الخميس ٢٤ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٠
بقلم مكرم رشيد الطالباني

الأرنب

كنتَ قد سمعتَ من معلمكَ إن الأرنبَ حيوانٌ مشؤومٌ، فإن صادف وألتقاه الإنسان في الطرق فإن ذلك نذيرُ شؤمٍ وإحتمال وقوع أحداثٍ غير سارة. ورغم ذلك فإن الأرنب رمز التكاثر والرغبة الجنسية الجامحة، ورغم أن أنثى وذكر الارنب يلتقيان جنسياً كل أربعين يوماً، غير أن أنثى الأرنب تلد ما بين أربعة إلى ثلاثة عشرة فرخاً وربما أكثر في كل فترة حملٍ! ويعتقد الناس أن أكل لحم الأرنب حلالٌ، وهناك بعض منهم من لا يأكلون لحمه، سواء أكان أرنباً أليفاً، أو أرنباً برياً أو الارنب الذي يعيش في الجبال والسهول، بحجة أن أنثى الارنب تحمل كما تحمل المرأة، بل إنهم يتحججون بحجة عجيبة واهية ويربطون شكل هذا الحيوان من حيث طول أذنيه بطول أذني الحمار ويفسرون إسمه بالذي يشبه أذنيه أذني الحمار حتى أصبح إسمه إلى ما هو عليه الآن، لهذا تراهم يتقززون من تناول لحم هذا الحيوان المسكين ويدعون بانه يطلق صراخاً عند ذبحه مستنجداً كأمٍ ثكلى، ومن دون وجه حق يحرمون الناس من تناول لحم هذا الحيوان، الذي إن جرى قليه في الزيت فإن أحداً لن يفرق بينه وبين لحم الدجاج أو الديك الرومي.

من اجل هذا، فقد وضع بعض الأصدقاء بفعل الوضع الإقتصادي المزري ودخلكم المحدود والحصار الإقتصادي المتعدد الأطراف، الذي أدى إلى عدم تمكنكم شراء أو تناول اللحم والتمتع بمرقة اللحم ولو مرة واحدة في العام أمامكم فكرة جيدة للقيام بتربية عدد من الأرانب، وتخصيص حيزٍ من حديقتكم الصغيرة لذلك، لتشبعوا بفعل تكاثرها لحماً مقلياً بالزيت وتزداد حدة بصركم. وقد حدا بك ذلك إلى تنفيذ هذا المشروع بعد أن أهداك أحد معارفكم أرنبين أثنين، وكنتَ تبحثُ عن أرنبٍ ذكرٍ.

وفي زيارة لكَ لمنزلِ شقيقتكَ التي تسكن في قرية نائية من ذلك السهل البعيد حصلتَ على أرنبٍ ذكرٍ بني اللون وأرنبٍ أنثى ذي لونٍ أبيض في أسود ووضعتهما في كرتون في ذلك الصيف القائض وأتيت بهما إلى المدينة وأطلقت أربعة أرانب في زاوية من حديقتكم الصغيرة. فقمت بحفر حفرةٍ وبنيتَ جحراً مناسباً، أما ما يتعلق بالعشب والحشائش فقد كنتَ تشتري الخضراوات والكرفس والرشاد من السوق وتأتي بها لتلقيها امام الأرانب وفي الصباح الباكر كنتَ تحمل كيساً وتذهبَ إلى المقبرة القريبة من الحي المجاور لتملؤه بالحشائش وتأتي بها لتؤمن ما تحتاج إليها الأرانب لمدة يوم او يومين، إضافة إلى النزر اليسير من بقايا الطعام الذي كنتم تطبخونه مرة أو مرتين أسبوعياً، إضافة إلى الخبز اليابس الذي كان الارنبان اللذان أهداهما لكَ معارفكم قد إعتادا على قضمه.

كانت جهودكم هذه من أجل أن تتوالد وتتكاثر الارانب الأربع، وتكبر صغارها، لتقوم بذبحها، وتقلي لحمها في الزيت، وتشبع أنت وأولادك لحماً في هذا الزمن الذي يندر فيه اللحم.
وقد إزددتَ إلماماً بالأرانب، وكان أول معرفةٍ منكَ بدنيا الأرانب في حادثةٍ كنتَ أنتَ بدوركَ تتعجبُ منها، حين كنتَ ذاهباً إلى حقول أخوالكَ، وقد توجهتَ من القرية وأرتقيتَ التلة، لتعبر الهضبة الواسعة لتنزلَ إلى السهل المنخفض، كان الوقت ربيعاً زاهياً، وكانت حقول القمح والشعير والعشب الأخضر قد طبعت السهل باللون الأخضر، حين جفل ارنب كبير من بين حقل من القمح ويهرع مسرعاً ويختفي بين حقول القمح التي كانت قد بدأت تنمو تواً.

وكان إبن عم والدكم قد قدمَ لزيارتكم في تلك الفترة وحمل بندقية صيدٍ وتوجه بمعية والدكَ ومعيتكَ إلى البرية. فأكتشفتم أرنباً كبيراً في إحدى الأودية والذي ما أن شعر بوجودكم أسرع هارباً، وكان إبن عم والدكم هدافاً لا يخطيء الهدف، أتخذ له موضعاً لإطلاق النار عليه عن بعد فأصابه وسقط الأرنب أرضاً رأساً على عقب، فهرعتم إليه وقمتم بذبحه بالسكين الذي كنتم تحملونه. وعند عودتكم إلى البيت أخذتْ والدتكَ الأرنب إلى حيث نبع القرية لتنظيفه وتهيئته للطبخ. فأخبرتكم بأن الأرنب كان أنثى وكانت قد وجدت في بطنها تسع صغار، ومنذئذ أدركت أن الأرنب هو الحيوان الوحيد الذي ينجب عدداً كبيراً من الفراخ بحملٍ واحد.

وقد جرى تجربة شؤم الارنب، وكان معلمكَ قد حكى لكَ بأنهم كانوا عدداً من تلاميذ المرحلة الإبتدائية توجهوا إلى مركز القضاء لأداء الإمتحانات العامة للدراسة الإبتدائية حين صادفوا ارنباً. وبعد أن قاموا بأداء الإمتحانات وظهرت النتائج تبين لهم أن أحداً منهم لم ينجح.

أهملتَ جل تلك الأفكار القديمة المثارة، وبدأت تراقبُ الأرانب بشغف بالغ. في أحد الأيام عدتَ فأخبرتكَ زوجتكَ أن إحدى الارانب الأنثى شرعتْ في جمع قطع الثياب البالية وإدخالها إلى الجحر، إن هدف ذلك الحيوان من إدخال قطع الثياب البالية تلك هو حين تضع الأم فراخها فإنها تضعها على قطع الثياب البالية تلك لتنمو بينها.

وتضع فراخها بعد أربعين يوماً وتخرج من الحفرة، ليشمها الذكر ويبدأ فوراً ببمارسة الجنس معها ومن ثم لا يقربها لمدة أربعين يوماً أخرى.

مللتم الإنتظار فترة، وفجأة خرج فرخ أرنب بيضاء وسوداء اللون من الجحر ومن ثم خرج آخر وثالث إلى أن أصبحوا سبعة فراخ، وكان من بينها فرخ بيضاء كالثلج جميل جداً يسترعي إنتباه الجيران وكل من يراه لجماله.

وللأرنب عدواً يتربصُ به أيضاً، وهو القط. فقد إعتاد قط كبيرٌ رمادي اللون على إفتراس فراخ الأرانب، فقد إفترس ذلك الفرخ الأبيض، حيث بحثتَ عنه فوجدتم بقاياه تحت شجرة التوت. ولم تكن الفراخ لتستطيع البحث وتناول الحشائش في الحديقة فكان القط يظهر فجأة ليختطف فرخاً منها، وبدأتَ تراقبُ القط الرمادي في حين كبر عدد من الفراخ، وكان الذكر يطارد من بين تلك الأعداد من الفرخ فرخين فقط ولم يكن ليسمح لهما بالخروج من الجحر، فأدركتم بعد مضي فترة بأن هذين الفرخين هما ذكران، وأن الأرانب لن تسمح بوجود أكثر من ذكر بين قطيع منها!!
كانت إحدى قريباتكم تدرس في الجامعة، حيث قدمتْ مع إحدى زميلاتها لزيارتكم، ولم تكن هي وزميلتها قد تناولتا الغداء بعدُ، فقامتا بنفسيهما تحميان الطعام واللحم المقلي، وبدأتا تأكلان حتى شبعتا، ومن ثم جرى التطرق إلى مواضيع ومن بينها لذة وطعم لحم الارانب، وكنتم في لجة تلك الأحاديث فأنبرتا تقسمان بأغلظ الإيمان بانهما لم يتذوقا في حياتهما لحم الأرنب وإنهما راغبتان في تناول ذلك اللحم. فسألتموهما:

ـ واللحم الذي أكلتموها تواً؟
ـ كان لحم الدجاج!!
ـ أي دجاج! لقد كان لحم الأرانب.
لقد كان لحماً لذيذاً وطيباً لا نهاية لطيبته.

إنني في شوق ورغبة عارمة كي أتوجه يوماً إلى السوق وأشتري أرنباً لكي تقوموا بقلي لحمه لنا بتلك الصورة.

كانت اعداد فراخ الارانب تزداد بمرور الأيام، وكنت َ بدوركَ تتناول لحم فراخ الأرانب من جهة ومن جهة أخرى تحرس الفراخ خشية من القط الرمادي الذي أختطف فرخاً آخر، وتسلق جدار جاركم حيث لم تنفع صراخهم وطلب إستنجادهم وصراخ الأطفال.

كانت إحدى الأمهات لا تقوم برعاية صغارها وكنتَ تدخلها إلى جحرها حيث نفقت، كما نفقت معها أخرى كانت تحمل في رحمها سبعة صغار.

كانت شجرة توتكم ترتفع قرب حائط الحديقة سامقة نحو السماء، وكان القط الرمادي يتسلق أغصانها ويتسلل من بين الأسلاك الشائكة التي كنتم قد وضعتموها ليصل إلى فراخ الأرانب.

وذات مساء هجم القط الرمادي على الفراخ ليختطف إحداها ممسكاً به بين أسنانه لكنك عاجلته لتمسك بخناقه وتحرره من بين أسنانه وكان قد إنكسر إحدى قديمه. لينفق بعد يومين.

وأقدمتَ على معاقبة القط، وأتيتَ بكيس ووضعته فيه، واضعاً أياه تحت قدرٍ كبير، لكي تأخذه وتطلق سراحه بعيداً في إحدى ضواحي المدينة. كي لا يعود إلى منطقتكم.

يقال أن قتل القط يؤدي إلى وقوع كوارث مؤلمة بالنسبة لمن يقوم بذلك. لكنكَ لم تكن لتنوي قتل ذلك القط. كنت تسمعه يتنفس تحت القدر. في صباح اليوم التالي حين رفعت غطاء القدر وجدت القط جثة هامدة.

بدأ القلق يساورك، وخاصة زوجتكَ التي كانت تخافُ أن يصابَ أولادكم بمكروه. فكانت تتردم وتتذمر.

حين عدتَ مساءً وجدتَ أولادكَ الخمسة وقد أصيبوا بالحمى ممدينَ في الفراش، وبدأت تتذمر من تردم وترطن زوجتكَ. فقررتم بعد أن يشفى أطفالكم أن تقوموا بذبح كافة الأرانب أمهات وآباء وصغارهما.

وقلتم في نفسكم:

ـ وكانت هذه هي حكاية الحصار وندرة اللحم وتلك هي حكاية الأرنب ولحم الأرنب!

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى