السبت ٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٧
بقلم سعيد محمد الجندوبي

النّعش

استفاقت حوريّة وأنفاسها تكاد تنحبس من هول الكابوس المرعب الّذي أقضّ مضجعها. كان جسمها يرتعش ويتصبّب عرقا.. لم يعاودها النوم، فمكثت في فراشها منتظرة انبلاج الصبح حتّى تُفضي بكابوسها إلى أمّها. هكذا تعوّدت منذ الصّبا..

رأت فيما يرى النّائم مجموعة من النّاس تحمل نعشا، وتمشي به وسط مكان قفر، وفجأة ثارت زوبعة تحمل رمالا حمراء كلون الدّم، تبعها تساقط رذاذ أحمر، سرعان ما لطّخ ملابس وعمائم الرّجال من أصحاب النّعش، في حين لم تلمس قطرة واحدة كفن الميّت المسجّى وسطهم. توقّف الرّجال، ووضعوا النّعش أرضا، ثمّ تحلّقوا حوله، فيما يشبه الدائرة، من دون أن ينبسوا بكلمة واحدة.. وما هي إلاّ دقائق معدودات حتّى انبرى الميّت واقفا. فقام أحد الرجال، وكان أكبرهم سنّا، وقد أضاءت وجهه لحية طويلة بيضاء، ففكّ رباط الكفن، وقفل راجعا إلى مكانه ليجلس من جديد.. تساقط الكفن أرضا، فإذا بها فتاة في مقتبل العمر، ارتدت فستانا أبيضا طويلا كفساتين العرائس والأميرات، في حين انساب شعرها الأسود الطويل المتموّج على كتفيها وعلى جزء من وجهها النّاصع البياض.. لم تكن ملامح الفتاة قاطعة الوضوح..

استعاذت الأمّ من الشيطان وتشهّدت ثمّ قالت لابنتها وهي تربّت على يدها المرتعشة: "فأل خير إن شاء الله.. هذا عرس.. ربّما عرسك أنت يا حوريّة.. فالأحلام تُؤوّل بالخلاف.."

المكان: مقبرة تكاد تكون مهجورة على مقربة من قرية صغيرة من القرى الجبليّة بشمال غرب تونس.

الزمان: شتاء سنة 1972.

انتهت مراسم الدّفن، وتفرّق الجمع الصّغير بعد أداء واجب العزاء لعائلة الميّت، في حين انشغل القرّاء في تقاسم أجرتهم بعد أن قاموا بمهمّتهم بكلّ مهنيّة. وضعوا النّعش الفارغ على ظهر الشاحنة الصّغيرة، وانطلقوا عبر طريق ترابي وعر، تتخلّله برك وأوحال شتاء الشمال القاسي.

تنفّس السّائق الصعداء حينما وطئت عجلات شاحنته إسفلت الطريق الرابط بين "عين دراهم" و"فرنانة" [1].. حمد الله على ابتعاده عن المسالك الترابيّة بأوحالها وحفرها، بدون عوائق ولا مكدّرات. قطع السّائق الصّمت متذمّرا:
  الله يهديهم! لماذا لم يدفنوه في مقبرة البلدة.. هناك في "فرنانة".. متحمّلين كلّ هذه المشقّة؟
  لقد كانت تلك رغبته، رحمة الله عليه.. أراد أن يُوارى الثّرى تحت سدرة "سيدي يحي" العتيقة، على مقربة من أهله.. جلّ أولاد "منَوِّرْ" يرقدون هناك..
  الله يرحمهم .. أجمعين..
خيّم الصمت من جديد.. وحدها "البيجو 403"، استرسلت في الشخير..

كانت الطريق في تلك المناطق الجبليّة صعبة المراس؛ فقد كانت كثيرة المنحدرات والمرتفعات، ملتوية، تعانق بلولبيّة صارمة الجبل، وتتلاعب بسالكها رفعا وخفضا إلى حدّ الغثيان. تكاد تلك الطريق الجبليّة تكون مغطّاة بسقف أخضر كثيف مما يغدق به شجر الصنوبر والفرنان من أغصان؛ وهذا ما يُكسبها صيفا رونقا وظلالا، وشتاءًا رهبة وانعدام أمان.

كلّ من يعرف تلك الطريق يتجنّب سلوكها بعد مغيب الشمس، لا سيّما خلال فصل الشّتاء حيث تُغرق بعض منحدراتها السّيول، وتنهال من بعض مرتفعاتها الصّخور؛ وقد تخترقها من حين لآخر الذّئاب والثّعالب والخنازير.. سكّان تلك المناطق المحاذية للطريق، هم أكثر من يخشاها؛ إذْ هم أخبر النّاس بخفاياها.. فكثيرا مل تناقلت الألسن، عبر الأجيال، أخبار ما يجري فيها ليلا من حين لآخر، والّذي لا تفسير له عندهم إلاّ بما اكتنف بعض مقاطعها من غموض ووحشة.. فالطريق تسكنها الأرواح.. أرواح من أكلتهم عبر السنين.
  ما أوحش هذه الطريق! قالها أحد القرّاء بعد أن تنهّد مردّدا الشهادتان.
أجابه الثّاني، وكأنّه خشي أن يزعج مثل هذا الكلام الأرواح والعفاريت، فتخرج من سباتها:
  اسكت يا هذا! اترك الرّجل يقود السيّارة.. لا تُربكه!
ضحك السّائق وشفتاه تمسكان بالسيجارة فترتعش بينهما وسط سحابة كثيفة من الدّخان الأبيض.. كان أصغرهم سنّا..
  دعه يحكي يا عمّ "رابح"..
غمزهُ الأوّل في إشارة استفزازيّة:
  بَيّكْ "رابح" معروف عنه الخوف.. إنّه يخشى حتّى من ظلّه!

خرج من القرية المعلّقة في الجبل منذ الصباح. كان متأكّدا من ملاقاة أحد معارفه من ذوي الشاحنات أو السيّارات، وهم في طريقهم إلى "فرنانة".. فالسّوق يُنصَبُ فيها بداية من بعد عصر السبت، لتشتدّ حركة البيع والشراء فيه طيلة يوم الأحد.. ولذلك سُمّيت البلدة أيضا بسوق الأحد.

لا يذكر "أبَيّْ صالح" أنّه تخلّف مرّة واحدة عن السّوق، ولو فعل لمات جوعا.. فهو كغيره من سكان تلك المناطق الغضّة فلاّح إسما.. هو لا يملك أرضا في ما عدى ربع الهكتار الذي أقام عليه "حوشه"، فوفّر له كلّ العناية، زارعا في جزء منه خضروات من بصل وجزر وبطاطس وغير ذلك، وفي الجزء الآخر ورق التّبغ لاستهلاكه الشخصي، وإن إلتجأ في أحيان كثيرة إلى بيع المحصول الضئيل. كانت له بقرة، وبعض خرفان وماعز ودواجن أيضا.. يرتاد سوق "فرنانة" مرّة في الأسبوع، لبيع ما جادت به دجاجاته من بيض، وفرخ أو زوج من الفراخ وبعض الخضروات.. ويعود وقد ملأ جرابه بالسّكّر والشّاي وقليل من الزيت والخميرة.. وهديّة لازمة لزوجته "حبيبة": قطعة قماش، مشط أو كيس من الحلوى.

ها هو الآن يصل إلى الطريق المعبّدة. توقّف قليلا، مسترجعا أنفاسه. أشعل سيجارة، ثمّ واصل السير، مبتعدا عن المنعرج ليقف بعد ذلك في مكان يمكنه منه رؤية السيّارات القادمة من جهة "عين دراهم". رفع رأسه إلى السّماء، فوجدها ملبّدة بالغيوم المنذرة بعاصفة وشيكة.. لم يزعجه ذلك.. وما الّذي سيزعج شيخا في السبعين من العمر عاش أهوال حربين عالميّتين. خلال "قيرّة 14" [2] كما كان يسمّي الحرب الكبرى، أخطأه الموت فأسره الألمان. تنقّل عبر المحتشدات، وفي الثّلوج وعلى جثث الموتى. لقد عاشر الموت لسنوات عدّة، لم يعد بعدها يخشى شيئا من أشياء الحياة..

أحسّ بقطرات باردة تبلّل وجهه ويداه. رفع رأسه من جديد متأمّلا السماء وقد استحالت رماديّتها إلى سواد مزمجر، تخترقه بين الفينة والأخرى أضواء برقيّة بعيدة. مشى خطوات نحو شجرة فرنان كبيرة، وارفة أغصانها.. لا يبدو على وجهه المشرب بالحُمرة والّذي اخترقته خطوط العمر لتتلاشى داخل لحية بيضاء، أثرا لقلق ما.. فمآسيه الماضية، والتي تشيب من هولها الولدان، وكذلك إيمانه الرّاسخ والبسيط أكسباه قوقعة صلبة، تنكسر عليها كلّ المشاعر واضطرابات النّفس.. بعد عودته من محتشدات الأسر الألمانيّة، تزوّج من ابنة عمّته "حبيبة"، وانخرط في حياة قرويّة رتيبة رتابة الفصول، لا ينغّصها من حين لآخر، إلاّ جفاف، أو جراد، أو مجاعة، أو وباء.. حياة رتيبة أنجبت له خلالها زوجته ولدان وبنت.

اشتدّ المطر.. تكوّنت بعض السيول الصغيرة حاملة معها عبر الإسفلت الرمادي ترابا أحمر اللّون.. في حين امتزجت رشقات المطر بزمجرة الرّعد لتشكّل سنفونيّة غاضبة، استشفّ "ابيّْ صالح" من خلالها شخير محرّك شاحنة لا يزال المنعرج يخفيها..

نجله أحمد، أعدمه الفرنسيّون في أحد سجونهم بالجزائر، بعيد مغادرة الألمان بانهزامهم؛ والثّاني، يوسف، جرفه النّزوح إلى العاصمة بعد الإستقلال، ليستقرّ ويتزوّج وينجب فيها.. "الأوّل أكلته فرنسا، والثاني أكلته تونس" هكذا كان يذكر ولديه.. أمّا ابنته، فلقد استقرّت مع زوجها في سهل "الريابنة"، حيث منازل أخوالها.

أخيرا أطلّت الشاحنة الصغيرة بأنفها المتآكل، الذي بات يتنازعه الصديد والأوحال.. كانت هذه الميكانيكا العجوز تتسلّق الطريق الجبليّة بعناء وتُؤدة. خرج "ابيّْ صالح" من مكمنه تحت الشّجرة، وأخذ يلوّح بكلتا يداه، صارخا بأعلى صوته:
  "آهاي.. آهاي.."

عرفه السّائق، بعد أن تبيّن بصعوبة ملامحه، فتوّقف على جانب الطريق. بعد التّسليم والسّؤال عن الأحوال، اتّخذ مكانه الى الخلف، بجانب النّعش الفارغ.. قال له أحد القرّاء بلؤم:
  "أُحرسْ لنا الميّت، حذاري من أن يفرّ!"
ابتسم "ابّيْ صالح" قائلا:
 "توكّلْ على الله.. لا مفرَّ له تحت هذه الأمطار!
وانطلقت الشّاحنة من جديد.

"ابيّْ صالح" ذو القلب الصخريّ، كصخور الجبال التي نبت بين أحضانها، فضّل التّمدّد داخل الصندوق الخشبي على أن تتبلّل ملابسه الصّوفيّة الخشنة.. "سوف أُغادره حين تكفّ الأمطار عن النّزول.."

غادرت حوريّة قرية "العراقيب"*، وهي واحدة من عشرات القرى الجبليّة المحاذية لطريق "عين دراهم"، بعد أن ودّعت أهلها وصاحباتها. كان عليها العودة إلى العاصمة بعد أسبوع إجازة تعلّلت للحصول عليه بمرض والدتها.. قبلت مشغّلتها الأمر على مضض..

حوريّة تعمل بالعاصمة، كالعديد من فتيات هذه الجهة الّتي توالت عليها النكبات: فمن نكبة البايات، إلى نكبة الإستعمار، انتهاءا بنكبة الإستقلال. تعمل حوريّة عند عائلة بسيطة، تكاد تكون ضعيفة الحال.. ربّ البيت يعمل بمصنع، وتعمل زوجته كخادمة عند بعض الأجانب المتعاقدين.. اضطرّت قساوة الحياة الجديدة بالعاصمة هذه العائلة لإستجلاب فتاة من الريف، تعتني بالأطفال وتقوم بشؤون المنزل، مقابل مبلغ شهري زهيد، يرسل إلى أهلها في القرية، وأكلها ولباسها وسكنها مع تلك العائلة في ما يشبه التقاسم العادل للفقر. ربّة البيت رقيقة، طيّبة القلب، تعامل خادمتها كواحدة من أفراد العائلة.. تحنو عليها، لأنّها تذكّرها بنفسها.. بحياتها. لذلك لم تكن حوريّة متذمّرة من وضعها، كغيرها من زميلاتها في البؤس، فلِلْهمّ درجات!

أسرعت في المشي، بعد أن نظرت إلى السماء وقد بدأت ترعد وتبرق من بعيد. مرّت نصف ساعة، وهي على حالها، واقفة على جانب من الطريق، وقد وضعت بجانبها حقيبتها البنّية الصّغيرة، وكيس فيه دقيق وبيض بلدي ورقع من الخبز.. هديّة من والدتها إلى مشغّلة ابنتها.. اشتدّ قلق حوريّة حينما اسودّت السماء فجأة وبدأت في سكب غضبها الطوفاني، فانزوت، جارّة أمتعتها قرب عين تغطّيها الأغصان. انتظرت قلقة، وعينيها لا تفارقان الطريق، على أهبة للإقتراب منه إذا ما ظهرت في الأفق سيّارة أجرة أو باص..

تبدو أحلام حوريّة بسيطة، كبساطة حياتها وحياة كلّ البنات في هذا الرّيف الجبلي المنقطع عن حضارة المدن والعواصم.. تولد الواحدة منهنّ فتتلقّاها لامبالاة تفوق بقليل تلك التي تستقبل الذكور، فتنمو وتكبر، إذا ما تركت لها أمراض الصّغار القاتلة هناك، الفرصة في الحياة.. وربّما ترتاد الكتّاب لبعض الوقت، ولكن أشغال البيت من كنس وغسيل وجلب للماء من العين ورعي للشيّاه سرعان ما تفتكّها، لتنفرد بها.. وتلك طبيعة الأشياء، التي يبدو وأنّ عجلة الزّمان توقّفت فيه عن الدّوران في تلك المجتمعات المنسيّة..

طفولة حوريّة ككلّ طفولة، وإن قست فهي لا تخلو من اللّهو واللّعب، ومن المغامرات السّعيدة أو التّعيسة، وكذلك من هدايا العيد ومن العقوبات المنزليّة.. كلّ أولائك وسط بساطة قرويّة ساذجة.. فقد ينسى الطفل منهم خرفانه، لينغمس في اللّعب البريء، واللّهو مع أقرانه، جريا وراء الفراشات أو ترصّدا لأعشاش الطّيور، قصد الظفر ببيضها.. لينتهي به المطاف عند عقوبة أبويّة صارمة. هكذا نمت حوريّة، وهاهي الآن تعيش وسط مدية إسمنتيّة لا فراشات فيها ولا طيور.. والخرفان تظهر فيها أيّاما معدودات، كلُعَب عيد!

توقّفت الشّاحنة الصغيرة عندما أبصر سائقها حوريّة. أومأ لها بالصّعود.. اقشعرّ جسمها وكادت ترتدّ إلى الخلف عند رؤيتها للنّعش، ولكنّ السّائق انطلق من جديد، فلا وقت للتّردّد والمطر تنزل مدرارا. انزوت حوريّة، وقد تملّكها الرّعب، محاولة الابتعاد ما قدرت من الصندوق الخشبي الموحش. تذكّرت كابوسها. كتمت صرخة كادت تنفلت من أعمق أعماقها. تذكّرت أيضا نصائح أمّها، فتمتمت مردّدة كلّ ما حفظته من قرآن: المعوّذتان والفاتحة.. فالمعوّذتان فالفاتحة..

أحسّ "ابّيْ صالح" بابتعاد الرّعد وقد تقطّعت زمجرته وباتت رشقات المطر فوق غطاء النّعش خفيفة، فقرّر الخروج من مخبأه.

كان المنعرج شديد الالتواء حينما ألقت حوريّة بنفسها من على ظهر الشّاحنة.. تلاشت صيحتها وقد كتمتها زمجرة أخيرة للرّعد وهو يبتعد، وكذلك أغصان الفرنان الكثيفة.. تدحرج جسمها النّاعم الغضّ، كقضيب الخيزران، فلم يوقف حركته اللولبيّة إلاّ صخرة كبيرة كانت على جانب من الطريق.. توارت السيّارة خلف المنعرج، واختفى شخيرها شيئا فشيئا.. ها هي حوريّة ملقاة على الأرض وقد استقرّت عيناها في السماء الرمادية الدّاكنة.. توقّف كلّ شيء حولها، وعمّ سكون غريب.. وحدها قطرة من الدّمع، شقّت طريقها فوق خدّها لتمتزج بقطرات من المطر، ليتشكّل جدول رقيق، يرسم طريقه بين زغب الوجه العذري، ويمرّ تحت الأذن، فيخترق شعرها الأسود الطويل المتموّج على كتفيها وعلى جزء من وجهها النّاصع البياض، فيتناثر قطرة.. قطرة، على الإسفلت، وقد استحال لونه الآن إلى حمرة قانية.


[1من قرى شمال غرب تونس، الجبليّة، ذات الغابات الكثيفة.

[2كلمة "قيرّة" كلمة دخيلة من الفرنسيّة guerre أو من الإيطاليّة guerra وهو الأرجح، وتعني الحرب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

قاص ومترجم تونسي مقيم في فرنسا

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى