الخميس ٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠
بقلم رشيد سكري

البناء القصصي

إن الصناعة القصصية هي بناء و استراتيجية متفاعلة العناصر و المكونات. فلا يستقيم عود القصة القصيرة من دون الحوافز les Motifs، بما هي الوسيلة و الأداة التي تساعد على تنامي الأحداث، وتسارعها نحو تأزيم جميع عناصر الحكي من شخوص و مكان و زمان. وفي هذا الإطار يشير الباحث و الدكتور حميد لحمداني في كتابه بنية النص السردي، إلى أن الحوافز تقتضي الخضوع لمبدأ السببية، و للنظام الداخلي ، وهذا من أكبر الروافد الجماليّة، التي تضخ الحيوية والرشاقة في جسد القصة بصفة عامة. علاوة على ذلك فالحكي هو مجموع الأحداث المتداخلة التي تشكل الحكاية، فالحوافز لا تزيغ عن اللغة و وظائفها. كما أن للزمن يدا طولى في التأثير المباشر على تسلسل الأحداث في نسق و ناموس معين و خاص.

وفي هذا الإطار، فالتقيد بالزمن، في الدراسات الحديثة، أصبح غير مجد و غير ملزم للقاص. فأسطورة الزمن التصاعدي في الحكي أصبحت متجاوزة في التاريخ، وتنأى عن الواقع الذي يفرض التعاقب فرضا طبيعيا. فكما أشار الباحث الشكلاني الروسي الكبير توماتشفسكي أن ثمة علاقة جوانيَّة بين تعدد الحوافز أو الحوافز المشتركة، في المتن الحكائي، و الرؤية الفنية، التي يسعى إليها الإبداع عموما. إذن، لابد أن نقف، في ثنايا التحليل، عند هذا المنعطف في دراستنا للجانب الجمالي في القصة.

وفي المقابل نجد عند عالم البنيوية الفرنسي رولان بارث ارتباط الحوافز بالألفاظ و العبارات. وذلك من خلال البحث عن المعنى الثاوي في الخطاب القصصي. فالحوافز، عند بارث، تـُخلق من اللغة ومن الدلالات. فالتبئير ينصب على المفردات لاستخراج الوظائف، التي تقوم بها والحوافز التي يسعى إليها الكاتب.

في ظل هذا التجاذب المعرفي، حول بناء محتوى الإبداع القصصي بين مختلف المدارس والتيارات، إلا أن هناك اتفاقا حول شيء مهم، اعتبر كجسرٍ يوحد مختلف الروافد المعرفية، التي تغذي الفكر الإنساني بعامة. فالجماليّة أو بلاغة الإمتاع تكون حاضرة و متحققة من خلال إقحام مكونات ذات صلة بالواقع، تدخل في تناغم و باقي المكونات الأخرى. غير أن البناء لا يكتمل له صرحٌ إلا بالوقوف على البناءات العامة، التي تسيج محتويات القصة القصيرة، وترمي بها في أتون إثبات وجود الذات، كجنس أدبي قادر على احتواء الظاهرة الإنسانيَّة. وفي هذا الصدد نشير إلى بعض هذه الأنواع في عُجالة، على أن نعود إليها بشيء من التفصيل. ومن بين هذه البناءات نجد:

أـ البناء المنغلق: وفيه يكون القاص شديد الحرص على الاختزال و تقليص الهوامش المولدة للحكي و الفعل السردي،

ب ـ البناء المتفجر: ومنه ينطلق الكاتب لينسج عوالمه الخاصة، و يتيه في دروب الإبداع. مفجرا للعلاقات، حيث تغدو القصة مشتلا للعديد من الإحساسات المتدفقة في سرد الحكاية،

ج ـ البناء المتشظي: وفي هذا الضرب تصبح القصة تعرف التشتت و التلاشي وعدم الانسجام بين مكوناتها، وبالتالي تختزل على شكل لوحات فنية، ينعدم فيها الترابط، الذي يحفظ ماء النص القصصي.

إن لهذه البناءات الخارجية للنصوص القصصية فعلا سحريا في التأثير المباشر على تلقي القصة القصيرة. إذن، فبلاغة الإمتاع لا تقف عند حدود الحوافز و الوظائف، بل تتعدى ذلك لتصل إلى ما له صلة بالبناء الخارجي ككل. كما أن ربط المنتوج الإبداعي بما هو واقعي شيء تثمنه التوجهات الحديثة في الإبداع القصصي، شريطة أن يتحقق الانسجام و التوافقَ بين مختلف المكونات الأخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى