الثلاثاء ٢٣ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٧
بقلم سعادة خليل

الحنين إلى الأيام الخوالي

لقد أحيا المسلسل الدرامي (باب الحارة) في نفوس الآباء والأمهات معاني سامية أصبحت من الماضي تقريبا. إلى الحد الذي حدا بالشباب من الجنسين أن ينتظروا أحداثه يوما بيوم وحتى الأطفال التقطوا أسماء الأبطال والعبارات المستخدمة في الحوار أحيانا. لا شك بأن الحنين إلى الماضي والحياة الأسرية المتماسكة والأسرة الممتدة التي بدأت تتآكل في أيامنا هذه وكذلك المعاني الحميدة التي أثارها المسلسل كالنخوة والكرم والتعاضد والتكافل والتعاون أعادت إلى النفوس بعضا من الماضي التليد. ولكن ذلك لم يخل من السلبيات حيث كان التركيز على دور المرأة السلبي التابع حيث لا رأي لها وليس لها سوى الزواج وتقديمها آيات الولاء والطاعة لزوجها. ومع ذل يمكن فهم كل هذا في السياق الزمني الذي اثارته أجداث المسلسل.

واكب المشاهدون في جميع أنحاء الوطن العربي حكايات الرجال الشجعان وبساطة المرأة وطاعتها العمياء التي اختفت منذ فترة طويلة ، وأحدث الغضب وأدخل السرور في نفس الوقت في كل بيت عربي تابع المسلسل طوار شهر رمضان.

وطوال الشهر تهافت الناس بمختلف أعمارهم وثقافاتهم في المدن والقرى على السواء من المساجد وتقاطروا الى المقاهي مساء كل يوم ليلحقوا بالمسلسل. فالكثير منهم مثلا فضل مشاهدة المسلسل عن متابعة الخطاب المتلفز للقائد الأكثر شعبية في الوطن العربي (السيد حسن نصرالله). وكذلك لجأ بعض أئمة المساجد في فلسطين إلى تقصير صلاة التراويح من أجل إتاحة الفرصة للمتابعين للمسلسل اللحاق بمشاهدته. وإلى حد أن أحد أئمة المساجد في الأردن أن خيّر المصلين بين صلاة التراويح وبين مشاهدة إحدى حلقات المسلسل ذاته.

وهكذا إن مسلسل (باب الحارة) جذب ملايين المشاهدين هذا العام ابتداء بأبناء غزة المحاصرة إلى اثرياء مدن الخليج العربي. صور المسلسل حياة الأسر الشامية في أحد أحياء دمشق القديمة في فترة زمنية تقع ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية عندما كانت سوريا تحت السيطرة الفرنسية وهو ما أثار حفيظة مشاهدي اليوم لوجه الشبه بني الأمس واليوم. وكذلك شد المسلسل اهتمام المشاهدين بمشاهد الرجولة التي تمثلت في اللباس التقليدي وفي مظاهر الرجولة كالشوارب المعقوفة التي تنم عن الاعتداد بالنفس وما يتماهي مع الخصال الأصيلة كالنخوة والشهامة ومد يد العون للفقراء ومساعدة الثوار. وأما مظهر الخائن العميل هو من يتزيا بزي المتسول الأعمى ومدى كراهية الناس للخونة والعملاء إلى حد أنه عندما قتل "أبو شهاب" اصطيف العميل خرج أبناء إحدى القرى الفلسطينية إلى الشوارغ بالزغاريد والأهازيج لشدة ما يعانونه من العملاء والخونة.

لقد قصد مخرج المسلسل ، بسام الملا، إعادة الحنين إلى الأيام الخوالي التي تتميز بعالم القيم والشرف والعزة والشهامة والمروءة وروح الثوروية والتحرر. ومن الواضح أنه نجج نجاحا باهرا في الصيغة التي قدمها في المسلسل والتي لعبت على وتر الدين والسياسة في نفس الوقت.

أما القضية الهامة التي أثارها السلسل هي قضية أدوار الجنسين في الوطن العربي. فمنهم من رأى أن التأكيد على القيم التقليدية كان جيدا
أي أنه من الواضح ان الرجال تجذبهم هذه القيم لانها تذكر بالماضي كطاعة المرأة وهو ما يريده الرجال التقليديون. وبعضهم وصف أدوار المرأة في المسلسل بأنها كانت "سخيفة". كانت المرأة مقهورة وضعيفة ولا رأي لها على الرغم من شجاعة وشهامة الرجل.

وباختصار شديد، لقد عكس المسلسل التقاليد العربية الأصيلة كالشهامة والكرم والشرف التي تفتقدها المجتمعات العربية اليوم وكان رد الفعل طبيعيا ضمن الشوق والحنين للقيم وأما بالنسبة لدور المرأة في المسلسل فعلى منتقديه أن يتوقفوا عند الفترة الزمنية التي سجلها المسلسل لا أن يتم إسقاط الحاضر على الماضي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى