الشجرة والنعش
غرس الرجل شجرة في حقله، وبينما كان يسهل التراب ليثبتها في الأرض، أينعت أوراقها، عجب الرجل لهذه السرعة المذهلة في نموها، وما أن رفع حاجبيه علامة التعجب حتى أزهرت، وما أن تبسم حتى تدلت الثمار، عزم أن يجمع الثمار بسرعة، ولكن الشجرة كانت أسرع منه إذ جفت ثمارها، وتساقطت فوق رأسه تالفة، لا نفع فيها، حصل ذلك في سرعة قياسية رهيبة، وفجأة بدأت الأوراق تتساقط، نظر مستبشرا، وقال: لن يطول خريفها، إذ سرعان ما ستعاود الإنتاج، شمّر عن ساعديه، وتهيأ لجمع الثمار، طالت وقفته، لم يقطع الأمل، انتظر … انتظر طويلا، غزا الشيب مفرقيه، وتقوس ظهره، وهو لا يزال ينتظر أمام الشجرة، ينظر إلئ الأغصان في الأعلى، وخشوع يملأ صدره لله الذي أنعم عليه بهذه الشجرة العجيبة.
وذات صباح عصفت ريح بعنف لم يشهده في حياته، هزت الرياح الشجرة، وبسرعة مذهلة تحطمت وكأنها لم تكن، والعجيب أن الريح لم تزعزع الرجل من مكانه، بقي ثابتا ينتظر نمو الشجرة إذ بقي جذرها تحت الأرض، ولكن تحولت نظراته من الأعلى إلى أسفل … يرقب بزوغ الساق، تكور الرجل، وأصبح رأسه في مستوى قدميه، وهو ينظر بلا ملل إلى الأرض، تجمد، وتوقف النبض في عروقه، وعبثا حاولوا مده في نعشه، إذ بقي متكورا، وحملوه وهو يتدحرج فوق نعشه، وكان أعجب نعش عرفته الناس في ذلك الزمن.
