السبت ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٢

إجهاض عاقر

علا شيحه

يتغير كل شيء حتى نكاد نشعر أننا لم نكن هنا قبل برهةٍ نتساءل عن السبب أهي سرعة الدوران أم حتمية كونية

تفرش بساط وحدتها تجلس على تلك الأريكة قرب النافذة تقلب بتلات الذاكرة بحثا عن أشياء ضاعت لكن دون جدوى كل ليلة على هذه الحال لساعات تفتش صندوق الماضي في معاقل دماغها حيث استقر الموت هناك في زاوية صغيرة لينشر براصنه في كل الخلايا لا فائدة كانت تبحث عن ابتسامتها التي بترتها مقصلات الرفض والاضهاد لم تفقد الأمل فلربما تجد صورة ضاحكة في زاوية ما من هذا العالم المظلم

جلست تحدث نفسها

لم اعد تلك الطفلة الصغيرة التي قد تبكي اثر اي موقف او كلمة لقد غيرتني هذه الحياة كثيرا لتأتي الحرب فيما وبعد وتغير ما تبقى مني لتحولني في ثانية لانهائية إلى جثة تتداعى على جدار الأمل
في تلك الليلة كانت السماء مكتظة بغيوم رمادية راحت تسير في الطريق تائهة غير مبالية عائدة إلى بيتها ثم فجأة توقفت قررت أن تبقى خارجا لبعض الوقت فذلك المكان يضيق الخناق على صدرها إذ كانت على مراياه اثار الصدعات وفي جدرانه رائحة الموت وعلى السرير ذاكرة الدموع دموع تلك. الطفلة ابنة التسعة أعوام كانت تحتفظ بذاكرة دموع آلامها وقهرها

بينما كانت شاردة الذهن رأت امرأة تبدو قد تجاوزت الخامسة والأربعين باهتة الملامح شاحبة اللون اقتربت نحوها ببطء شديد حاولت أن تستجمع قواها لتسألها مابها لكنها كانت أقل جرأة فبادرت تلك المرأة بالحديث
مرحبا كيف حالك هل تحتاجين شيئا

اهلا لا كنت احاول استجماع نفسي لاتتحدث اليك وارى ان كنت بحاجة لشيء

لا شكرا

أشعر أن قصتك قاسية جدا أود أن أساعدك لو بمجرد سماعك اسمعي يا ابنتي لا تحاولي إضاءة آلام الآخرين لا لا أقصد إيلامك أنا فقط أردت مساعدتك وربما لشعور بالحوج لوجودك جانبي أنا ابنة العشرين عاما أشعر أني فقدت شغفي بكل شيء فقدت شغفي بكل أسباب الحياة لقد حولتني قسوة القدر إلى كتلة من جليد لا تبالي ولا تهتز لأي شيء ولا حتى للموت بل أصبحت صديقته وبات صديق ليلي الوحيد أعد له طقوسا يومية ونسهر معا نشرب النخب الأخير لكن الحياة تعاود مجددا لتفرقنا مابك يافتاتي تتحدثين عن الموت بهذا الشكل وأنت لم تكملي عامك العشرين بعد ماذا باستطاعتي أن أقول وأنا اليوم أوشك أن أدخل عامي الخمسين منطفأة تماما بلا أي أحد بلا حب بلا عائلة بلا طفل وبلا وطن وملامحي تلاشت خلف سواد مأساتي
مأساتك ما هي هلا أخبرتني عنها إن كنت بحاجة لأن تتحدثي وتخففي آلامك حقا تريدين سماع قصتي
بالطبع أريد سماعك لأنني أيضا أريد امتلاك الجرأة لأتحدث وتسمعيني أنصتي إذاً أنا امرأة توشك أن تدخل عامها الخمسين بنصف حياة ونصف روح في أحد ليالي الشتاء الباردة بينما كنت عائدة مع والدي في السيارة تعرضنا لحادث مؤلم فقدت اثره أبي وأمي وأخي الصغير أنا الوحيدة التي نجت من الموت ربما لأن الموت أخطأها مرة أخرى وربما لأن الحياة اقتنصتها من جديد نجوت من الموت ولكن لم أنج تماما فقد تأذيت بما يكفي لأفقد قدرتي على ولادة الحياة مرة أخرى تعرضت لعمل جراحي صعب تم استئصال رحمي فقد كان قد تهشم كليا تقريبا قضيت فترة ليست بقليلة في غرفة الانعاش مكبلة بالأسلاك وبكمامة الأوكسجين ومن ثم نقلت لغرفة أخرى دون أن أعي ماذا حدث إلى أن جاءت تلك الممرضة السمراء لتخبرني بأني أصبحت عاقراً غير قادرة على ولادة الحياة مرةً أخرى لأتحول إلى امرأة حكمت عليها قسوة القدر بأن تحيا بنصف حياة ونصف جسد عرفت الآن لما كل هذا الإحباط

ماذا عنكِ أنتِ أنا مستعدةٌ لسماعك إن أردتِ أن تتحدثي حقاً أريد التحدث لعلي أخفف عن كاهلي هذا العبء الثقيل ولربما مواساتك لي تهون عليّ الأمر إسمعي أنا إبنة العشرين عاماً أحتاج شهراً ونصف لأكملها أشعر أنني عجوز جاوزت السبعين فقدت رغبتي بكل شيء قلبي توقف عن النبض تدريجياً فقدت شعوري بما حولي تحولت لقطعة جليدٍ وربما لآلةٍ تعمل فقط لأتمكن من الحركة روحي منطفأة تماماً

هل تعرفين ما معنى أن تنطفئي وأنت بربيعك العشريني؟

هذه الحرب جردتني من أجمل ما تحمل سنين عمري أخمدت شغف روحي. للحياة اغتصبت ضحكاتي وأجهضت أحلامي

أنا مثلك بنصف حياة أنا أملك رحماً لكني فقدت قدرتي على العيش تلاشيت تماماً كشمسٍ إنطفأت بأواخر تشرين

أرأيت كلانا في هذا معاً أنت لست قادرةً على إنجاب الحياة وأنا أجهضتها قبل ولادتها

أمسكت المرأة يدها عانقتها وانطفأتا باكيتين تحت سواد هذا الليل الخريفي

علا شيحه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى