الأحد ٣١ أيار (مايو) ٢٠٢٠
بقلم جورج سلوم

ادفع أو ارفع

اتصلتْ به هاتفياً وطلبتْ منه أمراً ما...

وأجاب:

- أنتِ تعرفين منزلتكِ عندي.. وأني لا أرفض لكِ طلباً.. لكن ما تطلبينَه الآن صعبٌ جداً.. وقد أعجز عن تنفيذه.

- ولو... اعتبره الطلب أو الرّجاء الأخير.. وأنا مستعدّة لكل ما يتوجّب علي لقاء ذلك.

- حسنا ً.. حسناً.. لنقطعِ الاتصال الآن.. أنتِ تعلمين أنّ خطوطنا قيد المراقبة.. نتكلّم لاحقاً وجهاً لوجه.

أغلقَ السماعة.. ونظر حوله متأكّداً من خلوّ مكتبه... فالجدران لها آذان.. رسم خطوطاً متداخلة على الورق...

- هذه المرأة يجب الابتعاد عنها...

هكذا قال في نفسه..

تربطه بها علاقة ما؟.. نعم.. تلبّي رغباته متى وأنّى طلبها؟.. أيضاً نعم..

متزوّجة وتطرح نفسها سبيلاً لتحقيق مآربها؟... لابأس.. اعتاد على ذلك.. ولا توجد مشاكل والأمر أصبح عادياً في مجتمع ساد فيه قانون (ادفع أو ارفع).

لكنْ طفح الكيل وفاض..وطلباتها زادت عن الحدّ.. أصبحَتْ تشكّل عبئاً عليه كمسؤولٍ مهمّ..

منذ أشهرٍ طلبت نقل زوجها من الريف إلى المدينة ليصبحَ قريباً منها...

وبعدها طلبت إعفاءه من الدوام المسائي لينام في البيت يومياً...

وبعدها أصبح أميناً للمستودع ليستفيد مالياً من صفقات الشراء...

واليوم تطلب ترقيته إلى درجة أعلى لا يملك مؤهّلاتها... وهذا يستدعي إبعاد موظفٍ آخر يملك المؤهّلات والكفاءات.

لقد طفح الكيل فعلاً.. إنه يكيل ويكيل لها ويكيل بها..ويصب من كيله في كيلها الذي ما فتئ يطلب المزيد..وكيله سيُكال به من أجلها وقد يُكال له أيضاً.

أصبحت الخطوط التي يرسمها ببطء على الورق... معقدة كشبكة العنكبوت.. أو كمتاهةٍ مستحيلة يصعُبُ الإفلات منها... أو كخريطةٍ عسكريّة لقائدٍ مخضرم قد يهجم ولكن يخشى من كمينٍ مباغت... المشكلة أنّ الثمن المدفوع لم يعد يغطي تكاليف المغامرة.. وهو أيضاً سيدفع فاتورة طلباته من المسؤولين ذوي الرفعة.. أو على الأقل سيسجّلون عليه واحدةً،وسيُحرجونه لاحقاً في تمرير ورقة مزوّرة أو غير قانونية.. على مبدأ واحدة بواحدة

شطب تلك الخرائط بقسوة... وتجاوز حدود الخريطة بقلمه الجارح.. وقال لنفسه:

- إهمال هذا الطلب وتجاهله هو الحل.. اعتادَ أن يذيّل الطلبات الشائكة بكلمة (للتريّث)!.. وهي تعني انتظار ميزان الثقل..وكيف سيفكّ المواطن المسكين عقدته وكيف سيحلحلها ؟.. وكيف سيدفع بها وماذا سيرفع من أجلها؟.. وطبعاً لن يرفع رأسه
أهمل اتصالاتها المتكررة على هاتفه الخاص... ألغى اسمَها من سجلّ الزيارات.. انخرط في أعماله ومهامه الكثيرة في الشؤون الإدارية... فليحافظ على المنصب الذي وصل إليه بشقّ الأنفس.. وهو كغيره دفع ليصل.. دفع من ماله أو من كرامته أكثر بكثير مما يدفعون أولئك الذين يرفعون.. والارتقاء في المناصب الإدارية له طريقتان.. فإما أن تنبطح تحت مديرك متذللاً وتحفر تحته حتى تقلبه وتحلّ محله.. أو تنزل فوقه إنزالاً قسرياً بمظلة الواسطة.. فتركله خارجاً وتمتلك كرسيّه.

بعد أيامٍ ليست بالكثيرة.. وبُعيد دخوله إلى منزله.. قالت زوجته:

- قبل أن تغيّر ملابسكَ.. هناك مَن ينتظركَ.. رجاءً ساعِدْها.. إنها تبكي منذ ساعات.

قال بحدّة:

- للمرة الألف أقول لك.. لا تستقبلي هنا أشخاصاً لهم علاقة بعملي.

وقفَتْ عندما واجهَتْه.. لم يطلبْ إليها الجلوس.. اعتدّ بنفسه أمام زوجته.. قال بلهجةٍ آمرة:

- كلّ الطلبات الخاصة بالعمل تتمُّ معالجتها في مكاتب المؤسسة... هل شربتِ القهوة؟.

فهِمَتْ أنه أمرٌ بالانصراف.. لملمتْ نفسها وخرجتْ.. مسحت بقايا دموعها... سارتْ في طريقها مذهولة من طريقة استقباله... قد يكون ذلك بسبب وجود زوجته.. تذكّرت كيف كان يقبّل يدها ومعصمها ويشمشم شعرها... كيف دخل تحت السرير يبحث عن فردة حذائها الضائعة في أحد اللقاءات المستعجلة... وكان بإمكانها أن تقول له أمام زوجته.. ألا تذكر؟

لكنها تحتاجه الآن..وأُسقط في يدها..هل فقدت تأثيرها عليه؟.. هل فقدت سنداً مهمّاً يدعمها؟.. هل فقدت مسؤولاً توعزُ له.. فيؤثر على زوجها.. يحرّكه.. يدفشه إلى الأعلى... ماذا ستقول لزوجها الذي ينتظر؟.

إنها المرة الثانية التي تواجه فيها مقاوماً لإغرائها.. أو مستخفّاً بالعرض الذي تقدّمه.. معه حق.. شاهد كل بضاعتها وجرّبها ولم تعد تروق له.

زوجها هو السبب في إذلالها.. ضعفه.. فقره.. فشله وعدم ثباته في أي عمل.. جعلها تدقّ أبواب المسؤولين.. تنبطح على عتباتهم.. ليجدون له عملاً ما.

كان يحكي لها قصصاً مؤثرة..عن تعاسته وعجزه عن الحصول على أي شيء.. إلا بالواسطة.. حتى أمّه لم تكن ترضعه حتى يبكي بكاءً يزعج الجيران.. فيصيحون بها أن تمنحه ثديها النائم لترتاح آذانهم.. وإلا أرضعوه عوضاً عنها طردوه من المدرسة..بعد أن ثبت أنه لا ينجح إلا بالنقل عن زميل أو النحل من كتاب يُدخله معه للامتحان.

تعرّفت عليه حِرَفياً فاشلاً في صنعته.. نجّاراً يشكو أبداً قلّة العمل.. لم تطرق بابه أية خزانة أو طاولة لتقول له اصنعني أرجوك!

لم يحصل سابقاً على وظيفة.. لأنه يشكو حظّه العاثر.. ولا واسطة لديه كما يقول.. يردد دائماً.. أنا بحاجة إلى دعم.. صديقي أنقذته زوجته..صار فوق الرّيح!.. القانون السائد في دوائرنا الحكومية..(ادفع أو ارفع ).. ليس لديّ ما أدفعه ولكن تستطيعين أن ترفعي قليلاً... هذا منطق العصر.. فإن لم تدفع سيدفعون بك خارجاً وإن لم ترفع فلن يرفّعونك!

إحدى صديقاتها عرّفتها يوماً على مسؤول في البلدية..بعدها توظف زوجها كمراقبٍ للعمال.. لكن استمراره في العمل كان مرهوناً برضى المسؤول عنها هيَ!.. ومراقب الدوام يراقب دوامها – هي – عنده.. وطبعاً فشل في عمله كالعادة.. هددوه بالطرد.. لجأ إليها لتعيده بإمكاناتها.

حاولَتْ ولم تنجح تلك المرة... فكان الحل هو الاقتراب من مسؤولٍ أعلى ليضغط على المسؤول الأدنى فيعود زوجها إلى العمل سعيداً..وهذا يتطلّب تضحياتٍ أكبر.. لا مشكلة.. المهم عودة الزوج إلى العمل وتحقيق بعض الترقيات.

كان زوجها يرتقي في عمله.. وهي ترتقي في علاقاتها وتضحياتها.. لم يسأل يوما ً عن الفاتورة.. كم هي؟.. لم يحترم العملة الصعبة التي تجود بها... هي لم تخلق ساقطة..لكن أسقط في يدها.

وصلت إلى بيتها منهكة العضلات.. محطمة المفاصل.. منهارة الأعصاب.. لا تريد أن ترى أحداً.. تفضّل النوم إلى ما شاء الله.

قال لها:

- جاءتنا دعوة لسهرة عامرة.. فيها نصف مسؤولي البلد.. وهذه فرصتكِ

أجابت بعدم اكتراث:

- لن أذهب..خُذ أمّكَ أو أختك.

اعتبر جوابها ضرباً من المزاح... وقال:

- هذه فرصتكِ لتقوية العلاقات.. وشدّ عُرا التواصل مع الكبار.

أدارت له ظهرها وقالت:

- دعني أنام وأستريح وأنسى..

أمسك بكتفها المترنح..واقتادها نحو أقرب كرسيّ لتجلس.. تأمّلت وجهه الأملس الخالي من التعابير..بدلته الأنيقة وحذاءه اللمّاع..شاربه المنضّد بعناية فائقة.. تشعر بأنها هي من صنعته،ولكنه تمثالٌ جاحد وجامد لا يشكرصانعه.. قالت:

- أما آن لك أن تستحي.. أن تتعظ..أن ترعوي مما اقترفتْ.. أصبحتُ مطيّة لنصف رجالاتِ البلد من أجلك..فإلى متى؟.. أنا زوجتك وأنت المسؤول عني..تعبتُ من استعطافهم واسستلطافهم.. تعبتُ من التملّق لهم والتململ بين أيديهم.. أصبحت كالكرة يتقاذفونني.. يتلاعبون بي بين أرجلهم.. واليوم قذفني مديرك خارج الملعب..
اغرورقت عيناها بالدموع.. وقالت:

- أنا لست ساقطة.. ولكن أسقط في يدي.

ابتسم غصباً.. وقال:

- أنت متعبة الآن.. نامي قليلا.. لا داعي لتقليب المواجع والرجوع إلى المراجع.

- نعم.. نعم.. لاتريد النقاش لأنك تخجل من نفسك..كأي ديوث يؤجّر زوجته ويلمّ الدراهم التي يرشرشونها فوق رأسها ويدحشونها في صدرها ويحشرونها في....

قاطعها وقد صعد الدم إلى وجهه.. وكاد أن يسدّد لها صفعة ما... لا يجرؤ.. أو لا يريد أن يشوّه بضاعته المعروضة في السوق.. أو أنه يخاف منها فبكلمة منها أو همسة في أذن أحد رجالاتها، سيرمون به في السجن بأية تهمة.. صنع ابتسامة على وجهه الخالي من التعابير وقال:

- تظلّين برأيي أشرف النساء.. وأجملهن..

تابعت شكواها بمرارة وحسرة:

- هل تذكر كيف أنقذتك من حكم المحكمة يوم سرقت المستودع؟

.. يومها أنا نفّذت الحكم كبديلٍ عنك.. أنا التي سجَنْتُ نفسي مع القاضي في بيته.. ومع المحامي في مكتبه.. ونفّذوا الحكم فيَّ أنا.. ولو كانت هنالك محكمة حقيقية لتوجّب عليّ إرضاء المحلّفين أيضاً.. ليس هذا فحسب..

كلّ أمرٍ إداريّ أدّى إلى ترقيتك.. كان يسبقه توقيعٌ وأختامٌ على جسدي أنا.. وبعدها يطبعون الورق ويوقعونه ويختمون عليه..

لذلك عندما أستحمّ تسيل مني مياهٌ زرقاء ملوثة بأحبارهم ودبقهم.. مياه ممزوجة بدمي ودموعي وكرامتي المهدورة..

أهلي وإخوتي قاطعوني من أجل تصرّفاتي الشنيعة.. كم أحنّ إلى حياتي السابقة البسيطة... فقرٌ وشرف وعفاف وضمير مرتاح.

ليس لديه ما يقوله.. لذلك قرّر تغيير دفة الحوار.. قال:

- فماذا تريدين الآن بعد هذه الخطبة في الأخلاق؟

- لن أتابع مسيرتي معك.. طلّقني أو اعتقني من هذه المهام.

ظهرت بعض التعابير على وجهه..استدار نحوها..قال بسخرية:

- أصلاً أنا كرجل أرفض الاستمرار مع امرأة مثلكِ.. كنتُ فقط أتحيّن الوقت المناسب.. ما أنتِ إلا بضاعة فاسدة انتهت صلاحيتها ويجب التخلّص منها... لكن مهلاً.. عندي لن ترفعين بل ستدفعين لتحصلي على حريتك.. وستتنازلين عن كل حقوقك لأنطق بتلك الكلمة التي تنتظرين..

وتنازلت عن كل حقوقها ببساطة وأغمضت العيون منتظرة الطلقة الثالثة.. طلقة الحرية التي تصمّ الآذان.. عندها أجهشت بالبكاء وانهارت على الأرض جاثية وكأنها تصلّي لإله لا يطلب منها أن تدفع أو ترفع، بل على العكس أن تتجمّل بالستر وتزهد في مال الدنيا

قال لها ساخراً قبل أن يغلق الباب:

-غداً تأتيكِ ورقتكِ وعليها توقيع المأذون وختمه.. لا تقلقي لن يوقّع على جسدك قبلاً.

ما حزّ في نفسها بعد كل ذلك العناء إلا شيء واحد.. إن نسيَت فلن تنساه.. أصعب من أن يشتمها أو يعنّفها..وأصعب من كل انبطاحاتها وتضحياتها في سبيله..

زوجةٌ ساجدة تستجدي.. وزوجٌ يبصق على الأرض التي ركعت عليها!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى