعلنا نفهم المستقبل والماضي. أوريستيس على علم بلعنة منزله، ويأمل أنه بقتل والدته، يضع حدا لدورة العنف داخل المنزل.

العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم. القانون القديم للغضب ينص على أن الدم يجب أن يدفع ثمنه بالدم، في دورة لا تنتهي من الموت. تردد السبايا (الكورس) هذه المقولة عدة مرات طوال المسرحية.

الانتقام هو القانون المنزل من السماء لأجيال. في البداية، يصف الكورس كيف أن الدم الذي يسيل على أمنا الأرض بقوة، لن يتسرب ويذهب هباء، بل يولد الانتقام من المذنبين. أي أن الدم لا يزال ويطهر إلا بالمزيد من الدم. وهذا بدوره، يتطلب المزيد من الدم من أجل غسل الدم السابق، وهكذا في دائرة جهنمية لا نهاية لها.

الكورس لا يقدم أي حل لهذه الحالة المزرية من العنف اللانهائي. إنهن يذكرنها فقط كقانون طبيعي، ويفعلن ما في وسعهن لمساعدة أوريستيس على أداء دوره في الخطة الإلهية. ومع ذلك، نشعر عند مشاهدة المسرحية، أن الأمور هذه المرة، ستكون مختلفة.

لقد وعد أبولو أوريستيس بأنه لن يعاني من جريمته. ونحن نعلم أن الآلهة في العادة لا تنكس بوعودها. لكن الأوريستيا ككل، هي طريقة إسخيلوس في القول، بأن الإنسان لا يمكنه أن يأمل في بناء حضارة تقدمية، إذا كان غارقا في مستنقع دم دائم. إنه يقول، يجب إيجاد مخرج، أي إيجاد قانون جديد أكثر تحضرا.

في نهاية المسرحية، نعلم أن تخليص أوريستيس من اللعنة، لن يكون بهذه البساطة. ولكن بحلول نهاية الثلاثية، سيكون أوريستيس مفتاحا ليس فقط لإنهاء اللعنة، ولكن أيضا في وضع الأساس لخطوة جديدة لتقدم البشرية. الآلهة الأولمبية لها دور كبير في هذا التقدم، وخططها تجعل من الممكن مستقبل أكثر تحضرا للإنسان. من هنا تأتي أهمية ثلاثية إسخيلوس، أوريستيا.

في بعض الأحيان، قد يجد المرء مسرحيات إسخيلوس معقدة. لكن، هذا التعقيد هو الذي يجبرنا على العودة إليه مرارا وتكرارا. أحد مظاهر هذا التعقيد، هو أنه لا يوجد أخيار وأشرار بين البشر. بل رجال ونساء، يواجهون خيارات مستحيلة.

أجاممنون، كليتيمنسترا، وأوريستيس، هم جميعا في مواقف لا يحسدون عليها. العدو أمامكم والبحر خلفكم. كل منهم يجد نفسه في حارة سد، بين صخرة وحائط. موقف صعب غير عادي بشكل مأساوي. يقول لنا إسخيلوس إن الحياة في مجملها غير عادلة. وأنه يجب علينا تطوير أنفسنا وتغيير أفكارنا حتى نتمكن من التعامل مع القرارات الصعبة التي سنواجهها حتما.

وضع أوريستيس الخاص، يضع واجبه نحو والده أجاممنون، ضد واجبه نحو أمه كليتيمسترا. إن لم يقتل أمه، فإن الآلهة ستلاحقه. وعندما يقتلها، فإن آلهة الشر ستلاحقه أيضا.

فلا توجد إجابة صحيحة أو خاطئة من إسخيلوس. لكن، هناك خيارات أفضل وأسوأ. منذ أن ألقى أبولو بثقله كله وراء مسار الانتقام، التزم أوريستيس بأوامره. لكي يؤدي أوريستيس واجبه تجاه أبولو ووالده، ويحفظ قوانين المجتمع، حكم على نفسه بالمعاناة الأبدية.

كما هو الحال في الجزء الأول من ثلاثية أوريستيا (أجاممنون)، نجد أن مواضيع العدالة والانتقام متشابكة بشكل قوي جدا. في الواقع، يمكننا القول إن الهدف الكامل من الثلاثية هو التفرقة بين العدالة والانتقام، العدالة والثأر.

في المسرحية، علينا أن نضع في اعتبارنا أن أوريستيس، لم يكن عازما على قتل والدته وعشيقها، كرغبة منه أو بسبب الغيرة. لكنه فعل ذلك بدافع تطبيق العدالة، وبدافع الشعور العميق بالالتزام تجاه والده في الأساس. ناهيك عن حقيقة أن الإله أبولو كلفه بذلك.

ونحن هنا نتساءل، هل هناك عدالة في هذا الكون؟ نحن بالتأكيد لا نعرف الإجابة على هذا السؤال. لكن "حاملات القرابين" تجبرنا على طرحه والتفكير فيه.

هذه مأساة يونانية. هناك الكثير من الغموض حول مسألة ما إذا كان الفرد لديه إرادة حرة أم لا. هل هو مسير أم مخير؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، هو حر. ما هي حدود الحرية؟ وما دور القدر والحظ والصدفة فيها؟ وإذا كان الإنسان مسير بإرادة الآلهة أو القدر أو غيره، كيف يمكن معاقبته في الدنيا أو الآخرة؟

في المقال القادم، سنعرض المسرحية بأسلوب مبسط. فإلى اللقاء


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى