الثلاثاء ١٤ نيسان (أبريل) ٢٠٢٠
بقلم محمد زكريا توفيق

الطريق الذي لم يسلك، لروبرت فروست

روبرت فروست(1987-1963م)، شاعر عميق وواضح سهل التعبير. هو أحد شعراء أمريكا الأكثر شعبية في القرن العشرين. كان فروست يعمل مزارعا في ديري، نيوهامشير، عندما باع المزرعة في سن الثامنة والثلاثين، وانتقل بعائلته إلى إنجلترا، حتى يتفرغ لقرض الشعر.

أوائل كتبه الشعرية، منها إرادة صبي (1913م) وشمال بوسطن (1914م)، لاقت نجاحا فوريا. في عام 1915م، عاد إلى الولايات المتحدة واستمر في قرض الشعر، عندما كان يعيش في نيو هامبشير ثم فيرمونت.

ساعدت صوره الشعرية لأشجار التفاح والأسوار الحجرية، إلى جانب أسلوبه الانفرادي وكلماته القليلة المعبرة، في رسم صورة حديثة لريف نيو إنجلاند.

من أعماله الشعرية:

"إصلاح جدار" (الأسوار الجيدة تجعل الجيران جيدة)،

"التوقف في الغابة في أمسية ثلجية" (لمن هذه الغابة، أعتقد أنني أعرف)،

"الطريق الذي لم يسلك" (طريقان متباعدان في الغابة، وأنا قد سلكت أقلهما سفرا)، وهو أشهر أعماله.

حصل فروست على جائزة بوليتزر للشعر أربع مرات: في أعوام 1924 و1931 و1937 و1943. عمل مستشارًا للأعمال الشعرية لدى مكتبة الكونجرس" من 1958 إلى 1959. كما أنه قد تلا قصيدته، "الهدية الصريحة"، في حفل تنصيب جون كينيدي عام 1961م.

التحق فروست بكلية دارتموث وجامعة هارفارد، لكنه لم يتخرج من أي منهما. يفضل القافية التقليدية والوزن. أما رأيه في الشعر الحر، فهو: "مثل لعب التنس بدون شبكة".

كتب روبرت فروست"الطريق الذي لم يسلك"على سبيل المزاح مع صديقه، الشاعر "إدوارد توماس". عندما ذهبا يسيران معاً، كان توماس غير متأكد من الطريق الذي يجب أن يسلكاه. وكان يأسف لأنه لم يتخذ الطريق الآخر.

بعد أن كتب فروست القصيدة عام 1915م، أفضى إلى صديقه توماس بأن القصيدة قد استقبلت بجدية بالغة من طلبة الجامعة، بالرغم من أنه قد حاول التوضيح لهم أنه كان يمزح. فروست يعترف بأنه يكون أكثر جدية عندما يمزح. القصيدة تقول بأن اختيارنا شئ مهم وأمر محتوم.

(بالطبع ترجمة أي شعر إلى لغة أخرى تفقده موسيقاه ورونقه وجماله. ومهما كانت الترجمة دقيقة، فهي لا ترقى أبدا إلى الأصل ولا تغني عنه.)

طريقان يفترقان في غابة صفراء،
وآسف لا أقدر السفر عليهما معا
وبما أنني وحدي، وقفت مليا
ونظرت إلى إحداهما بقدر ما استطعت
إلى حيث ينعطف بشجيراته.

ثم اخترت الآخر، مثيله في الجودة،
وربما أكون قد اخترت الأفضل،
لأنه كان عشبيا وددت ارتياده;
بالرغم من أن المارة هناك
قد ابلتهما حقا بنفس الدرجة،

كلاهما في ذاك الصباح، بالتساوي قد رست
عليهما الأوراق، لا خطوة دوس سوداء.
آه، لقد تركت الأول ليوم آخر!
مع معرفتي كيف يقود الطريق إلى طريق،
شككت أبدا في أن أعود إليه ثانية.

سأقول هذا بحسرة
في مكان ما جيل بعد جيل وبالتالي:
طريقان متباعدان في الغابة، وأنا
قد أخذت أقلهما سفرا،
وهذا هو السبب في الفرق.

يأتي الشاعر إلى مفترق طرق بينما كان يتمشى في الغابة. أوراق الشجر صفراء، فيجعلها رمزا للغابة كلها. هذا يعني أننا في وقت الخريف أو في خريف العمر.

كما يعني أننا أمام أشجار مثل البتيولا. لأن أوراقها الخضراء تتحول في الخريف إلى صفراء زاهية. الأوراق الصفراء لا تبقى كثيرا على الشجر قبل أن تتساقط على الأرض، لكي تفسح المكان لأوراق أخرى خضراء.

بعد اختيار أحد الطرق، يقول الشاعر لنفسه، إنه سوف يعود إلى هذا المفترق في يوم من الأيام لكي يسلك الطريق الآخر. ومع ذلك، يدرك أنه من غير المرجح أن تتاح له الفرصة للعودة إلى هذه النقطة المحددة مرة أخرى. فالعمر لا يرجع إلى الوراء.

اختيار الإنسان لمسار ما، سيؤدي ببساطة إلى مفترق طرق آخر وقرارات أخرى. فالطريق يقود إلى طريق. الاختيار هنا ليس بين فعل الخير والشر، ولكن بين أشياء متساوية في الجودة والقيمة.

لو كان الاختيار بين الخير والشر، لما كانت هناك مشكلة. ولما كتب الشاعر هذه القصيدة. كما أنه لو أخبرنا بأنه قد اختار طريق الخير وتجنب طريق الشر، لفقدت القصيدة قيمتها الأدبية. قيمة القصيدة، في أنها تضعنا في حيرة عندما نختار بين أشياء متساوية.

هذه القصيدة هي واحدة من أحب أشعار فروست للناس. تدرس كثيرا للطلبة في المدارس الثانوية. منذ نشرها، حلل العديد من القراء القصيدة على أنها تعبر عن الحنين لخيارات الحياة. ماذا لو أخذت الوظيفة دي بدلا من دي، أو تزوجت هذه الفتاة بدلا من تلك؟

لقد قرر الشاعر هنا التعبير عن نفسه كفرد، من خلال اختيار الطريق الذي كان "أقل سفرا". فهل كانت حياته تختلف اختلافاً جوهرياً، عنها لو اختار الطريق الأكثر سفراً؟ وما الفرق؟

هذه القصيدة تحظى بشعبية كبيرة لأن كل قارئ يمكن أن يتعاطف مع قرار الشاعر: الاضطرار إلى الاختيار بين مسارين دون أن يكون لديه أي معرفة بأين يقوده كل منهما.

هل يدل، اختيار المسار "الأقل سفراً"، على شجاعته؟ فهو بدلاً من اتخاذ الطريق الآمن الذي يسلكه الآخرون، فضل أن يسلك طريقا خاصا به في هذا العالم. هذا يذكرنا بسكة السلامة وسكة الندامة التي كانت أمام الشاطر حسن، كما جاءت في أساطيرنا الشعبية.

سبب اختياره للطريق الأقل سفرا، هو عذر غير كاف. هل نحن أمام قضية خالف تعرف؟ أم ماذا؟ لو كنت مكانه لاخترت الأكثر سفرا. لأنه لابد من وجود سبب ما يجعل غالبية الناس تسلك هذا الطريق.

حجة أنه أقل سفرا، هي مجرد تبرير لاختيار اللاوعي. بعد اختياره للطريق، يشكك في هذه الميزة ويقول:

بالرغم من أن المارة هناك
قد ابلتهما حقا بنفس الدرجة،

ثم يكرر فروست أن الطريقين قابلان للمقارنة، ملاحظاً هذه المرة أن الطريقين متساويان بالنسبة للسفر. كلاهما قد غطتهما أوراق الخريف الصفراء المتساقطة حديثا.

كلاهما في ذلك الصباح، بالتساوي قد رست
عليهما الأوراق، لا خطوة دوس سوداء.

"آه، لقد تركت الطريق الأول ليوم آخر!"، جملة تأتي كأنها تنهيدة في مسرحية درامية. الاختيار هنا غير مهم. أي الطريقين يختاره الشاعر، فهو سيستمتع بالسير فيه والنظر إلى أوراقه وزهوره.

لكنها، على أية حال، كانت لحظة حاسمة في حياته، ليس فقط بسبب الطريق الذي اختاره، ولكن لأنه كان عليه أن يختار في المقام الأول. حرية الاختيار هي مشكلة الإنسان الحر الأولى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى