الأربعاء ١٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم زهير الخويلدي

مقاربة ما بعد كولونيالية عند نيغري وهاردت

الإنسانية التقدمية كإمبراطورية مضادة لعولمة الإمبراطورية الإمبريالية مقاربة ما بعد كولونيالية عند نيغري وهاردت

مقدمة

في خضم التحولات الجذرية التي شهدها العالم في أواخر القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين، يبرز مشروع مايكل هاردت وأنطونيو نيغري كمحاولة فلسفية وسياسية طموحة لفهم طبيعة السلطة العالمية الجديدة. يقدم كتابهما الرئيسي الإمبراطورية رؤية للعولمة ليست مجرد امتداد للإمبريالية التقليدية، بل شكلاً جديداً من السيادة اللامركزية، المتشابكة، والسياسية الحيوية التي تبتلع الكوكب بأكمله دون مركز ثابت أو حدود خارجية واضحة. هذه الإمبراطورية الجديدة ليست إمبراطورية دولة قومية أو قوة استعمارية كلاسيكية تسيطر عبر الاحتلال المباشر، بل هي نظام شبكي يعتمد على تدفقات رأسمالية، ثقافية، وقانونية عابرة للحدود، تدمج الاختلافات الثقافية والمحلية ضمن هيكل هرمي يحافظ على السيطرة مع الادعاء بالشمولية والكونية. في مواجهتها، يقترح نيغري وهاردت مفهوم "المتعدد" كقوة مضادة جوهرية، تمثل إنسانية تقدمية قادرة على بناء إمبراطورية مضادة. هذه الإنسانية التقدمية ليست كتلة متجانسة، بل شبكة من الذوات المنفردة المنتجة، المبدعة، والمتمردة، التي تعيد تشكيل العالم من خلال الإنتاج المشترك والمقاومة اليومية. تأتي هذه المقاربة ضمن سياق ما بعد كولونيالي يتجاوز النقد التقليدي للاستعمار نحو تحليل كيفية استمرار السيطرة بعد الاستقلال الشكلي، مع التركيز على القدرة الإبداعية للشعوب المستعمَرة سابقاً في تشكيل بدائل عالمية. إنها ليست مجرد مقاومة سلبية، بل إنتاج إيجابي لأشكال حياة جديدة. فكيف اعاد نيغري وهاردت صياغة الإمبراطورية في عصر العولمة المتوحشة؟

بنية الإمبراطورية: من الإمبريالية إلى السيادة العالمية اللامركزية

يصف نيغري وهاردت الإمبراطورية كشكل سيادي يتجاوز النموذج الوستفالي للدول القومية. في عصر الإمبريالية الكلاسيكية (القرن التاسع عشر وبداية العشرين)، كانت السيطرة مبنية على مراكز أوروبية واضحة، وحدود جغرافية، واستغلال مباشر للمستعمرات. أما في العولمة المعاصرة، فإن السلطة أصبحت "منزوعة الإقليم"، تتغذى على تدفقات رأس المال، المعلومات، والعمالة غير المادية مثل التواصل، المعرفة، والعاطفة. لذلك تعتمد هذه الإمبراطورية على آليات بيوبوليتيكية تتحكم ليس فقط في الإنتاج الاقتصادي بل في الحياة نفسها: الجسد، الرغبات، والعلاقات الاجتماعية. تدمج الاختلافات الثقافية والإثنية ضمن نظام يحولها إلى موارد للتراكم الرأسمالي، مع الحفاظ على تراتبية خفية. هنا يلتقي النقد ما بعد الكولونيالي: فكرة إدوارد سعيد عن "الاستشراق" كآلية معرفية للسيطرة تتطور إلى نظام عالمي يدير "الآخر" لا بالإقصاء بل بالإدراج المشروط. كما أن أفكار فرانتز فانون عن الاستعمار كتشويه للوعي تتجدد في سياق عولمي حيث يصبح الاستعمار داخلياً وخارجياً في الوقت نفسه.

العولمة الإمبراطورية هنا إمبريالية "ما بعد إمبريالية"، ترفض الاستعمار التقليدي لكنها تعيد إنتاجه عبر مؤسسات دولية، شركات متعددة الجنسيات، وثقافة استهلاكية كونية. الدولة القومية لم تختفِ تماماً، لكن سيادتها أصبحت خاضعة لهذا النظام الأعلى، الذي يعمل كـ"شرطي عالمي" يحول الحروب إلى عمليات شرطية للحفاظ على النظام.

الإنسانية التقدمية: المتعدد كقوة منتجة ومتمردة

في مواجهة هذه الإمبراطورية، يضع نيغري وهاردت مفهوم "المتعدد" كتعبير عن الإنسانية التقدمية. المتعدد ليس "الشعب" التقليدي الموحد تحت راية قومية أو طبقية صلبة، بل مجموعة من الذوات المنفردة التي تشترك في الإنتاج المشترك للحياة الاجتماعية. يعتمد على العمالة غير المادية: التواصل، التعاون، الإبداع الثقافي، والرعاية، التي أصبحت محور الإنتاج في الاقتصاد المعرفي. هذه الإنسانية التقدمية داخل الإمبراطورية وضدها في الوقت نفسه. الإمبراطورية تعيش على حيويتها – تسرق الإبداع، التعاون، والحركة – لكنها لا تستطيع السيطرة عليها كلياً بسبب طبيعتها اللامركزية والفائضة. يشبهون ذلك بـ"الطفيلي" الذي يعيش على الجسد الحي دون أن يمتلكه. لذا، فإن أي مقاومة ليست خارجية بل داخلية، مستفيدة من الشبكات نفسها التي بنتها العولمة. من منظور ما بعد كولونيالي، يمثل المتعدد إمكانية تجاوز الثنائيات الاستعمارية (المركز/الهامش، الغرب/الشرق، المتقدم/المتخلف). الشعوب التي عانت الاستعمار ليست ضحايا سلبيين، بل فاعلين أساسيين في إنتاج العولمة المضادة. حركات الهجرة، النضالات ضد الاستغلال البيئي، والمقاومات الثقافية في الجنوب العالمي تصبح تعبيرات عن هذه الإنسانية التقدمية. إنها "خروج" جماعي من هيكل السيطرة، ليس هروباً بل إعادة تشكيل للعلاقات الاجتماعية على أساس الاشتراك في المشترك.

بناء الإمبراطورية المضادة: من المقاومة إلى الإنتاج المشترك

لا تكتفي الإنسانية التقدمية بالرفض؛ بل تبني بديلاً. يتحدث نيغري وهاردت عن "الكومنولث" كشكل تنظيمي يعتمد على الديمقراطية المطلقة، حيث يصبح الإنتاج ذاتي التنظيم، والسلطة مبنية على التعاون لا على الأمر. هذه الإمبراطورية المضادة عالمية بطبيعتها، تستغل شبكات التواصل لخلق تضامن عابر للحدود، وتتحول فيه الاختلافات من مصدر صراع إلى مصدر قوة. في السياق ما بعد الكولونيالي، يعني ذلك إعادة قراءة تاريخ التحرر: حركات الاستقلال لم تكن نهاية، بل بداية لنضال أعمق ضد أشكال الاستعمار الجديدة. النضالات في أمريكا اللاتينية، أفريقيا، وآسيا ضد الديون، الشركات متعددة الجنسيات، والتغير المناخي (الذي يؤثر بشكل غير متكافئ) تُرى كجزء من تكوين المتعدد. الإمبراطورية المضادة هنا ليست دولة عالمية مركزية، بل شبكة من الجماعات المستقلة التي تشكل "ديمقراطية متعددة" تتجاوز النموذج الليبرالي.يؤكد نيغري وهاردت أن الإمبراطورية نفسها نشأت كرد فعل على نضالات المتعدد السابقة: الثورات، حركات التحرر، والاحتجاجات العمالية. لذا، فإن أزمات العولمة الحالية (الاقتصادية، البيئية، الوبائية) ليست ضعفاً بل فرصاً لتعزيز القوة المضادة. رغم قوتها التحليلية، تواجه هذه الرؤية تحديات. قد يبدو مفهوم المتعدد مثالياً جداً، متجاهلاً التناقضات الداخلية مثل الصراعات الإثنية أو الطبقية المستمرة. كما أن النقد ما بعد الكولونيالي يسائل ما إذا كانت الرؤية لا تزال تحمل مركزية غربية في تأكيدها على "ما بعد" الاستعمار، بينما يعيش الكثيرون واقع استعمار مستمر. ومع ذلك، تظل المقاربة قوية في قدرتها على ربط النظرية بالممارسة، مشددة على الإمكانيات الإبداعية للإنسانية في مواجهة السيطرة.

خاتمة:

تمثل الإنسانية التقدمية عند نيغري وهاردت أملاً في بناء عالم يتجاوز الإمبراطورية الإمبريالية للعولمة نحو إمبراطورية مضادة مبنية على الحرية، المساواة، والإبداع المشترك. من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية، تتحول المقاومة من رد فعل إلى إنتاج إيجابي للحياة. في عصر الأزمات المتعددة، يصبح هذا المشروع ليس مجرد نظرية، بل دعوة لإعادة تشكيل وجودنا الجماعي على أساس المتعدد والمشترك. الطريق طويل ومليء بالمخاطر، لكنه يحمل إمكانية تحرر إنساني حقيقي. فهل نسير نحو عولمة أخرى؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى