الثلاثاء ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦

الخطاب المقاوم في ديوان قوافي الدم والياسمين

ندى شداد

مقدمة

تشكل «قوافي الدم والياسمين» مجموعة شعرية ثنائية اللغة، وتُعدّ في آنٍ معاً إنجازاً أدبياً ومشروعاً علمياً، قام الشاعر الدكتور حلمي الزواتي باختيار قصائدها من مجموعاته الشعرية العشر المنشورة على مدى خمسين عاما، فبرزت بوصفها عملاً نادراً وتأملياً عميقا يجمع بين قصائد فلسطينية تُنقل إلى اللغة الإنجليزية بقلم شاعرها ذاته. تتجاوز هذه المجموعة حدود الترجمة التقليدية، لتغدو فعلاً من أفعال الحفاظ الثقافي والمقاومة الشعرية والتدخّل النقدي. إنها مشروع مزدوج يقوم على التأليف والترجمة الذاتية، مما جعلها نصاً متعدد الطبقات، يحمل في طياته بعداً شعرياً وجمالياً من جهة، وبعداً أكاديمياً ومعرفياً من جهة أخرى. ويعزز هذا البعد المزدوج ما يتضمّنه العمل من حواشٍ وشروح ومقدمة نقدية جريئة وفهرس عام للأسماء والأماكن، حولته من مجرد عمل إبداعي إلى وثيقة أدبية ونقدية وثقافية قابلة للدرس والبحث الأكاديمي.

منهج الترجمة الإبداعي

يعتمد الدكتور الزواتي في ترجمته منهجاً تأملياً وخلاقاً يُزاوج بين الحس الشعري والدراية النقدية. فهو يرفض الترجمة الحرفية الجامدة التي تقتل النص، ويعتمد بدلاً منها على ترجمة تقوم على الأثر العاطفي والإيقاع الشعري والدقة الرمزية. حيث يسعى إلى الحفاظ على النغمة والإيقاع والصورة الشعرية وروح القصيدة. ويُسهم هذا النهج في إعادة إنتاج النصوص لا كمجرد مقابلات لغوية، بل كتجارب وجدانية وجمالية قابلة للتذوق عبر اللغتين العربية والانكليزية.

وبما أنه كاتب النصوص الأصلية، فإنه يتمتع بسلطة تأويلية خاصة تمكّنه من نقل المعاني الداخلية والموسيقى الشعريّة للنصوص بشكل أكثر أمانة وعمقا. كما يعتمد منهجه على مزيج من المعرفة النقدية، والدراية بالشعر المقارن، والبصيرة الشعرية. وقد ضمّن عمله حواشي، وجداول للترميز الصوتي، وتوضيحات تاريخية وثقافية تُسهم في تسهيل فهم القراء غير العرب للقصائد.

الذاكرة والحنين المقاوم

تتوزع القصائد على مدى زمني يمتد لأكثر من خمسين عاماً، مما يمنح المجموعة آفاقا زمنية غنيَّة تعكس تطور التجربة الشعريّة والشخصية لدى المؤلف. تتناول القصائد موضوعات متنوّعة، تشمل الحب في أبعاده الرومانسيّة والصوفيّة، والحنين إلى الوطن، والمنفى، والهوية، والذاكرة، والمقاومة. إن قصائد بارزة مثل نقوش بالدم على صدر الحبيبة، وحلم خلف السياج، وأدعوك أرضي وفلسطين الجسد، والحب والحصار الأخير، ورموزا مثل الياسمين، والبرتقال، والتين بوصفها أدوات شعرية مكثفة للدلالة على الوطن، والبراءة، والتضحية، والانتماء تقدم جميعها تأملات في الحنين لا كفقد، بل كهوية مقاومة حيّة ومتواصلة.

أما من الناحية الشكلية، فتُعبّر القصائد عن تمازج بين التقاليد الكلاسيكية في الشعر العربي والبنية الحداثية، مما أنتج نصوصاً ذات نَفَس حر، لكنها مشبعة برنين الموسيقى الداخلية واللغة الرمزية الكثيفة، وهكذا أصبحت مزيجاً إبداعياً بين الأصالة والتجديد.

العاشق المقاوم

يشكل شعر الدكتور حلمي الزواتي تجربة شعرية فلسطينية متفردة تنبع من جرح الوطن وتفيض من قلب العاشق المقاوم، حيث تتداخل المرأة، والحب، وفلسطين في نسيج شعري واحد يصعب فصله أو تفكيكه. في حوارين منفصلين أجراهما معه الأديبة العراقية أمل الجبوري ونشر في مجلة الطليعة (9 آذار 1987)، والكاتب المصري علي عبدالفتاح، والمنشور في صحيفة الرأي العام الكويتية (7 مايو 1989) صرّح الزواتي بأن «المرأة والوطن كيان واحد لا يقبل التجزئة»، في تأكيد على أن صورة الأنثى في شعره ليست مجرد حالة رومانسية، بل هي وجه من وجوه الوطن، وتجسيد حي لفلسطين الأنثى، الحبيبة، الأم، والرفيقة.

هذا التصور يجد صداه بقوة في دراسة البروفيسور شاكر مصطفى «هجرة في الجرح: تأملات في أعمال حلمي الزواتي الشعرية الكاملة» ، حيث يرى بأن الزواتي «لا يكتب عن الوطن بل يكتبُ الوطنَ نفسَه، ويكتبُه بأنوثته، بجراحه، وبكبريائه». فشعر الزواتي لا يفصل بين الجمال الجسدي والوجداني للمرأة وبين قدسية الأرض، بل يغزل بينهما رابطاً من الدم والشوق والمقاومة، حيث الحب ليس انسحاباً من المعركة، بل تكثيفٌ لها:

تُفاجِئُني الآنَ بَعْضُ العَواصِفْ
وصَوْتٌ حَنونٌ يُعانِقُ ظِلِّي وروحي
أُحِبُّكَ يا أَيُّها البَحْرُ
إنِّي أُحِبُّكْ
وجالَتْ بِصَدْري المُدى والخَناجِرْ
وصَوْتٌ حَنونٌ مُكابِرْ
أُحِبُّكَ إنِّي أُحِبُّكْ
حَمَلْتُ جِراحي عَلى كاهِلي
وأَبْحَرْتُ سِراً لِكَيْ لا يَراني الجُنودْ
وأَلْقَيْتُ كُلَّ القَصائدْ
فَشَدُّوا وَثاقي وقَصُّوا الجَدائِلْ.

قصائد في ميزان النقد العالمي

يتفق عدد من الأكاديميين والنقاد العالميين على أن هذه المجموعة متجذرة بعمق في التجربة النضالية الفلسطينية بكافة أبعادها. إنها تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية الفلسطينية لتُعبِّر عن الاهتمامات الإنسانية العالمية. البروفيسور ميراي ربيز، رئيسة قسم دراسات الشرق الأوسط والأستاذة في كلية ديكنسون، بنسلفانيا، وجيوفانا ريتشيو، الشاعرة الكندية الحائزة على عدة جوائز، ومؤلفة ديوان «جمهورية البلاستيك»، تسلطان الضوء على موضوعات التشرد والحنين والمقاومة في المجموعة، وتصفان شعر الزَّواتي بأنه شهادة وتحدٍ في آن واحد. إنه سلاح الوعي الذي يتصدى لمحاولات العبث بتاريخ نضال الشعب الفلسطيني وحقه الثابت في وطنه. لقد أجمعتا على أن الزواتي قد حوَّل شعر المنفى إلى ذاكرة مقاومة تأبى الاندثار.

وفي معرض تعليقه على هذه المجموعة، يضع جورج إليوت كلارك، أستاذ الأدب الكندي في جامعة تورنتو والشاعر الكندي المرموق، الزَّواتي في سلالة شعراء الحرب، مستشهداً بـِ ويلفريد أوين للتأكيد على الأهمية الأخلاقية الملحة لقصائده. بالنسبة لكلارك، هذه القصائد ليست رثاء بل هي مرافعات - مناشدات من أجل العدالة - حيث لا يمكن للحرية والحب أن يزدهرا دون إصلاح أخلاقي. أما دانييلا روديكا فيرانيسكو، أستاذة الدراسات العربية في جامعة دالهاوزي، وشاعرة لامعة، فقد رأت أن مفاهيم الحب والمنفى والمقاومة والإنسانية العالمية قد تشابكت في هذه المجموعة في نسيج مؤثر من الذاكرة والعدالة. لقد رأت روح الشاعر والفقيه القانوني الدولي حلمي الزَّواتي تتخلل كل بيت من أبيات هذه المجموعة، حيث تجاوز الشعر حدود القانون لاستعادة التوازن الأخلاقي من خلال الإبداع والجمال، مما رفع أدب المقاومة الفلسطينية إلى مستوى الأدب العالمي.

كما يُجمع جون بيتر بورتيللي، الأستاذ بجامعة تورنتو، الشاعر الفيلسوف والكاتب الروائي، وإينيس أشيريتش- تود، أستاذة الثقافات العربية والشرق أوسطية في كلية الآداب واللغات والثقافات بجامعة إدنبرة، على الأهمية الأدبية لهذه المجموعة الفريدة من شعر المقاومة الفلسطينية. إنهما يريان في شكلها ثنائي اللغة رصيدًا علمياً مهماً، حيث يوفر مساحة حوارية بين اللغتين العربية والإنجليزية تساعد على جسر الفجوات الثقافية واللغوية بينهما، كما يثري دراسات الأدب العالمي المقارن وعلوم الترجمة.

خاتمة

في الختام، ليست «قوافي الدم والياسمين» مجرد مختارات شعرية مترجمة فحسب، بل هي إعلان شعري وموقف نقدي وتجسيد حيوي للقدرة الإبداعية على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية والرمزية. ومن خلال ترجمته الذاتية المتقنة، لا ينقل الدكتور حلمي الزواتي جماليات قصائده فحسب، بل يمارس موقفا نقديا ضد التمثيل الأحادي، ويواجه أيضاً البُنى السياسية والثقافية التي حكمت تمثيل الشعر الفلسطيني في العالم. إنها شهادة على قدرة الشعر الفلسطيني المقاوم على عبور الحدود، سواء كانت لغوية أو سياسية أو عاطفية، وعلى المساهمة في إثراء المشهد الأدبي العالمي بنص عربي مكتوب بلغتين، لكنه يحتفظ بروحه الواحدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى