الثلاثاء ٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠
فضاء الذاكرة التاريخية بسيدي قاسم في تجربة استثنائية في
بقلم أنس الفيلالي

التنشيط الثقافي عن بعد إبان الحجر الصحي


تدعيما للجهود الوطنية المبذولة من اجل الوقاية والاحتراز من فيروس كورونا كوفيد 19، وحرصا من فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسيدي قاسم على استمرار انشطته الثقافية، والعلمية الهادفة الى صيانة وحفظ الذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية، وفي ظل تعليق الأنشطة الثقافية الحضورية بجل القطاعات الثقافية بالمغرب، كان للفضاء قصب السبق في مجال التنشيط الثقافي عن بعد تماشيا مع استراتيجيته، ودوره البارز في محيطه السوسيوثقافي الذي يهدف الى حفظ، وصيانة الذاكرة التاريخية الوطنية المحلية، وتفاعلاتها مع ذاكرة الشعوب الصديقة، والشقيقة بغية نشر قيم المواطنة والوطنية الحقة في المجتمع.

وهكذا انكب الفضاء على تنظيم برنامج "قضايا تاريخية"، الذي ضم سلسلة من المحاضرات والمداخلات العلمية عن بعد اسبوعيا، لنخبة من الاكاديميين المشارقة والمغاربة، و قد تم بثها على صفحتي المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وصفحة فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسيدي قاسم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، والتي استقطبت الالاف من المتابعين أسبوعيا.
شارك في برنامج شهر ماي نخبة من الباحثين المشارقة والمغاربة، حيث استهل الفضاء أنشطته بمحاضرة افتتاحية للمؤرخ المصري الدكتور إسماعيل حامد علي، أستاذ بجامعة القاهرة في موضوع" العلاقات الروحية بين المغرب ومصر في العصر الوسيط"، وذلك يوم الخميس 7 ماي 2020 ابتداء من الساعة العاشرة ليلا، سلط خلالها الضوء على مسار هاته العلاقات التي طبعت البلدين من خلال تواجد مجموعة من المقومات المشتركة، سواء الجغرافية منها لكونهما ينتميان للقارة الافريقية، كما تجمعهما الصحراء الكبرى التي كانت عامل وصل بين شعوب افريقيا عامة ومصر والمغرب على وجه الخصوص. بالإضافة الى الهجرات التي تمثلت في نزوح السكان من المغرب في اتجاه مصر أو العكس على فترات تاريخية معينة، بما فيها مقدم الفاتحين من مصر الى المغرب، ونشر الإسلام والمذهب المالكي سواء في مصر أو المغرب، بالإضافة إلى الهجرة الهلالية في اتجاه المغرب، وكذا العلاقات التجارية في اطار القوافل التجارية، ورحلة الحج حيث كان الحجاج المغاربة يأتون الى مصر لمرافقة ركب الحجاج المصري في اتجاه بلاد الحرمين الشريفين، كما أن جامعة الازهر الشريف وجامعة القروين جسدتا العلاقات الفكرية بين البلدين فكان لطلاب العلم المغاربة رواق في الازهر الشريف هو رواق المغاربة، دون ان ننسى تبادل السفراء بين دولة بني مرين ودولة المماليك، ومن الرحالة المغاربة الذي نزلوا بمصر يذكر الأستاذ المحاضر الرحالة ابن بطوطة والحسن الوزان. هذا بالإضافة إلى قدوم كبار المتصوفة المغاربة واستقرارهم في مصر ودورهم في انتشار التصوف والعلوم الدينية بمصر على رأسهم الحسن الشاذلي المغربي المولد والنشأة الذي كان له مريدون كثر بمصر، والمرسي أبو العباس بالإسكندرية وهو متصوف من اصول مغاربية ويعد هذان من ابرز المتصوفة والعلماء المغاربة الذين اثروا في الحياة الدينية والثقافية والعلمية في مصر. ولم يكن ذلك ليكون حسب المحاضر لولا مجموعة من الخاصيات المشتركة بين البلدين منها الدين والمذهب والجغرافيا التي قال ان الصحراء الكبرى أهمها.

أما المحاضرة الثانية فعنونها الباحث الاكاديمي زين العابدين زريوح ب:" دور الوثيقة في حفظ الذاكرة التاريخية الوطنية معركة وادي المخازن نموذجا"، وقد تناول الدكتور زين العابدين في هذه المحاضرة القيمة ذاكرة ووثائق معركة وادي المخازن المجيدة في تاريخ المغرب، حيث تطرق في البداية إلى مفهوم الذاكرة بنوعها الجمعي والتاريخي، وعلاقتها بالوثيقة، واهمية هذه الاخيرة في حفظ الذاكرة الوطنية انطلاقا من هذا الحدث التاريخي المهم، خصوصا مع خفوت ذاكرة المعركة وغياب بقايا مادية عنها. إذ أنه عند مطالعة مختلف الوثائق التي تطرقت لمعركة وادي المخازن، فإننا سنقف أمام إشكالية أخرى ألا وهي تعارض ذاكرتين متضاربتين، ذاكرة المنتصر وهو ما تمثله الوثائق المغربية، وذاكرة المنهزم وهو ما تمثله الوثائق الأوروبية، ولاسيما البرتغالية منها رغم الحياد الإيجابي لبعض المصادر والوثائق.

اذ ركزت المصادر المغربية على رواية احداث المعركة بطريقة أدبية وسردية بعيدة نسبيا عن الجوهر والمضمون، وذلك انطلاقا من الالتزام بالإجماع العام، واعلاء مجد الدولة، وإخفاء كل الجوانب التي يمكن أن تمس بهذه الصورة. في مقابل تشويه صورة الجيش المهاجم، والتضخيم من تعداده ضمن قالب الصراع الإسلامي المسيحي الذي كان سائدا في البحر المتوسط. في حين حاولت المصادر البرتغالية التي دونت حينها للحدث تفادي التطرق له على اعتبار انه مأساة اصابت الإمبراطورية. بينما نجد ان بعض الوثائق الأجنبية التي كانت ضمن الأرشيف الأوروبي تزخر بالعديد من المعطيات حول المعركة، خصوصا التي دونت على يد الجواسيس والدبلوماسيين والتجار وغيرهم. رغم أن جزءا منها لم يخل من تحيز لصف الدول المسيحية، وتزوير لبعض الحقائق. وتظل أهم وثيقة هي رسالة الطبيب اليهودي المرافق للسلطان عبد الملك المعتصم التي يروي فيها بدقة عددا من حيثيات الحدث. فيما تضمن الأرشيف العثماني كذلك وثائق أخرى حول المعركة منها ما يحكي وجهة النظر العثمانية لاسيما فيما يتعلق بالمشاركة العسكرية فيها.واستنتج الباحث في الأخير انه يجب إعطاء مكانة كبيرة للوثيقة التاريخية، وتسهيل ولوج الباحثين اليها، وتحقيق المزيد من الانفتاح على الارشيفات الخاصة، والأجنبية التي تضم وثائق ومعطيات غاية في الأهمية خدمة لذاكرة معركة وادي المخازن، والذاكرة الوطنية جمعاء.

وفي اطار تخليد اهم الذكريات الوطنية كان لمتتبعي صفحة الفضاء على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك موعد مع مداخلة علمية للأستاذ منير كلخة، سلط فيها الضوء على "ملامح من ثقافة المقاومة للشريف محمد امزيان"، وذلك في الذكرى 108 لاستشهاده، والتي لازالت الذاكرة الشعبية لقبيلة قلعية ومنطقة الريف ككل تحتفظ بها.كما لم يفت اطر الفضاء التفاعل مع القضايا الراهنة بتنظيم محاضرة علمية حول موضوع" علاقة المغاربة بالمستعمر الفرنسي زمن الأوبئة"، والتي قدمتها الدكتورة ابتسام تملاين، وتناولت فيها علاقة المغاربة بالمستعمر الفرنسي زمن الجوائح والمسغبات، وكيف استغل المستعمر تلك الفترات العصيبة على المجتمع المغربي لممارسة ضغوطاته الاستعمارية وبسط نفوذه، ورد فعل المغاربة اتجاه التدابير التي اتخذتها السلطات الاستعمارية زمن الجائحة....

كما نظم الفضاء محاشرتين مهمتين، الأولى للمؤرخ الجزائري هزرشي بن جل والتي تناول فيها موضوع المشترك المغربي الجزائري النضالي خلال الحقبة الاستعمارية، والثاني للباحث المغربي عبد العزيز بلبكري التي تناول فيها موضوع سيدي قاسم في الفترة الاستعمارية. ولازال فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسيدي قاسم مستمرا في بث حلقات من سلسلة قضايا تاريخية عن بعد بشكل اسبوعي طيلة فترة الحجر الصحي إلى حين رفعه والعودة إلى الأنشطة الثقافية الحضورية بمقر الفضاء بمدينة سيدي قاسم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى