الثلاثاء ١٤ تموز (يوليو) ٢٠٢٠
بقلم الهادي عرجون

التناص القرآني


من خلال المجموعة الشعرية "المتضائل" للشاعر خالد رداوي

أن يشدك نص ليأسرك كتاب ويجعلك تنشد الإيغال والبحث للكشف عن مكنوناته وأعماقهقليلة، مع الزخم الحاصل في الإصدارات الشعرية الحديثة. ليطل علينا الشاعر خالد رداوي من جناز المكان ليقرع أجراس الطين إعلانا عن سيرة الخواء وذاكرة الوردة من خلال مجموعته الشعرية "المتضائل"الصادرة عن دار ديار للنشر والتوزيع في تونس، بغلاف للفنان السوري "رامي شَعْبو"،وهذا الكتاب الذي وقع في 172صفحة، تضَمَّن خمسا وسبعينَ قصيدة في أربعة أبواب جاءت على النحو التالي:

الباب الأول:قال آدم.

الباب الثاني:الأصوات الراقصة.

الباب الثالث:سيرة الخواء.

الباب الرابع:رغبة بلا يدين.

نبدأ من قول ألنفري: " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، خاصة عندما يختار الشاعر خالد رداوي البياض ليحاصر العبارة بثراء مخيلته، مع اعتماده على معجم الخصب ليجزئ الجملة إحياء لذاكرة المعنى في النص، فيفتح لنفسه بابا لاختزال الذات في المعنى والعبارة رغم اتساعها لتتمرد وتنفلت من كلمة مثمرة إلى قطوف دانية من طيب المعاني ولذيذ الكلمات لتحصل الغواية، غواية المعنى التي عبر عنها الكاتب "صموئيل بيكيت"عندما كتب:"عندما ترى الحقيقة تنتهي العبارة" (1).

حيث اعتمد الشاعر التناص الذي يعتبر من أبرز التقنيات الفنية التي عني بها أصحاب الشعر الحديث، واحتفوا بها بوصفها ضربا من تقاطع النصوص الذي يمنح النص ثراء وغنى يسهم في النأي به عن حدود المباشرة والخطابة. وهو التناص القرآني كما يمكن القول أن هذا التناص هو الأكثر انتشارا بين شعراء عصرنا وحسن توظيفه في القصيدة التقليدية و نفس القول ينطبق على نظيرتها الحداثية.

والتناص كما هو معلوم صيغة صرفية على وزن "تفاعل" بما تحمله هذه الصيغة الاشتقاقية من معاني المشاركة والتداخل بما يعني تداخل نص في نص آخر سابق عليه. ليكون علاقة خاصة بين نص سابق و نص لاحق...فالتناص اصطلاحا هو تمازج بين النص الحديث والنص القديم، ليتولد من هذا التمازج نص ابداعي جديد، يحمل دلالات مختلفة تخدم الرسالة التي يطمح الشاعر بثها للقارئ.

وعلى الرغم من أن التناص اكتشاف نقدي غربي إلا أنه عرف منذ القدم في أشعار العرب و كتاباتهم و برعوا فيه. ونظرا لأن كلامنا و كتاباتنا هو تناص لما قبله،كما أكّد "باختين "في حديثه عن قضية مفادها:" أن آدم فقط هو الوحيد الذي كان يستطيع أن يتجنب تماما إعادة التوجيه المتبادلة هذه في ما يخص خطاب الآخر الذي يقع في الطريق إلى موضوعه، لأن آدم كان يقارب عالما يتسم بالعذرية، و لم يكن قد تكلم فيه أحد و انتهك بواسطة الخطاب الأول"(2).
و ليس غريبا عن حنكة الشاعر خالد رداوي و تمكنه من أشكال التناص التي اعتمدها عندما بدأ مجموعته الشعرية بباب "قال آدم" لتكون أول قصيدة تحمل هذا الإسم:

"قال: أنت الأول"(ص7).

و من هذا المنطلق فهو يميل إلى رأي باختين الذي يعتبر أن آدم عليه السلام هو الوحيد الذي اتسمت خطاباته بالصفاء والخلو من أي اقتباس، فنصوصه هي النصوص التي تؤثر فيما تبعها من نصوص.

لنلاحظ من أول صفحات الكتاب أن الشاعر خالد رداوي استلهم جل الأفكار والمعاني من النص القرآني الذي أنشأ من خلاله علاقة تناص بينها وبين بعض الآيات وقد اعتمد هذا الأسلوب بصفة مكثفة ساهم في جمال اللفظ والمعنى عنده، كما ساعد الشاعر على بلورة صورة جميلة لقوالب التناص تقترب تارة وتبتعد عن المصدر الأصلي وذلك بكتابة المعنى أو اللفظ القديم خدمة للغرض الذي كتب من أجله النص.

إذ تعرف جوليا كريستيفا التناص بأنه "ترحال النص لنص سابق و تداخل نص في فضاء نص معين تتقاطع وتتنافى فيه ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى"(3). وهو التعريف الذي اتفق عليها البعض واختلف معه البعض الآخر في طريقة وصفه أو تعريفه، ومن تسميات التناص التي يمكن أن نشير إليها، هي ما سماه الدكتور صلاح فضل " بازدواج البؤرة" مع العلم أن فكرة الازدواج هذه مرتبطة تماما بفكرة التناص.

وهذا ليس عيبا فالتناص كنضرية شغلت الساحة الأدبية الغربية و العربية، و قد اعتبرت آلية ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في الخطاب الأدبي عموما والشعري خصوصا، لرسم صورة شعرية حديثة مستمدة من منابع دينية مختلفة كالقرآن والسنة بالإضافة إلى منابع أخرى ليحصل التوالد والتعالق بين النص الأصلي والنص المراد كتابته، فتحصل الانصهار الفني الانفراد و التميز.

كما أن التناص الذي يعتبر من أبرز التقنيات الفنية التي عني بها أصحاب الشعر الحديث، واحتفوا بها بوصفها ضربا من تقاطع النصوص الذي يمنح النص ثراء وغنى يسهم في النأي به عن حدود المباشرة والخطابة. وهو التناص القرآني كما يمكن القول أن هذا التناص هو الأكثر انتشارا بين شعراء عصرنا (محمود درويش – أمل دنقل -) الذي احسنوا توظيفه في القصيدة التقليدية و نفس القول ينطبق على نظيرتها الحداثية.

والشاعر خالد رداوي أحد هؤلاء الشعراء المنغمسين في التراث الفكري الديني و هذا ما يجعل احتفاءه و توظيفه للتناص القرآني واضحا وجليا بين مختلف مفاصل مجموعته الشعرية "المتضائل" الذي وجد فيه أرضية يتحرك في فلكها نصه بطريقة مخالفة لتوقعات القارئ الذي يكتشف معها فضاء العبارة و جسد الفكرة المتجسد في النص.

وقد جاء استخدام التناص من خلال أشكال عدة مثل استخدام مفردات قرائية منفردة أو مقترنة بلفظة أخرى (عين حمئة- صرح ممرد- تجري من تحتها- وردة كالدهان- لا تثريب علي- ريح سموم- ثاني اثنين- عصف مأكول- لجة...) أو اقتباس مباشر لنص قرآني أو ذكر شخصيات أو أسماء شعراء ورسامين و غيرهم كـ: (بيكاسو- الحلاج- السياب- ماركس- عشتار- رامبو...) فنص خالد رداوي لا يؤمن بالحدود فهو نص مفتوح القراءات يعجن ألفاظه ومعانيه بكثير من الحبكة الشعرية والتوظيف المحكم للشخصيات التاريخية والأسطورية وهنا يتقاطع الزمان بالمكان و تتقاطع الأحداث و الشخصيات في صورة فسيفسائية تروق للقارئ.

و لكن التناص الذي يهمنا هنا هو التناص القرآني الذي ينقسم عند الشاعر إلى قسمين:

التناص القرآني (اقتباسا كان أو إشارة).

التناص مع قصص القرآن الكريم.

1)- التناص القرآني: و هو عبارة عن اعادة قراءة النصوص المقتبسة في ضوء النص الجديد الراهن، واعادة صياغتها، وقراءتها في إطار جديد ونص جديد، فالنص الأدبي متعدد الدلالة والأصوات فيه صوت الشاعر الرامي ربما إلى التعبير عن اديولوجيا، وموقف من الواقع والواقع والأحداث وتعليقه عليهما من خلال اختيار نصوص محددة.

و هنا اخترنا استعمال جدول بياني يبين مكان التناص وما يقابله في النص القرآني لتوضيح ذلك التناص:

الصفحه الأسطر الشعرية الآية بالقرآن الكريم
ص9 كل ليلة أستند إلى جدار أوهن مني
و بما أوهن منه... كلانا يتكئ
على ظهر قلبها و قلبها بيت عنكبوت...
و ذلك في قوله تعالى: (وَإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ) (العنكبوت الآية 41)
ص15 هاهي الصحراء خاوية كأعجاز نخل و ذلك في قوله تعالى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)(الحاقة الآية7)
ص25 يد فوق الأشلاء تلتقط أناملي
والتفت الساق بساق ميتة فأين المساق
(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) (القيامة الآية 29 و 30)
ص40 مثلها كمثل النهد النافر إذا تركته يلهث
و إذا أزحت عنه اللثام يركض خلفك
و يلهث...
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث)(الأعراف الأية176)
ص54 الأصوات كروم بيضاء
و أشجار ذات أفنان و الخمرة
أسكرت سمعي ببهجتها
و أشجانها دانية...
(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) (الرحمان الآية48)
و كذلك في قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) (الأنعام الآية99).
ص56 يدان مبسوطتان كل البسط تتناثر منها حبات الغواية (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة الآية 64)
ص90 حتى يدخل الفجر
في سم خياط العنكبوت
في قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (الأعراف الآية40)
س90 بنت حمالة الحطب، بنت الشمس
في جيدها تميمة عطش
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)
(المسد الآية 4 و5)
ص93 كأنها مائدة تكون لنا عيدا
لأولنا و لآخرنا...
(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(المائدة الآية 114)
ص126 لا أنتظر من الشعر
أن يوقى شر نفسه أو شح نفسي
قوله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)(الحشرالآية9).
ص127 هو الشعر/قل هو الشعر قل أعوذ بسواه. (قل أعوذ برب الفلق)(الفلق الآية1)
ص 160 و الرموز تتلاشى و يتضح اللوح
و بصري الآن حديد
(لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ)(ق الآية22)

2)- التناص مع قصص القرآن الكريم: وقد اعتمد فيه الشاعر على قص القرآن في استقطاب الألفاظ، أو توظيف القصص القرآني التي يمكن أخذ الكثير من معانيها كما هي أو الإشارة إليها لتكون أحيانا إشارة واضحة إلى الآية القرآنية، بينها و نظيرتها الشعرية، التي تنشئ أحيانا علاقة في ما بينها و بين بعض الآيات.

الصفحه الأسطر الشعرية القصة بالقرآن الكريم
ص 10 أعاد النبي العصا إلى ربه
.....
و منذ ذلك الحين
كل مآربنا ظلال...
قصة عصا سيدنا موسى التي فلق بها البحر: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ)(طه الآية18)
ص 30 لي رطب لم يساقط على مريم
و كان جنيا
قصة مريم العذراء حينما جاءها المخاض: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا )(الآية25)
ص 33 الشوق رصيف تخلع نعليه
و خطاها واد مقدس...
قصة مخاطبة المولى سبحانه و تعالى لنبيه موسى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)(طه الآية12)
ص52 الضوء يعصر خمرا بين الأغصان
ويسقي فاكهة الخطيئة
من وراء حجاب...
قصة سيدنا يوسف مع رفيقي السجن: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه)(يوسف الآية41)
ص 61 أكلت الذئب
و مزقت قميص يوسف
قصة يوسف مع إخوته عندما زعموا أنه قد أكله الذئب: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)(يوسف الآية17)
ص 79 الغياب بلاهة الرؤيا
و العبارة صرح ممرد من أصوات
قصة عبور الملكة بلقيس الصرح: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ) (النمل الآية44)
ص 139 لم تقل هيت لك قصة سيدنا يوسف مع زليخة: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) (يوسف الآية23).
ص 164 لم أكن ستة و سابعهم كلبهم قصة أهل الكهف: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) (الكهف الآية22)
ص 164 و لا سبع سنبلات خضر و لا أخر يابسات... تفسير رؤيا الملك: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) (يوسف الآية 46)

ومن خلال هذا نخلص إلى أهمية التناص الذي يعتبر واحدة من التقنيات الفنية التي توظف في النص الشعري من أجل إعلاء بنيانه الجمالي كما يؤكد محمد مفتاح أهمية التناص بالنسبة للشاعر وعدم استغنائه عنه فهو " بمثابة الهواء والماء والزمان و المكان للإنسان فلا حياة له بدونهما ولا عيشة له خارجهما"(4).

وهذا التناص جعل الشاعر خالد رداوي قد وقع في تناص شعري مع نصوصه التالية:(عراء- غربة) عندما يقول في نص:"عراء"(ص28):

" لباسها من ورق التوت
اقتلعت كل أشجار الجنة
و تركتني للعراء..."
و كذلك عندما يقول في نص"غربة"(ص137):

" امرأة من ورق اليقطين
التحفت بغربتي
و تركتني عاريا..."

فالشاعر عادة يجد نفسه ملزما بالأخذ بشروط التناص الزمانية والمكانية وما دار في هذا الزمان والمكان بالإضافة إلى ما تختزنه الذاكرة من أحداث تاريخية أو معرفية لذلك نلاحظ تأثر الشاعر بالقرآن الكريم وقصص الأنبياء.

فالشاعر خالد رداوي لم يكن استعماله لعبارة " الذاكرة " في نصه مجرد ذكر عادي يحكمه السياق بقدر ما يحكمه المعنى والضرورة في شعره. يقول(ص114):

"بحروف التذكر تفزعني النداءات
صرخة مختنقة برماد أسمائها
المحتملة في حبرها الإلهي...".

حيث تكررت هذه اللفظة في المجموعة الشعرية بمختلف اشتقاقاتها اللفظية حيث تكررت في المجمل(27 مرة) على النحو التالي:

ا ل ع ب ا ر ةأ ت ذ ك رذ ا ك ر ت يذ ا ك ر ت هي ذ ك ر ن يذ ك ر ي ا ت ناذ ا ك ر ت ي نا ل ذ ك ر ىي ت ذ ك ر ن يأ ت ذ ك ر هذ ك ر ىأ ت ذ ك ر ه اذ ا ك ر ةا ل ذ ا ك ر ةا ل ت ذ ك ر
ع
د
د
ه
ا
2 3 1 1 1 1 6 1 1 1 1 4 2 2

لتخرج في شكل صور تذكارية سواء كانت تلك الذكريات من ذاكرة الطفولة أو ذاكرة الحافظة التي يمتلكها الشاعر ومخزونه المعرفي، مع العلم أن الإنسان لا يمكن مهما كان أن يعيش بدون تلك الذاكرة و التي يمكن القول بأنها المشكل الرئيسي لمستقبل الإنسان عمليا واجتماعيا وإبداعيا فهي بذلك تحدد واقع حياته المستقبلية.

و في الختام يمكن القول أن الشاعر خالد رداوي حقق التفرد في منجزه الشعري بأساليب ابداعية وجماعية متفردة ومتعددة منها التناص، والمبدع الحق في حقيقة الأمر هو الذي يكتب بعيدا عن المعاني التي سبقته، غير أنه يمكن للمبدع المتمكن مثل شاعرنا- والرأي يلزمني بالأساس ولا يلزم أحدا- هو حسن تركيب واستجلاء المعاني وطريقة إخراجها تحقيقا للناحية الجمالية والإبداعية لقصيدته، وهو ما يجعل نصوص خالد رداوي تبدو كأنها جديدة مبتكرة في نسيجها الفني و بنائها المعنوي.

فالشعرية عنده هي بوابة الخروج من منطق الفكرة البسيطة التي يجمعها من مخزونه المعرفي إلى منطق البناء والتصوير أو الإخراج السينمائي للفكرة التي تتجسد في صور شعرية مستحدثة تتداخل فيها الرموز الدينية والتناص القرآني بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر رغم اختلاف الظروف بالإضافة إلى معرفة كبيرة بدلالة الرموز وكيفية توظيفها ونقلها من وعاء الماضي إلى وعاء الحاضر ليختزل التجارب الإنسانية ويخرجها على صورتها الحية نابضة بالحياة رغم ما فيها من المآسي خاصة عندما تكون "الفكرة أضيق من السجن يا صاحبي..."(ص166).

صامويل باركلى بيكيت(1906-1989) كاتب إيرلندي وكاتب مسرحى، بالإضافه أنه كان ناقد أدبي، ولد في فوكس روك, دبلن.

تزيفتان تودوروف، ميخائيل باختين- المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات للنشر، ط2، 1996، ص125).

جوليا كريستيفا: علم النص، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال، الدار البيضاء،1997، ص21
محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص،المركز الثقافي، الدار البيضاء، ط 2،1986 ص125


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى