«وردة الشتاء» لإبراهيم غبيش
في أقصوصات كتابه "وردة الشتاء" الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) يسلّط الكاتب "إبراهيم غبيش" الضوء على معاناة الإنسان الأزلية المتمثلة في مثلث "الجوع، والفقر، والمرض"، لكنّه مع نقل هذه الصورة ببراعة يضيف ضلعًا رابعًا إلى المأساة الإنسانية؛ إنه ضِلع الغُربة.. تلك المأساة الحصرية التي لا يواجهها سوى اللاجئين المغتربين عن أوطانهم. فمع احتمالية أن يُحاصر أيّ إنسان بين زوايا ذاك المثلث المرعب داخل حدود وطنه؛ إلا أن المغتربين يواجهون ذلك كله مشرّدين في أرضٍ غريبة لا تعرفهم.
وثّق الكاتب في قصصه تجارب متفرقة لأشخاصٍ لا يجمعهم سوى رابط المعاناة؛ على اختلاف أسمائهم وأعمالهم وأعمارهم بل والبلاد التي ساحوا فيها، يلتقون على خطٍّ واحد من شعور الاغتراب والتِيه وغياب الاستقرار؛ النفسي والمكانيّ. يتشاركون ضيق الحال وتسلّط الأمراض والعيش على الكَفاف والنهايات البائسة. نرى في قصة "أبو وردة" مآل البطل المفجع بعد فقدانه كل شيء:
"استأذن بالانصراف.
إلى الشارع، مقبرة المخيم. اختار عَتمة بجانب السور، بلا مُدمنين. تبول، تكوّر وغفا."
ويشاركه المصير نفسه "الإسكافي نبيل":
"يرتجف وتخرج أصابع يده اليمنى كمشة ملبّس حامض حلو.
أصابه ألمٌ حاد في الصدر. تردد ثم اتصل بأحد تجار القوالب؛ صديقه.
أخذه إلى المستشفى. نبيل فارق الحياة".
حرص الكاتب على تفصيل ملامح أبطاله الشكلية، في الوقت الذي أوجز فيه الحديث عن أي معلومات أخرى تخصهم؛ فنجده ينطلق في كل قصة من مشهدٍ حاضر كأننا نصادف البطل عيانًا فلا يعلق بأذهاننا إلا ما يعلق بها عند لقاء العابرين الذين نتيقن من صفاتهم الشكلية ويغيب عنّا عمق ما وراءها من حياةٍ وتشابكات.. هكذا في كل القصص نمرّ بحيوات الشخوص مرورًا سريعًا يتباين بين الطول والقِصر، كجزء من مشهد بدأ قبل أن نقرأ وسيستمر بعد الختام، قبل أن ننتقل منه إلى مشهدٍ آخر في حياةٍ جديدة وهكذا دواليك. أضفى "اقتصاص" المشاهد والوتيرة السريعة، واقعيّة مميزة على القصص وغلّفها بهالة من شعور الاقتراب والاغتراب في الآن ذاته.
تنقّل الكاتب في قصصه بين مستويين من الاغتراب؛ الحِسّي بمشاهدَ لأبطاله في بلاد الغربة؛ العربية والغربية.
"عراة، نحن عراة، نراقب السعادة، تتخطانا ونحاول أن نلتصق بها.
السافِريّة، عُقبة جبر، عمّان، دمشق، موسكو، الجزائر ثم عمّان."
وبين الاغتراب النفسي، بالحديث الداخلي للأبطال وخيالاتهم وتداعيهم النفسي.
"أمشي، أمشي، أتوقف، أنظر حولي متأملًا، ثم أواصل السير.
حينما شعرتُ أن الطريق مغلق، أُغيّر.
سيرًا عبر منعطف، ثم أواصل السير.
كوابيس وانسداد و.. و.. و..
وفئران.. فئران القلق، تسرع، لمَ لا؟!".
ليضفي بذلك شعورًا عامًّا بطغيان الغُربة على النَص.
تكررت في القصص لفظتا "المخيم" و"السوق"، وكأنهما بطلين خفيين في كل القصص. هذا التكرار الرنّان شيّد إطارًا حول الصورة الكاملة لمتن الكتاب؛ فهؤلاء الأبطال جميعًا يعيشون حيواتهم بين حنين وذكريات تمثّلت في "المخيم"، ومساعي الرزق وضيق ذات اليد المتمثلة في "السوق".
تميّز أسلوب الكاتب بالإيجاز الشديد والحذف وغياب الربط بين الجمل، فتحضُر كل جملة في نصّه مستقلّة بادئة تستأثر بمعنى منفرد، قد ينشئ القارئ بينها وبين غيرها الروابط اجتهادًا لكنّها تظلّ تحمل ذلك الشعور من الفرديّة، بما يعزّز أحاسيس التِيه والانفصال المسيطرة على معاني القصص. فكأن حتى كلماته تعيش غربة عن بعضها بعضًا.
