الأحد ٢٦ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

إبراهيم عيسى وتنوير المنصة

حين يتحول العقل إلى استعراض لا إلى مشروع اجتماعي

لا تكمن أهمية إبراهيم عيسى في أنه إعلامي مثير للجدل فحسب، بل في أنه يكشف مأزقا أوسع داخل قطاع من النخبة الليبرالية المصرية: مأزق الخطاب الذي يرفع شعار العقل والتنوير، لكنه يقدمهما غالبا في صورة أداء إعلامي صاخب، لا في صورة مشروع معرفي واجتماعي قادر على مخاطبة الناس من داخل واقعهم. فهو يعرف كيف يصنع المعركة، لكنه لا يعرف دائما كيف يصنع المعنى. يعرف كيف يستفز الوجدان العام، لكنه لا يعرف كيف يحاوره. يعرف كيف يطلق السؤال الصادم، لكنه نادرا ما يتوقف أمام السؤال الأهم: لماذا يرفض الناس خطابه؟ وهل سبب الرفض جهلهم وحده، أم أن طريقة الخطاب نفسها جزء من المشكلة؟

القول إن مشكلة إبراهيم عيسى أنه ينتقد الدين صياغة قاصرة، وربما مضللة. فالنقد الديني ليس جريمة فكرية، ومراجعة التراث ليست خيانة، ومساءلة المرويات التاريخية ليست خروجا على العقل. المجتمعات الحية لا تتقدم إلا إذا امتلكت القدرة على مراجعة تراثها، وفرز موروثها، والتمييز بين الدين والتدين، وبين النص والتأويل، وبين الإيمان والمؤسسة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد من جهد معرفي إلى تقنية إثارة، ومن بحث في المعنى إلى رغبة في كسر الرمز، ومن تفكيك للسلطة الدينية إلى تسفيه ضمني للوجدان الشعبي. عندها لا يصبح السؤال: هل من حق إبراهيم عيسى أن يتكلم؟ بل: أي نوع من الكلام يمارس؟ ولصالح أي أفق؟ وبأي تكلفة اجتماعية ورمزية؟

لقد صنع إبراهيم عيسى لنفسه صورة العقلاني المحاصر؛ المثقف الذي يقف وحده في مواجهة الخرافة، والإعلامي الذي يجرؤ على ما يخاف منه الآخرون. غير أن هذه الصورة، على جاذبيتها الإعلامية، تخفي هشاشة واضحة. فالعقلانية ليست نبرة ساخرة، ولا جملة حادة، ولا قدرة على إحراج الخصوم أمام الكاميرا. العقلانية، في معناها الجاد، انضباط معرفي، وتمييز بين المستويات، واحترام لتعقيد الظواهر، وتواضع أمام ما لا يمكن اختزاله. أما حين يصبح العقل أداء مسرحيا، فإنه يفقد أخلاقيته قبل أن يفقد حجته. إبراهيم عيسى لا يزعج قطاعات واسعة من الجمهور لأنه يسأل فقط، بل لأنه يسأل كما لو كان يوبخ. لا يناقش التراث غالبا بوصفه بنية تاريخية مركبة، بل بوصفه مادة خام للفضح والسخرية. لا يدخل إلى الحس الديني بوصفه ظاهرة اجتماعية عميقة، بل يتعامل معه كثيرا بوصفه مخزنا للخرافة. وهنا تحديدا يسقط التنوير في الاستعراض حين لا يعود الهدف توسيع أفق الناس، بل إعلان التفوق عليهم.

الفارق كبير بين التنوير بوصفه تحريرا للعقل، والتنوير بوصفه استعلاء رمزيا. الأول يحتاج إلى صبر، ولغة مشتركة، وثقة متبادلة، وقدرة على بناء الجسور. أما الثاني فلا يحتاج إلا إلى منصة، وكاميرا، وجملة قابلة للتداول. الأول يعمل في التربية والتعليم والقراءة وتطوير المفاهيم. أما الثاني فيعمل في الصدمة، وهندسة الغضب، وتحويل المقدس إلى مادة تلفزيونية مثيرة. لذلك ينجح إبراهيم عيسى في إنتاج الضجيج، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في إنتاج التحول. يفتح الجرح، لكنه لا يقدم علاجا. يشعل المعركة، لكنه لا يبني بعدها طريقًا.

وقد تجلت هذه الإشكالية بوضوح في الجدل الذي صاحب حديثه عن الإسراء والمعراج. لم تكن الأزمة في مجرد وجود قراءة مختلفة أو نقاش حول الروايات؛ فالتراث الإسلامي نفسه عرف مدارس ومناهج وخلافات وتأويلات متعددة. لكن الأزمة كانت في اللغة، والمقام، والأثر. حين تُطرح قضية ذات مكانة وجدانية عميقة عند ملايين الناس في سياق تلفزيوني صدامي، وبنبرة يراها المتلقي أقرب إلى النفي أو التهكم منها إلى البحث، فإن رد الفعل لا يكون معرفيا بالضرورة، بل دفاعيا. الناس لا يسمعون سؤالا، بل يشعرون بإهانة. لا يرون باحثا، بل يرون متعاليا. لا يدخلون في نقاش، بل يدخلون في معركة كرامة.

وهنا يجب تثبيت تمييز ضروري يتمثل في أن الدفاع عن حق إبراهيم عيسى في الكلام لا يعني الدفاع عن طريقته في الكلام. من الخطأ الرد عليه بالمنع أو البلاغات أو المطالبة بإسكاته؛ لأن ذلك يمنحه بطولة لا يستحقها خطابه دائما، وينقل النقاش من نقد المضمون إلى الدفاع عن حرية التعبير. لكن الخطأ المقابل أن تُعامل كل موجة اعتراض شعبية عليه باعتبارها دليلا على ظلامية المجتمع. هناك فرق بين مجتمع يرفض السؤال، ومجتمع يرفض أن يُسأل بلغة إهانة. وهناك فرق بين رفض العقل، ورفض عقل يتقدم إلى الناس كأنه عصا تأديب.

جوهر المشكلة أن إبراهيم عيسى لا يقدم نفسه غالبا بوصفه وسيطا بين المعرفة والجمهور، بل بوصفه قاضيا على الجمهور. وهذه أبوية ثقافية أكثر منها ليبرالية. فالأبوية لا تظهر فقط في خطاب الواعظ المحافظ الذي يريد ضبط الناس باسم الدين، بل تظهر أيضا في خطاب المثقف الذي يريد إعادة تشكيل الناس باسم العقل دون أن يصغي إليهم. الأول يقول لهم: أنتم لا تعرفون دينكم فاتبعوني. والثاني يقول لهم: أنتم لا تعرفون عقلكم فاتبعوني. كلاهما ينطلق من موقع الوصاية، وإن اختلفت اللغة والمرجعية.

الأخطر أن هذا النمط من التنوير يختار خصمه الأسهل. التدين الشعبي، بكل هشاشته وتناقضاته، يصبح ساحة مفتوحة للضرب المتكرر: الحجاب، الفتوى، الحديث، المعراج، التراث، الوعاظ، الموروث الديني. لكن السؤال الذي يبقى معلقا: هل تمتد الحدة نفسها إلى بنى القوة الأكثر تأثيرا في حياة الناس؟ هل يُفكك بالصرامة نفسها خطاب المال، والإعلام، والطبقة، والخوف، والسلطة، والامتياز، واحتكار المجال العام، وتدهور التعليم، وتهشيم العدالة الاجتماعية؟ أم أن العقل يصبح أكثر شراسة حين يواجه الضعيف رمزيا، وأكثر حذرا حين يقترب من القوة الفعلية؟

هذه ليست مطالبة بأن يتحدث الرجل في كل قضية. لا أحد يستطيع ذلك. لكنها مطالبة بالاتساق الأخلاقي لمن يرفع شعار التنوير. فالتنوير الذي يكتفي بنقد الخرافة الدينية ويتردد أمام الخرافة السياسية ليس تنويرا كاملا. والتنوير الذي يسخر من الواعظ ولا يفكك الإعلام حين يتحول إلى آلة تزييف ليس تنويرا كاملا. والتنوير الذي يطالب الناس بمراجعة معتقداتهم، ولا يراجع موقعه الطبقي والإعلامي والرمزي، ليس تنويرا كاملا. إنه تنوير مريح لأصحابه، قاسٍ على جمهوره، محدود في شجاعته، واسع في ضجيجه.

المفارقة أن إبراهيم عيسى، وهو يهاجم الوصاية الدينية، يمارس أحيانا وصاية مضادة. فهو لا يقول للجمهور تعالوا نفكر معا. بل يقول ضمنا أنا أفكر نيابة عنكم. لا يقول التراث معقد ويحتاج إلى فرز. بل يوحي كثيرا بأن التراث كله عبء. لا يميز بما يكفي بين الدين بوصفه إيمان، والتدين بوصفه ممارسة اجتماعية، والمؤسسة الدينية بوصفها جهازا، والفقه بوصفه تاريخا من الاجتهادات، والإسلام السياسي بوصفه مشروعا للسلطة، والتدين الشعبي بوصفه شبكة معنى وطمأنينة. وحين تُخلط هذه المستويات، لا نكون أمام تفكيك معرفي، بل أمام اختزال معاكس للاختزال الذي ينتقده.

فالتراث الإسلامي، لمن يريد نقده فعلا، ليس كتلة واحدة. فيه نص وتأويل، وفقه وحديث، وكلام وفلسفة، وتصوف وسياسة، ومذاهب ومجادلات، وسلطات ومقاومات. فيه ما يستحق التجديد، وما يستحق النقد، وما يستحق الدفاع عنه، وما يستحق التجاوز. أما اختزاله في صورة كاريكاتورية، فلا يختلف في بنيته عن اختزال الحداثة كلها في الانحلال، أو اختزال الغرب كله في المؤامرة. في الحالتين نحن أمام عقل يهرب من التعقيد إلى الشعار. وهذا هو الضعف المعرفي الأكبر في خطاب إبراهيم عيسى حيث يخلط بين الشجاعة والاختزال. نعم، قد تكون بعض أطروحاته صادمة. وقد يفتح ملفات مسكوتا عنها. وقد يزعج تيارات دينية محافظة تستحق النقد. لكن الصدمة لا تكفي كي يصبح الكلام عميقا، والاستفزاز لا يصنع معرفة، ومهاجمة المقدس لا تمنح صاحبها تلقائيا رتبة المفكر. كثيرون يستطيعون كسر الزجاج، لكن قليلون فقط يستطيعون بناء نافذة.

إن النقد الحقيقي للخطاب الديني المتشدد ينبغي أن يكون أكثر صرامة ودقة من خطاب إبراهيم عيسى نفسه. ينبغي أن يكشف توظيف الدين في السلطة، وأن يفضح المتاجرة بالفتوى، وأن يراجع الجمود الفقهي، وأن يحمي الناس من العنف باسم الأخلاق، وأن يحرر المرأة والجسد والفكر من الوصاية. لكنه لا يفعل ذلك بإذلال المؤمنين، ولا بالسخرية من المقدس، ولا بتصوير التدين الشعبي كله بوصفه مرضا اجتماعيا. الإصلاح الديني لا يبدأ من إهانة الإيمان، بل من تحريره من الخوف. والتجديد لا يبدأ من تحقير الوجدان، بل من كشف الفرق بين الإيمان الحي والجمود التاريخي.

والمشكلة أن خطاب إبراهيم عيسى ينتج أثرا عكسيا. فحين يظهر التنوير في صورة احتقار للوجدان الديني، فإنه يقدم خدمة مجانية لأكثر التيارات محافظة. يجعلها تقول للناس: أرأيتم؟ هؤلاء لا يريدون إصلاح الدين، بل يريدون إهانته. لا يريدون تحرير العقل، بل يريدون اقتلاع الإيمان. وهكذا يصبح إبراهيم عيسى، من حيث يريد أو لا يريد، جزءا من صناعة الاستقطاب الذي يزعم مقاومته. هو يحتاج إلى خصم غاضب كي يبدو شجاعا، والخصم يحتاج إليه كي يثبت أن التنوير عدوان على الدين. كلاهما يتغذى من الآخر.

وهنا تظهر النقطة غير المنطوقة في الظاهرة كلها: بعض الخطاب الليبرالي لا يريد بالضرورة إقناع الجمهور، بل يريد تأكيد تميزه أمام جمهور يشبهه. هو لا يخاطب الناس بقدر ما يخاطب طبقته الثقافية. لا يسعى إلى بناء أغلبية اجتماعية حول العقل، بل إلى إنتاج علامة هوية للنخبة؛ نحن الذين لا نصدق ما يصدقه العوام، نحن الذين نجرؤ حيث يخاف الآخرون، نحن الذين خرجنا من القطيع. في هذه اللحظة لا يعود التنوير مشروعا عاما، بل يتحول إلى ذوق طبقي؛ إلى طريقة في تمييز الذات عن الجمهور المحافظ. لذلك تبدو جرأة إبراهيم عيسى جرأة ناقصة. إنها جرأة أمام الوجدان الشعبي أكثر منها جرأة أمام البنى الصلبة. جرأة أمام النصوص والمرويات أكثر منها جرأة أمام المصالح. جرأة أمام المتدين العادي أكثر منها جرأة أمام شبكات القوة التي تحدد خبزه وتعليمه وصحته ومجاله العام. وهي جرأة تمنح صاحبها صورة المتمرد، لكنها لا تجعله بالضرورة صاحب مشروع تحرري.

ولا يعني ذلك أن المجتمع بريء من الجمود، أو أن الحس الديني العام لا يحتاج إلى مراجعة، أو أن المؤسسة الدينية لا تمارس أحيانا سلطة رمزية خانقة. بالعكس، المجتمع المصري والعربي يحتاجان إلى نقد عميق للوصاية، وللعنف باسم الأخلاق، وللتحالف بين الجهل والمقدس، ولتوظيف الدين في ضبط المرأة والجسد والفكر. لكن هذا النقد لا ينجح حين يأتي من خارج المجتمع كإهانة. العقل لا ينتصر حين يضحك على الناس، بل حين يمنحهم أدوات أرقى لفهم أنفسهم.

في أفضل حالاته، يستطيع إبراهيم عيسى أن يفتح سؤالا. لكنه في أسوأ حالاته يغلق إمكانية الحوار حول السؤال نفسه. يضع القضية في إطار من الحدة يجعل الناس يدافعون عن هويتهم بدل أن يفكروا في مضمون الكلام. وهذه خسارة مزدوجة؛ يخسر الجمهور فرصة التفكير الهادئ، ويخسر التنوير فرصة التحول إلى مشروع اجتماعي. وحين يتكرر ذلك، يصبح الإعلامي نفسه جزءا من المشكلة التي يدعي علاجها.

إن مصر لا تحتاج إلى تنوير يكره ذاكرة الناس، ولا إلى تدين يخاف من كل سؤال. لا تحتاج إلى واعظ يحتكر السماء، ولا إلى إعلامي يحتكر العقل. تحتاج إلى نقد يملك شجاعة السؤال وأدب المعرفة معا. تحتاج إلى خطاب يفرق بين احترام المؤمنين ونقد الأفكار، بين حماية المقدس من الابتذال وحماية العقل من الوصاية، بين إصلاح التراث وتحويله إلى مادة للتندر. تحتاج إلى مثقف لا يتلذذ بصدم الناس، بل يصبر على تغييرهم؛ ولا يتعامل مع الجماهير كعبء على الحداثة، بل كشرط لأي حداثة حقيقية.

من هنا، فإن أخطر ما في إبراهيم عيسى ليس أنه ينتقد الإسلام، بل أنه يقدم نقدا يجعل قطاعات واسعة من الناس تشعر أن الدفاع عن الإسلام هو دفاع عن الكرامة في وجه التعالي. وهذه نتيجة كارثية لأي خطاب يزعم التنوير. فحين يتحول العقل إلى إهانة، يصبح الوجدان قلعة مغلقة. وحين يتحول النقد إلى استعراض، يصبح التراث أكثر تصلبا. وحين تتحول الليبرالية إلى منصة للتفوق الرمزي، فإنها لا تحرر المجتمع، بل تعمق غربتها عنه. ليست المشكلة إذن في السؤال، بل في غرور السؤال. ليست في الجرأة، بل في انتقاء الجرأة. ليست في نقد التراث، بل في تحويل النقد إلى مشهد متكرر من الصدام المربح. إبراهيم عيسى ليس عدوا للعقل، لكنه يسيء إلى العقل حين يجعله نبرة لا منهجا، وسلاحا لا جسرا، وأداء إعلاميا لا مشروعا اجتماعيا. وهذا هو مأزقه الحقيقي الذي يتمثل في أنه يريد أن يظهر كمن يحرر العقول، بينما يترك كثيرين أكثر تشبثا بما أراد خلخلته. والنهضة، في النهاية، لا تبدأ من احتقار الناس، ولا من مداعبة غرور النخبة، ولا من تحويل الإيمان الشعبي إلى مادة استعراض. تبدأ من سؤال أكثر تواضعا وأشد عمقا: كيف نساعد الناس على التفكير دون أن نجعلهم يشعرون أن التفكير خيانة لذاكرتهم؟ هذا هو السؤال الذي لم ينجح إبراهيم عيسى، رغم كل ضجيجه، في الإجابة عنه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى