الأحد ٢٢ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم موسى نجيب موسى

اللحاد

بعد أن رش الماء فوق سقف المقبرة التي سكنت لتوها تلفت حوله يتأمل وجوه المعزين والمعزيات وتتسرب إلى أذنيه كلمات لم يمل من سماعها طوال سنوات كثيرة قضاها في هذا المكان.. كان يجري هارباً من ماذا؟ لا يدري...!! نفس الموقف.. منذ زمن... وتكاد تكون نفس الوجوه ولكن ليس نفس المكان.. الجسد المسجي لأمه وصورة أبيه القاسية لم تبرح مخيلته بعد. لم يكن يعرف وقتها هل يحزن على فراق أمه التي أحبها كثيراً؟! أم يفرح لانعتاقها من سجن أبيه وسوطه وتعذيبه الكثير لها.. اختلطت مشاعره، فلم يتبق شيئاً سوى صورة ملائكية لأمه بوجهها النوراني وجناحين أكثر بياضاً يكاد من ينظر إليها أن يفقد بصره.. أمنية متجددة تداعب خياله بعد أن أودع الجسد البض لفتاة شابه ماتت منتحرة حزناً على هجر حبيب لها.. هكذا فسر الكلام الذي وصل إلى أذنيه من نميمة المعزين والمعزيات المعتادة.. تعود هو على ذلك منذ أن ذاق طعم الجسد البارد مع زوجة أبيه التي فارقت الحياة بعد تعذيبه سنوات خمس، وعندما ذهب أبوه لكي يعد "خارجتها" انتقم منها بذلك الفعل الذي أدخل على نفسه البهجة حيث أنها أول مرة ينتصر فيها عليها، وحتى لو كانت بلا إرادة وبلا نفس يتأرجح به صدرها الرجراج الذي كاد أن يخنقه في إحدى مرات هبوطها عليه لتضربه بعنف مثلها اعتادت منذ أن وطئت قدمها منزلهم لتقهرهم وتقهر أمهم المستسلمة.. ماتت أمه في إحدى مرات تعذيب أبيه لها ولكن قبل أن تسكن العالم الآخر لم تنس أن تلقى بأخر حفنة كرم في جعبتها لإنقاذ القاسي من حبل المشنقة، فقد أدلت في سجلات التحقيق الرسمي بأن يديها المرتعشة تسببت في سقوط الماء الساخن على جسدها ولم تكن يدها بل يد القاسي الذي لم يرحهما يوماً، وهي رحمته كل الأيام.وقتها نظر إليها وكيل النيابة -المسئول عن التحقيق في الحادث- بإعجاب شديد لأنه كان يعلم حقيقة الأب القاسي من كثرة مخالفاته القانونية التي تراكمت أمامه وكان هو المحقق الوحيد فيها...أرخت محاضر البوليس لطبيعة هذه العلاقة الغربية بين أمه وأبيه.. وفي آخر فصول المأساة ربت وكيل النيابة على يد أمه الحانية وقال لها وهو يودعها:-

يا أمي نامي الآن في سلام فلن يزعجك أحد بعد الآن.

تحققت نبوءة وكيل النيابة سريعاً فبمجرد أن أوصد باب حجرتها في المستشفى خلفه حتى استقلت روح أمه أول مكوك صاعد إلى السماء لتسكن الراحة العظمى.. بكاها الجميع هو وأخوته وكثير من الجيران الذين كانوا يتألمون لها إلا واحداً فقط لم يشأ أن يذرف عليها دمعة واحدة من مقلتي أبيه المتحجرة بل كانت هناك لمحة فرح تتراقص بين حدقتيه.. انتبه على صوت أخر المعزين وهو يصافح أهل المتوفاة ويسكب في أذنهم عظيم أسفه وخالص تعازيه للفقيدة الشابة.. ضحك في داخله فلم يكن هناك شئ ذات أهمية في حياته بعد رحيل أمه.. عاد حلم مضاجعة المتوفاة يراوده من جديد وخاصة أن عزرائيل ضن عليه لفترة طويلة بمثل هذا الجسد الأبيض الممشوق لدرجة أنه ذات مرة حاول أن يطفئ ذلك اللهب الذي يشتعل داخل جسده حلما تم دفن أنثى مع عجوز في الثمانين من عمرها.. النهار قارب على الرحيل من هذه الدنيا والليل يزحف على أطراف قدميه ليغرق المقابر في سواده القاتم.. تتابعت ضربات يد الرجل العجوز الواهنة على كتفه وسمع صوته الواهن حينما قال له:-

أدخل الآن استرح قليلاً لربما يأتينا طارئ.. وتذكر دائماً أننا لابد أن نكون جاهزين دائماً ؛ فإكرام الميت دفنه.

نظر إلى الرجل العجوز/ الحاني الذي احتضنه ذات يوم وأوجد له المأوى ولقمة العيش. ذلك الشيخ الذي أقعدته الشيخوخة والمرض وجعلته غير قادر على مواصلة عمله الذي يحبه فصار له الذراع الأيمن في كل شئ.. أكتفي بهذه النظرة فقط ولم يشأ أن يحدثه في شئ. في الصباح الباكر من كل يوم (يزغده) أبوه في صدره بمؤخرة مقود العربة "الكارو" التي يمتلكها... يستيقظ وبقايا النوم مازالت عالقة بأهداب عينيه.. فمه يعلن عن اعتراضه بكثرة التثاؤب.. يحاول من بين لعناته الكثير التي يصبها على أبيه أن يطعم الحمار ويسقيه ويضعه في المكان المخصص له في مقدمة العربة ممنياً نفسه بالعودة سريعاً لاستكمال نومه.. يخرج بالعربة إلى زحام الشوارع ولعنات سائقي السيارات ولعنات بعض الزبائن عندما يطلب أجرته ويصر عليها و تكون أزيد مما يقدرونه هم كمقابل لعمله الشاق لا يرتاح إلا عندما يطالع وجه عم "نادي أبو موسى" صاحب مطعم الفلافل الذي يبتاع منه رغيفاً وقرصين من الطعمية الساخنة يفركهما داخل الرغيف ثم يلتهمه في سرعة عجيبة بعد ذلك يذهب إلى تعريشة "أم رجب" يحتسى كوباً من الشاي المغلي ومعه يدخن "الجوزة" في استمتاع غريب ثم يمدد جسده الواهن ساعة العصرية فوق عربته التي يركنها أسفل إحدى الأشجار القريبة من مؤسسة بيع السلع الغذائية بالجملة..يظل نائماً حتى يوقظه أحد الزبائن سمجي الطلعة لكي يقوم بتوصيل طلباته إلى المكان الذي يريده... بعد ذلك يعود إلى المنزل.. يحاول أن يودع شقاء اليوم وتعبه في قلب "الطشت" المليء بالماء الدافئ لكن يد أبيه المعروقة تفسد عليه إتمام طقوسه اليومية المقدسة،كذلك قلة حمد أبوه لربنا ولخيره الذي رزقه به، فأبيه دائم السؤال عن النقود وكم جمع منها.. وكم انفق.. ويا ويله لو أخبر أبيه أحد أنه ضبطه في مطعم "على أبو هاشم" يأكل اللحمة أو حتى يأكل خضاراً(قرديحى) فقط.. يكون يومه أسود من قرن الخروب...

بعد أن يأخذ دش أبوه الساخن يجده فجأة يهزه من كتفه بعد أن يشم رائحة فمه الغارق في دخان "الجوزة" ويقول له:-

ولا يهمك... أنني أريدك رجلاً.

يسمع كلمات أبيه على استحياء ثم يذهب لكي يلعب قليلاً مع أقرانه في الشارع لكن لا يلبث أن يجلد صوت أبيه أذنيه لكي يحثه على ضرورة نومه في الحال حتى يستعد للعمل في اليوم التالي.. اقترب منه رجل من أصحاب الجنازة ومد يده له بورقة مالية لمع طرفها في عينيه قبل أن يطويها في "سيالته" دعا لصاحب العزاء بطيلة العمر والبقية في حياته وحياة أولاده..

كلمات تدرب عليها كثيراً وحفظها جيداً.. نظر إليه الرجل الوقور نظرات طويلة ثم أنصرف ومعه باقي المعزين. دخل فرحاً للرجل العجوز يزف له بشرى حصوله على مبلغ كبير من (البيه)، وأنهما سوف يشتريا اللحمة والخضار وقليل من النبيذ الذي يفضله..

ابتسم في وجهه الرجل كعادته وكان ينظر له نظرات ذات معنى لديه ويقول له:-

ربنا يهديك ويصلح لك الحال.

يتعجب من كلمات العجوز ويقول بصوت يكاد يكون مسموعاً:-

يا تُرى ما الذي لا يعجبك فيّ حتى تدعو لي بالهداية؟

يرد عليه الشيخ العجوز ويقول له كلماته المعتادة:-

الذي في النفوس لا يعلمه إلا الله يا ابني، ومهنتنا هذه علمتنا أنه لا يوجد إلا حقيقة واحدة فقط في هذا الكون الزائل هي الموت.. الموت... هنا الصدق الحقيقي يا ولدي.

لماذا دائماً تقول لي هذا الكلام يا.. يا أبي؟

يرمقه الشيخ العجوز بنظرة من نظراته الحادة التي لا يستطيع أن يفهم منها شيئاً. يخرج مفكراً في كلام الشيخ له والذي لا يمل من قوله له وتكراره على أذنه ويجعله يعدد الأسباب والاحتمالات التي تجعل الشيخ يقول له هذا الكلام.

هل من الممكن أن يكون قد رآني مرة وأنا..؟

استبعد هذا الاحتمال فهو لا يقوم بفعلته إلا بعد أن يغط الشيخ في نومه العميق؛ فكيف له أن يراه؟ استراح أخيراً حين أهتدي إلى أن ما يقوله الشيخ مجرد حكمة علمته له طبيعة المهنة وطول السنين التي عاشها فيها. بعدها ذهب إلي السوق لكي يشتري طعامه المفضل.على السجادة الممزقة كانت نومته المفضلة دائماً فهذا أفضل مكان ينام عليه في البيت بعد الفراش الناعم المخصص لأبيه وزوجته.. فهو أفضل من أخوته الذين يفترشون الأرض في أحد أركان الحجرة الوحيدة التي هي كل منزلهم حتى الغطاء كان ينعم به هو عن باقي أخوته.. يفرح كثيراً لهذه المقارنة التي تأتي دائماً في صالحه. كان يبرر كل هذه المزايا التي يحظى بها بأنه رجل البيت وهو الذي ينفق عليه وليس أبيه السكير/ المدمن لذا يجب أن يستريح حتى يواصل العمل وجلب النقود ليظل البيت مفتوحاً.. بعد أن فرغا من تناول طعام العشاء الشهي الذي قام بطهيه كالعادة بنفسه شربا الشاي ثم ذهب الشيخ العجوز إلى المسجد الذي يرقد على بداية طريق المقابر لكي يصلي فرض العشاء وانفرد هو بنفسه مع "الجوزة" يدخنها بنهم شديد.. اشتد الإدمان بأبيه حتى أنه كان دائم الغياب عن الوعي لا يدري من يحدثه أو أين هو؟ وماذا يفعل؟ ضاقت زوجة أبيه بتلك الأفعال والحالة التي وصل إليها الأمر الذي جعلها تفتح بيت أبيه للآخرين فقد كان يرى بعيني رأسه الكثير من زملاء أبيه "العربجية" الكبار في الموقف يترددون على منزلهم في أوقات مختلفة من النهار والليل ويقومون بدور والده مع زوجة أبيه.. حتى "جمعة" الذي انتشله أبوه من التشرد والضياع وأواه في منزلهم و أغدق عليه من كرمه الفياض على آخرين فقط دونهم، كان يأخذ نصيب الأسد من جسد زوجة أبيه الفائر.. عاد الشيخ من صلاته.. بخطى ثقيلة وصوت واهن قال له:-
تصبح على خير.

دخل الشيخ لينام.. بعد أن ملأ أذنيه صوت شخير الشيخ المعتاد أتجه صوب المقبرة التي أسكنها هذا الصباح بجسد شهى، ثم أخذ يمارس هوايته الأثيرة قبل أن يشق نور الصباح ستار الليل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى