«العذراءُ هاربةٌ من هيرودس» لجمال سلسع
صدر عن مكتبة كل شئ في حيفا الديوان الشعري الجديد بعنوان "العذراءُ هاربةٌ من هيرودس" لوحة الغلاف من الفنان مرقص سلسع
حيث يستحضر الشاعر التاريخ والتراث كما عودنا دائما، جاعلا منه المعادل الموضوعي لتجربته الشعرية، معمقا الاحساس الذاتي للواقع الذي يعيشه. إذ جعل من العذراء دلالة شعرية، بابعاد تحمل معاناة الشعب الفلسطيني، أمام ظلم ينتزع منه انسانيته وتاريخه ووجوده، مجسداً كل ألوان العذاب والخداع والخيانة، وهي تبحث وتقاوم من أجل مفاهيم حقها التاريخي والحضاري . ديوان شعري مفتوح على الجرح والهم والحلم الفلسطيني، في مواجهة الموت والابادة.إذ قتل هيرودس كل أطفال بيت لحم ، وهو يبحث عن الطفل يسوع من أجل قتله، ﻷنه يحمل بشارة السلام والمحبة، كما هوالحال في فلسطين وخاصة قطاع غزة. فأعطى لهذا الاستحضار الديني، كل الابعاد والدلالات التي تحمل الألم والمعاناة، في مقابل الحق والحرية. فيعرج على كل الوان المواقف التي يتعرض لها. يجسد بألم واستغراب مواقف العروبة، التي تصل حد الخيانة فيقول:-
"والصمت في قصر العروبة كالخيانة" –"اوقفت زحف الجحافل"
ويبحث عن اسباب الهزيمة، التي يعيشها عالمنا العربي، متدثرا ثياب الصمت. في صور شعرية موحية، توقظ الضميرالعربي الصامت ، الذي كان يمتطي صهيل الجبال، واليوم يعيش مهزلة الخنوع، فيصيح ألماً وهو يقول :-
"تركتُ مشاعري فوق الجبال"-"تصيحُ"_" في فمها الهزيمة"- "والصهيلُ ينام في أفق الصمت"
حيث تلاشت من العروبة مواقف النسر البطولية. وبين هذه المواقف الموجعة، التي لا يزال الشاعر يرفضها، ﻷنه يُشكل لون اسمه، بالسنابل والصهيل وصيحة القدس. واذا جاء الى الحياة فارغَ اليدينِ والشجر، فانه سيمضي شهيدا، وفي يديه اسمه... دمه والقمر. حيث استخدمها شعريا باحساس وجداني يلامس حواف روحه وألمه، في صورة فريدة فيقول:_
أتيت من حشاك أمي
فارغ اليدين والشجر
وانا أعود الى الله
وفي يدي أسمي
دمي والقمر
وفي حيرته وقلقه ومواجعه، يلتجئ الشاعر الى روح والده، الذي علمهُ معاني القدس والنضال، يسأل عنه،وما كفَّ قلبه عن شوق اللقاءِ، في حين يد والده ما كفَّت عن همي السحاب مستنجدا، لعلَّ الزمن الجميل يعود. وتدفعه مواجعه الى تذكير العروبة بالمواقف الفلسطينية، التي ساهمت في الدفاع عن العروبة، وشاركت في نهضتها الاقتصادية والعلمية، واليوم تخون العروبة هذا التاريخ يقول الشاعر:- " أنا أخرجت اسمك من غياهب طعنتي"-
"وصعدت فيك"_ "من الظلام الى النهار"-"فكيف تشعلني بنيران النفاقِ"-"واسمي أَطفأ فيك نيران الحريق".
في صور شعرية تتعالى بالشهامة، وترتقي حديقة الابداع، وتمتطي نهج المفارقة الشعرية.
وﻻ زال الصمت هو الرد المؤلم على الابادة والدمار والدماء، فيحمل كلماته الشعرية الى بوابة الشمس، لعلَّ الصمت يفتح نافذة الحقيقة، أمام أَسئلة الواقع المؤلم، المنعوفة على جدران الهزيمة، وكلماته الشعرية تتنفس بين يديه الهروب المؤلم، فتشده المواجع المثقلة بهموم الأرض، تحمل أَسئلة تفجِّر المعاني الوجدانية، في صور شعرية مذاقها الابداع والتميز، تقوده الى صحوة التاريخ والنهوض من هذه المهزلة. يقول الشعر:-
"هل تعرف لون مذاقك"-"هل شمَّ اﻻه بدمع الأرض؟"-"وهل لوَّن صوت الدم الصارخ"- في صحراء جبينك؟".
صور شعرية ترتقي بالمشهد الثقافي الفلسطيني، وتعتلي قمة الابداع والتميز. ويواصل قائلا:-" هل سكنت روحك"-"صرخةُ طفل يستجدي ذراعك؟".
ولسان حال الشاعر المفجوع من واقع غزة، يصرخ ويدق الاحساس والمذاق الذي تلاشى عن النخوة والانسانية والوفاء.
وتتولى كل قصيدة بصور شعرية جديدة ومبتكرة، تحمل جمالية الكلمة والحرف والبعد الشعري، بدلالات خصبة ايحائية، تقدس دم الشهيد، الذي سيكتب التاريخ فوق مقابر الغزاة. يقول الشاعر:-"
ففي دمائنا مشية الصباح"-"تكسر الفلول والطغاة"-"فتشت تاريخي"-"وجدت دم الشهيد"_"يكتب التاريخ"-"فوق مقابر الغزاة".
ويستمر الشاعر في ابتكار صور شعرية ايحائية، تحمل دلالات متميزة ومختلفة عن الصور السابقة، مؤكدا قدرته على الابتكار والابداع والتميز. فالقصيدة في روح الشاعر ترفض ان تبقى دمعة تضيؤها الكتب، ﻷنها ملح من الغضب، حروفها جراح دامية، سياطها يجلد مذلة العرب، فالكلمات مثقلة بالهموم والدلالات، ترتقي جمالية المعاني، التي تحمل صهوة الصهيل. يقول الشاعر"-"قصيدتي ملح"_"حروفها جراح"_" كيف ﻻ تدمي مذلة العرب"_" فهل سأَبقى دمعة"_"على حروف قصيدى"_"تضيؤها الكتب؟".
ويعود الشاعر مستنجدا بوالده (الزمن الجميل)، ﻷنه ما زال يعيش الهزيمة، مجسدا هذا الموقف في صور شعرية متجددة في الايحاء والتميز، وهي تلامس حواف الوجع والقلب. فيقول:_" ودمي يلامس رغوة الصهيل"_" والباب خلف الباب"_" ما فتح النوافذ للصباح"_" فكيف ينتهي من العروبة النخيل؟"_
"وكأن تاريخ العروبة خدعة".
وﻻ يزال الشاعر في همه الوطني، يحضن مجاعة الطفل ، وفي يديه فراغ العروبة، ويقبل رأس الأم وعلى الشفاه صرخة الضمير، والدماء تنزف والحطام يدفنهما، والحياة تبحث عن نجاتها، ودمعة الرغيف في الفم يدوسها الرصاص،( ومسيلمة) الكذوب يجول بيننا، وسيوف (خالد) في اغتراب، (وصلاح) يلهو بالصهيل، والعرب يقدمون السم، والقدس تعيش مأساة غزة، وهي في مأساتها تتألم، وﻻ ترى جوابا لسؤالها الموجع. يقول الشاعر:_" والقدس تسأل ﻻ ترى الجواب"_" كيف سيكتب الجواب؟"_" كيف؟"_"وسيف خالد يغيب"_"هبة الصهيل تلهو"_" في يد صلاح".
وقد جسدها الشاعر في صور شعرية، تهز الوجدان والضمير، وتلامس مشارف اللوعة والغضب، وترسم كل دمعة تنادي، وكل لهفة غارقة في دمها، وخاصة يجول بيننا ( مسيلمة) الكذوب. وهو استحضار تاريخي خلق المعادل الموضوعي لتجربة الشاعر، مع العروبة وموقفها من القضية الفلسطينية، التي تجسدها العذراء. ونرى الشاعر في لوحة شعرية تنبض بصوت الأرض، وكلمة التاريخ، ودم الشهيد. في طار شعري يحمل انسانية الانسان، ويبوح برؤى الانجيل والقرآن، مؤكدا على دمه الفلسطيني، الذي جبل الأرض بدمه، فناداه التاريخ المذبوح على جدران الصمت.
فيسأل كيف يستغرب الجلاد، عندما يمتطي دمي الطوفان، ولم يتبق حتى وجع الاكفان؟ يقول الشاعر:_"هل تدرك أني انسان"_" يحمل نور الله بقلبه"_" في يده الايمان"_" ودمي جبل الأرض بتاريخي"_" والتاريخ ينادي"_" لم يتبق إلا وجع الاكفان".
وينهي قصيدته بلوحة شعرية تتفوق على ذاتها بجمالية النص، ودلالات المعنى المقطوف من الموت، نحو الخلود ونشيد الحياة. يقول الشاعر:-" وأنا أبقى رغم الموت"_" نشيد حياة"_" تنقش خارطتي"_" ما بين البحر"_" وبين النهر"_" كأَيقونة آذان".
هو الاصرار الوجودي لدى الشاعر ان الأرض تبقى لنا كأيقونة آذان، ﻷن الأرض لنا والتاريخ معنا.
والشاعر في مواقفه هذه يفجر حقيقة شعرية أدبية، تحمل جمالية الصورة، وايحائية الدلالات، وهو يعيش مواجع الحقيقة، في حوار ما بين الشاعر والأرض، التي تناديه للنهوض والمقاومة، فالأرض تمشي مثل الجنازة، منكسرة مدمرة من الحرائق والابادة، حيث يكشف الشاعر عن اسباب عجزه، المعلق على غبار نكسة الصباح، فقد سقط من يده الصهيل، الذي قاده الى الرحيل، وبناء خيمة جديدة، لغياب المقاومة والكفاح. والشاعر يتساءل متوجعا، كيف اختفى وجه النضال؟ مؤكدا ان الشمس قد بدأت خطاها من خطانا، مما أوحى للعذراء الرجوع الى الشمس، في لوحة شعرية تشعل الانسان الفلسطيني بعظمة تاريخه، وتجبل فيه قمم النسور. يقول الشاعر:_"أَننسى أن الشمس قد بدأت خطاها"_" من خطانا"_"والشمس ﻻ ﻻ تكتب التاريخ"_"إﻷَّ من خطا دم"_" تدثره الرماح".
وتبقى جنين تمشي نحو بحارها، وهي تلملم الصباح من فراشة الدماء، وتلبس جمرها. فم ن سيوقف قمحها؟ وعلى نداء كل سنبل، دم الشهيد يشعل التراب.
نص شعري يوحي بأن الكتابة لغة تتفوق على ذاتها، حين تواجه الرصاصة والدمار.
وتبقى غزة (العذراء) صحونها فارغة تصيح، وهي ترنو لحياة تهمس في اذن الله دموع البيت، فنرى الدموع تتساقط بين الكلمات الشعرية، وهي مختنقة الانفاس، تبحث عن ذاتها، يحرقها الصمت العربي. يقول الشاعر:_"ما زلت أجوع"_" وجوعي أَتعبني"_" تعبي يحرقه صمت الوقت".
ولا تزال تبحث عن أجوبة لهذه الابادة، التي يقابلها صمت عربي ذليل، ولا ترى جمراً لجواب، فتبقى اﻷسئلة تحترق في فمها، وهي تنزف خيانة عربية عارية من رجولتها. يقول الشاعر:_"سيسأل التاريخ"_"كيف تكسر السؤال"_" بين يدي هذه الأرض أوجاعا؟"_" فلا تقل كتبت رجولة"_" وما كتبت يداك للثرى"_" جمر الجواب".
ويستمر الشاعر في صوره الشعرية المبدعة، يتحسس مواجع غزة (العذراء)، وهو يلامس شغاف قلبها المتعطش للحياة، ولا تجد من يصغي لدموعها. يقول الشاعر:-"لم...لم نعد نصغي لزنبق"_"دموعه توجع استغاثة"_"من الحرائق"_" لم...لم نعد نرى عيون طفلة"_" تعيش أَشلاء النداء"_" وصوتها يضيع دمعة"_"تكسرت على صمت البنادق".
وما يحزن الشاعر من شعارات تتألم من أجل غزة، وﻻ تحمل لها بشارة او نجمة او قمرا، مؤكدا ان هذا الحب الفارغ من زعتره سيدمر الأرض، ويطوي تاريخنا. يقول الشاعر:_"ولماذا تتذمر؟"_"هل نبتت بين يديك غصون الزعتر؟"_" ما دام فراغ يديك يفرُّ ويطوي"_"صوت الأرض"_" سيطوي تاريخك يتكسر".
ويستمر الشاعر في تجديد صوره الشعرية، وتلوينها بالواقع الذي تعيشه غزة ( العذراء)، مجسدا جزيئيات حياتها اليومية، متكئاً على الدمار والدماء والدموع، مجسدا حقيقة الابادة، وفي ذات الوقت يحمل جمالية النص الابداعي، الذي يتمسك ببوصلة الشمس، رغم المقصلة والموت، مستحضراً الجلجلة كميراث ديني مسيحي، جاعلا منها المعادل الموضوعي لتجربته الشعرية. يقول الشاعر:_"هي الجلجلة"_"إذا أَخذت منك أُمي"_" دمي مقصلة"_" فما أَخذت من دمي البوصلة".
في مفارقة شعرية ترتقي درجات التميز.
ويعود الشاعر وهو في ذهول مواجعه، باحثا عن نافذة الخلاص من هذه الابادة، فيلتقي بمدينته بيت ساحور، مدينة العصيان الضرائبي، التي يعتبرها بوابة الشمس، التي تعلم الخيول طريقها، لعل حضورها يشعل حضور العصيان في مدن فلسطين، فتكون الراية التي تنتصر، وتحمل خطا العصيان دربا للصباح. يقول الشاعر:_" هي بوابة الشمس التي رضعت سواقيها"_"صهيل الخيل يشعلها الكفاح"_" هي العصيان علمت الخيول طريقها"_ "فتوقدت طرق المدينة بالحجارة والرماح"_"فمدينتي حملت خطا العصيان درباً للصباح".
فجعل الشاعر من اللغة الشعرية، لغة ايحائية وجدانية جميلة، استطاع من خلالها توظيف المعاني والالفاظ والرموز، بطريقة عذبة. ، فهي بوابة الشمس التي حليبها الصهيل والكفاح، وهي التي علمت الخيول طريق العصيان والحجارة والرماح.
ولا زال الشاعر يبحث عن أسباب الابادة، فيعود مرة أخرى الى استحضار الجلجلة، كمعادل موضوعي لتجربته الشعرية، فهي تسير بيننا حاملة القتل والدمار، لكنه أَعطاها أسم "جلجلة الشمس". أنظر الى هذه المفارقة اللغوية، حيث جمع التناقض بين الجلجلة، التي تجسد الليل والموت، وبين الشمس التي تجسد الصباح والانتصار، فتبوح منها دلالة ابداعية ايحائية، بأَن الشمس تولد من رحم الجلجلة، فقط تريد من يهزَّ الجلجلة بالحجارة والمقلاع، فلماذا غابت عن الحدث الشعري المقاوم؟. يقول الشاعر:_"جلجلة الشمس تسير اليك"_" وﻻ تقبل غير حجارة مقلاع"_" تفتح باب الصبح". والسبب الثاني الذي يراه الشاعر هو نسيان الهدف الوطني، والبحث عن المصالح الذاتية. يقول الشاعر:-" ﻻ تبحث عن ذاتك مجدا"_" في وجع يمشي... يبحث"_"عن مجد القمح". فهذه الصورة الشعرية استطاعت أن تشد القارئ ليرى التناقض، ما بين من يبحث عن ذاته، وينسى البحث عن انقاذ الوطن من المجاعة، فينكسر حلم الوطن، في حين تتورد القصيدة بصور شعرية عمقت التأثير الوجداني لهذه التجربة. ويكشف الشاعر عن السبب الثالث للهزيمة، وهو التردد عن مواجهة الجلجلة، وعدم اقتحامها، من خلال اشعال الجرح بالهمة والتمرد على الواقع المعاش، حيث جسدها بدلالة" وتنثر فوق الجرح الملح"، هذا الذي يسقط ذلَّ الذبح، كما يقول الشاعر:_" إذا لم تخطو جلجلة الشمس"_"وتنثر فوق الجرح الملح"_" كيف ستقطف زيتونك"_" إن لم تمش في جلجلة الوقت""_"وتسقط ذلَّ الذبح".
أما السبب الرابع للهزيمة فهو الخيانة، حيث تم استحضار يهوذا الخائن، جاعلا منه المعادل الموضوعي لتجربته الشعرية. يقول الشاعر:_" من يتعفر في مال يهوذا"_" ﻻ يملك غير غبار القدح".
أما السبب الخامس يتمثل في من ﻻ يهمه، سوى من يبحث عن منصب أو وظيفة، وﻻ يهمه دموع الوطن. يقول الشاعر:_" من يحمل شهوة منصب"_" كيف سيحمل بين يديه"_" صهيل الرمح"؟.
وﻻ ينسى الشاعر السبب اﻷهم ، الذي عجز عن وقف الابادة والدمار، وهو صمت العروبة أمام آلاف الشهداء، من الاطفال والنساء والشيوخ. يقول الشاعر:_" أُودع كل يوم"_"ألف ألف سحابة"_" تمشي على شفتيها"_" أَوجاع العتاب".
ويستمر الشاعر قائلا:_"كأَنَّ دم العروبة ماء صمت"_" قد تجرد من ضمير سحابة".
استطاعت هذه الصور الشعرية، مخاطبة المشاعر بلغة وجدانية ايحائية، جمعت ما بين دم العروبة الصامت وتجرده من ضمير الشهداء.
وطرح الشاعر في صوره الشعرية، مفهوما عميقا وهاما عن دور اليقظة في معركة الحياة، فيها روح الابتكار والتجديد، حيث أَعطى لها ابعادا وصورا شعرية، بدلالات متفردة.
يقول الشاعر:_" ان لم تنهض"_" يقظة تاريخ"_" تنقش ساعدك المهزوم"_" بلون الشمس".
أنظر الى هذه الصورة الشعرية المبتكرة، فاليقظة تاريخ يلون الساعد المهزوم بلون الشمس.
ثم يقول:_"إن لم تعشق لون حياتك"_" مثل قداسة أرضك"_"كيف سينهض فيك عظيما"_"يتذوق عشق القدس"؟.
فاليقظة تقول إن قداسة المواقف وعشق الحياة،مثلَ قداسة الأرض. صور شعرية مبتكرة، تعلو قمة الابداع والتميز، مؤكدة أن الصمت أمام ذئاب المرحلة، يطفئ يقظة الروح المتوردة، للدفاع عن الوطن. يقول الشاعر:_"الصمت أَمام ذئاب الوقت"_" سيطفئُ"_"يقظة روح"_"أَودعها الله بقلبي"_" أَجمل غرس".
فالصمت في هذه المرحلة جريمة، ﻷنه يلاشي يقظة روح، اودعها الله بقلب الانسان. ويصر الشاعر على دور اليقظة، التي تجدد في الروح براكين المقاومة. فيقول:_"إن لم تمتلك اليقظة"_" كيف تجدد فيك"_" براكينَ النفس".
ويقدم لنا الشاعر فكرة شعرية أخرى لها أهمية كبرى كما اليقظة، وهي دور الاصغاء الذي يشعل نوافذ الوعي، وفي ذات الوقت فإن عدم الوعي يقتل دور الاصغاء. وفي الحقيقة فهذه الفكرة الشعرية الاخرى، هي فكرة مبتكرة متجددة، لم يسبق أن طرحها شاعر أَخر بهذا الوضوح. يقول الشاعر:_"كيف ستصغي لصوت الأرض؟"_"وكيف ستسمع أَنات البحر؟"_"ووعيك يلهو بين شعارات العفن"؟.
لقد نجح الشاعر في صياغة واقعه المعاش، صياغة شعرية جميلة مبتكرة، تلامس مواجع الوطن، وجراح الأرض وهموم الشعب.كما أَعطى للصور الشعرية اللون الدرامي، وصفة الصراع الشعري الجميل، والثنائية الضِّدية، ما بين الاصغاء وعدم الوعي. يقول الشاعر:_"ﻻ تتنازل عن إصغاء البوح بروحك"_"كي تسمع بوح الله بقلبك"_"تصغي ﻷنين الناي"_" وصوت الحجر". فأَعطى للقصيدة شمولية التجربة، وعمقها الانساني، من خلال هذه الصور الشعرية المبدعة.
إصغاء البوح بروحك ___ تسمع بوح الله___ تصغي ﻷنين الناي___ وصوت الحجر
وﻻ تزال الثنائية الضدية ما بين الاصغاء وعدم الوعي(بالبعد عن وجع الثمر)، تنمو داخل القصيدة، مجسدة رابطا شعريا جميلا، بين أجزاء القصيدة وتكاملها. يقول الشاعر:_"كيف سينهض في يدك القمح"؟_" وما زال الاصغاء بعيدا"_"عن وجع الثمر".
وﻻ تزال قصائد الديوان كملحمة شعرية جميلة، تتحسس شمولية التجربة وعمقها الانساني، فكشف لنا الشاعر عن أبعاد جديدة معاشة تلامس وجع الحقيقة، متسائلا عن حقيقة صوت الرعد في السماء، أَتمطر خيراً؟ أَم غير ذلك؟ فتبين أنها رعود الموت والدمار. يقول الشاعر:_"هل أَمطرت فينا السماء"_" فانتشى خطو الصهيل؟"_"أم الغيوم تلبدت بفراغها؟"_" فتكسرت من السواعد الخيول؟".
تساؤلات تحمل المفارقة الشعرية الجميلة، ما بين أنتشاء الصهيل
وانكسار الخيول. فيرى الحقيقة بأنها تهمي بالرصاص والموت والدمار. يقول الشاعر:_"ظننت أن هذه الرعود"_"تهمي بالمطر"_"ما كنت أدري"_" أنها من الرصاص"_"من القنابل"_" قد همت بالخطر".
ويتواصل نمو الحدث الشعري، فيكشف الشاعر عن اسباب هذه الرعود، الممطرة بالموت، مشيراً الى خيانة العروبة. فيقول:_" فعروبتي غرقى بوحل خيانة"_"وترتدي تاج الهزيمة"_"تجرع الكؤوس نخباً للغزاة".
فالعروبة تتآمر مع الغزة، ولا تكتفي بالصمت. ويتواصل نمو الحدث الشعري،رابطاً كل أَجزاء القصيدة، في وحدة شعرية متكاملة، طارحا نبوءة شعرية لما هو قادمٌ، من خلال اقتراب عدالة السماء. يقول الشاعر:_" عدالة السماء قادمة"_" وتجلد من يخون سلامها"_" فكل دمعة وجثة"_" تبوح أَمام محراب اﻵله".
.إن استخدام الالفاظ في الكلمات الشعرية، قد استطاعت التعبير بطلاقة وقدرة، كادت وهي تلامس حواف الاحداث، أن تنقش في الضمير الانساني حقيقة الابادة، وتتصدى لانكار الوجود الفلسطيني وتاريخه، اذ يؤكد الشاعر أن والده كان ينقش أحرف جده في مدينة القدس،وكان يرى وجه أمه بدم الأرض، ويسمع صوت التاريخ يلون خطو الشاعر، والأرض ﻻ تزال تنطق أَحرف جده. إن هذه القدرة الشعرية في الانتقال من موقف إلى اخر، ومن فكرة إلى أخرى كالفراشة، مؤكداً حقيقة التاريخ والوجود الفلسطيني، تدل على ابداع الشاعر وتميزه، خاصة وهو يؤكد في فكرة أخرى، بأن الأرض تبوح وتكتب إسمه، فوق جذور الثرى.
وتستمر الابادة، ويزداد الدمار والقتل، فيمتطي الشاعر مواقف جديدة، لها ابعادا ودلالات متميزة، إذ تحترق روحه بأَسئلة موجعة، أطلق عليها (سؤال المرحلة)، فالأرض تبوح بأوجاعها ولم يصغ لها أَحد، وكلمات النخوة تبيع بوح الأرض في سوق المذلة، ولا تصغي للدماء والشهداء ودموع الاطفال والامهات، والصحون فارغة تصيح، ، وﻻ تسمع سوى شعارات وخطابات جوفاء، ﻻ تحمل أَجوبة لسؤال المرحلة، وتعطي للخيانة (يهوذا) جوابا لهذه التساؤلات المؤلمة. أنظر كيف جسدها بأفكار وصور واشكال شعرية مختلفة. يقول الشاعر:_" كم أَوجعني بوح الأرض"_"لماذا لم يصغ أَحدٌ وجع الأسئلة؟"_" ما عدت أَرى كلمات الأرض"_"إلَّا في سوق الذل"_"تبيع البوح"_"وﻻ تصغي لدماء مهملة".
لا زال الشاعر المعجون بهموم وطنه ، يفتش عن أَسباب هذا الواقع المؤلم، بصور شعرية ايحائية وجدانية تهزُّ ضمير القارئ، محاولا صياغة واقعه المعاش، صياغة شعرية جميلة.، فيرى أننا لا ننظر الى عمق الواقع المعاش، إلَّا برؤية ضيقة ﻻ ترى المخاطر الحقيقية القادمة، فيهبُّ صارخا وهو يطالب بفتح نافذة الرؤيا، كي نرى أبعاد ما يجري من ابادة ومخاطر.
إذ يرى أن ما بين الرؤية القصيرة المدى، التي نعيشها في هذا الواقع المدمر، وما بين الرؤيا المبحرة والتي ترى أبعد مما يُرى، فتهبُّ صارخة في وجهك، الذي إنطفأت منه رؤيا عيونك. فيقول:_"كيف ترى وجع الأرض"_"عيونك تلهو"_"وتداعب قشر الرؤية"_"والرؤيا فيك تصيح".
وهكذا استطاع الشعر برؤاه الشعرية، وفي كل موقف من المواقف، أن يرى أسباب الهزيمة، واستمرار الصمت، والافكار المتخاذلة، فيطرح كيفية الانطلاق والتحرر، إذ يرى أن الشعب الفلسطيني وحده،على قمم الجبال يقاتل، وفي ذات الوقت يرى ان الندم الذي يشعله التخاذل، يتلاشى عند حمل السيف والترس. ما هي يقول الشاعر:_"ﻻ... ﻻ شيء يمسح أنَّة الندم"_"سوى إطلالة الترس". ويستمر قائلا:_"أنا وحدي على قمم الجبال"_" فدمي يدق اﻵن"_" ينقش لوحة الشمس".
ويرى في عيون طفله انطفاء أَسئلةٍ، تبحث عن أَجوبة لهذا الواقع المؤلم.
يقول الشاعر:_" أرى يمامة طفلي"_" في عينيها أَسئلةٌ"_" تطوف بحرقة البؤس"_" وﻻ يمشي جواب"_" في ندى عطش مواجعها"_" فلا لا شيء غير دمي"_" دمي يمشي"_" ويملؤ صيحة الكأس".
وهكذا يعلو الشاعر في ابداعه وهو يستخدم الفاظا وصورا شعرية تعانق جزيئيات حياتنا، وتلامس أنَّة القلب ودمعة العين، بدﻻﻻت وابعاد جديدة. ويعود الشاعر مستنجدا مرة أخرى بالعروبة، لعل وعسى أن تصحو من تخاذلها، فيصدمه الواقع، وهو ﻻ يرى سوى عسل اللسان والخيانة، فيجسدها في صور شعرية جديدة ومبتكرة، فيها لغة المفارقة والايحاء والاستحضار التراثي
يقول:_" ناديت كي أرى ضياء عروبتي"_" ما رأيت سوى الخديعة"_" تمشي في عسل اللسان"_" وترى العروبة فوق جرح الأرض"_" ترقص"_" في سواعدها مشى يهوذا"_"ينطق بالهوان".
مستحضراً يهوذا الاسخريوطي، جاعلا منه المعادل الموضوعي لتجربته الشعرية، معمقا الدلالات والابعاد المختلفة في هذا الاستحضار.
وتستمر تجربة الشاعر، الذي يرى في كل دم مسفوك وجه فلسطين، الملفوف بسؤال يتوجع، وفي عيونه العتاب على الخيانة والتخاذل، فجسدها بصور شعرية فائقة الوجدانية، وبدلالات ايحائية، وابعاد مختلفة. يقول الشاعر:_" ويكتبون لون تاريخي دما"_" على مواجع التراب"_" وكل حرف دمعة"_" وكل دمعة لها وجع الحساب"_" ويكتبون..."_"كل دمعة تصيح"_" ألف ألف حكاية مغسولة بأنينها"_" يمشي العتاب"_" وما أَتى أَحدٌ"_" وحده أتى الغياب"_" في كل صفحة دم"_" حمل الخيانة والعذاب".
يستمر الشاعر في تجربته وصوره الشعرية الفريدة، وبإحساسه الذي يلامس كل ذرة تراب تتوجع، وكل دم ينزف، وكل دمعة تسيل، وكل دمار يؤلم، وهو يكشف عن نبوءة شعرية قادمة. يقول:_"إن لم تدرك"_"كيف سيبني الطفل"_" طريق الشمس؟"_"لن تعرف كيف سيقطف حجر الأرض"_" ورود الصبح"؟. ويقول:_" إن لم تعلم أن الأرض نبوءة عشق"_"لا تتنازل"_" عن جمر النفس"_" لن تفهم كيف سيسقط ليل"_" داس جرار القمح؟".
وﻻ يزال وجع الصمت يشعل الشاعر بالذهول والغضب، أمام محرقة وإبادة أوجعت السماء والأرض والضمير، وهو يبحث عن أَسباب أخرى لهذا الصمت، فيسأل بمرارة وألم ويقول:_" فهل تآمر علينا ظلنا؟"_" وبقي الصمت يلفنا في ظلمته!".
وهنا يستشف الشاعر حقيقة الواقع المؤلم، ويصور ويوضح كيفية الخروج من هذه المأساة، ﻷنَّ من رضع حليب هذه الأرض، تتوقد فيه ثقة التاريخ بحقه وانتمائه، فتشتعل فيه ثقة نخيل، يهزُّ صهيل حضورك واسمك وتاريخك، يزيل عنك جلجلة الصلب والابادة، ﻷن ثقة حضورك بأرض أجدادك، يكتب اسمك وتاريخك بلغة الفداء. اذ استخدم الشاعر، في التعبير لغة شعرية يتوفر فيها عمق الاحساس الشعري، في التعبير عن التجربة الشعرية والنضالية التي يعيشها الشاعر. يقول:_" ثقةُ المكان بأرض جدك"_" مثل طوفان سيكتب إسم أرضك"_" فالفداء يقودها"_" كما يقود الرعد لهفة السحاب".
ويعصره اﻷلم في وقفة احتجاج، أمام سوق الشعب في مدينة بيت ساحور، وكان الحضور هزيلا، فيصرخ متوجعا:_" أين من نقشوا في لغتي العصيان الضرائبي"_" أين من خطفوا من الليل"_" قمر اﻷرض؟"_" والعلم في يدي"_" يئنُّ من الغياب"!.
في النهاية نستطيع القول أن هذا الديوان الشعري، له خصوصية فريدة في استحضار الموروث الثقافي، إذ يعتبر من أكثر الشعراء الفلسطينيين والعرب استحضاراً له. كما أعطى لاستحضار ( العذراء) و ( هيرودس)، لوحة حقيقية لما يعانيه شعبنا، كما استطاع أن يعيش جزيئيات الحياة اليومة، التي يعيشها شعبنا، ويجسدها في رؤى وافكار شعرية، كاشفا عن كل ألوان الابادة واسبابها، وما يلازمها من صمت مريب. كما استخدم صوراً شعرية جديدة ومبتكرة، واستخدم ألفاظاً ومعان جديدة، فيها من الايحاء والدﻻﻻت الشيء الكثير. متال على ذلك:_" صحوني فارغة تصيح"- "في فمي دمعة الرغيف يغتالها الرصاص"_"مجد القمح"_"مثل دموع الارملة"_"في سوق الذل تبيع البوح"_"حجارة البيت غارقة في دمها"_" ينقش لوحة الشمس"_" وحده أتى الغياب"_"يداعب قشرة الرؤية"_" أحس نداء ذبحي" " تنقش خارطتي"" ما بين البحر وبين النهر""كأيقونة آذان" وغيرها الكثير الكثير.
ويعتبر هذا الديوان الشعري، وثيقة ثقافية تاريخية، ترتقي سلم الابداع والتميز.

