السبت ٢٩ آب (أغسطس) ٢٠٢٠
ولا يعلم الغيب الا الله
بقلم سمية العبيدي

الونيسة

في صباح ٍ بدأ البرد فيه يغزو الاجواء، اجتمعت ثلة من الناس امام المنزل، أقارب وجيرانا، في حيٍّ متطرف عصري.

كان ذلك صبيحة يوم وفاة الام الكبيرة الحاجة الفاضلة، المرأة التي مع انها عاشت عمرا مديدا الا انها لم تنطق يوما بكلمة آلمت احدا، لكأنـّها من عصر آخر, لذا احبها الجميع وكانت موضع احترام وتقديرمن الاهل والمعارف، و لطول صمتها ظنها بعض الناس ممن التقى بها عرضا في بعض المناسبات ظنها خرساء.

لم يكن الجمع قد اكتمل وانتظم بعد. وكذلك لم تخترمه خطة عمل واضحة وشاملة. لا زال كل من الرجال المقربين للمرحومة يحاول ان يدلي بدلوه في المكان الاصلح والاقرب لتلقي العزاء في الفقيدة. احد بيوت اولادها العديدة، او احدى القاعات المخصصة لمثل هذه المناسبات. فالمكان هنا بعيد جدا ومنعزل عن غالبية دورهم. وان كان جيرانها من ذهب، الا انه لا قريب ولا نسيب لها في هذه الجهة من المدينة الكبيرة.

كانت الليلة السابقة عبارة عن صراع جماعي مع المرض بل مع الموت. فلم تـُترك الحاجة لينفرد بها الموت، بل التف حولها احباؤها وحبيباتها جميعا. وكما لو ان الموقف كان موقف ولادة، استمرت المعاناة للـّحظة الاخيرة. وكان جل همّ الحاجة ابنتها الوسطى التي ابت ان تتزوج كيما ترعاها، ولا ندري على وجه اليقين ايهما رعت الاخرى في الواقع؟!. كانت الام تحاول ان توصل للحاضرين فكرة عدم التخلي عن ابنتها ورعايتها مع انها كانت قادرة على رعاية نفسها جيدا. فما كانت صغيرة أبدا، كما انها كانت مستقلة ماديا ومثقفة وموظفة في مركز حيوي، ولكنه قلق الامهات.

ومن بعيد ظهرت سيارة تتهادى نحوهم ثم وقفت بقرب الرجال المجتمعين ونزل منها أحد الاقارب وقدعاد بما كـُلـّف به (شراء الونيسة ) جاء بها مع القصاب الذي سيذبحها قبل خروج الجنازة، كما هو معتاد - ان تذبح الونيسة ويوزع لحمها على الفقراء والمحتاجين قبل خروج الجنازة من المنزل لتؤنس الدفين في وحشة القبروتنيره له، كل ذلك قبل التوجه الى حيث تـُدفن - اي الى مستقرها الاخير.

وقف القصاب وهو بائع الماشية في ذات الوقت وهو يمسك بالحبل الملتف حول عنق الذبيحة (كما تسمى عندنا وهي لمّا تزل حيّة - باعتبار ما ستصير اليه - وبعد ان تـُذبح ). كان يمسك الحبل بقوة ويطبق عليه راحته اليمنى، منتظرا ان يكلف بالذبح.

والملل يبدو على سحنته. وفجأة ودون سابق انذار، فلت الخروف من كفه وأخذ يجري في الشارع المسفلت متلفتا يمينا ويسارا كما لو انه يبحث عن شيء ما والحبل يجري وراءه كافعى تتلوّى ولما وصل بوابة المنزل دلف اليها بكل ثقة. واذ انبرى بعض احفادها من فتية العائلة اليه يحاولون الامساك به، راوغهم كلاعب كرة قدم فذ وهم وراءه جميعا. ولم يعصمهم من الانفلات في ضحك جماعيٍّ مجنون الا الموقف المحزن الذي هم فيه لوفاة جدتهم الكبيرة.

كان ممر السيارة منبسطا امام المنزل طويلا جدا ومع ذلك لم يستطع ايا من الشباب الظفر بالخروف وايقافه، لذا اقتحم الخروف المنزل وتجاوز بعض الغرف وصولا الى الغرفة التي لا تزال الجثة مسجاة فيها والتي تجلس حولها بعض النسوة، وهن بناتها وزوجات اولادها الاحياء والموتى، فوق حشايا اعدت بارتجال وعجالة على ارضية الغرفة كما تقتضي التقاليد. ترك الغرف الاخرى الخالية مع ان ابوابها جميعا مفتوحة ومشرعة وهرع الى حيث تجلس النسوة، تجاوزهن جميعا ثم انعطف وبقوة الى حضن الابنة التي لم تتزوج بعد، والتي ماتت الام وهي لا تزال تلفظ ما تستطيعه من حروف اسمها لشدة قلقها عليها.

واذ فوجئت الابنة المقعية وهي تلتفع بملابسها السود بالخروف يكاد يقفــــــزالى حضنها ويقترب وجهه من وجهها جدا، حتى كأنه يريد ان يقبل وجنتها. رفعت كفيها بوجهه - ومع انها في غاية الحزن والاسى والانهاك ايضا ابتسمت لطرافة الموقف - فوقف الخروف من فوره هامـــدا يحدقً في عيني الابنة وسط دهشة وانبهـارالجميع.

وقد دخل في روع الحاضرين جميعا من نساء وفتية ورجال ولا يزال ان روح الام قد امتطت الونيسة وصولا لابنتها الباكر.

والله أعلم؟؟؟

ملاحظة

يشهد الله ان هذه القصة من قبيل الواقع لم اتخيلها ولم احلم بها ولم اسمعها بل هو واقع رأيته بام عيني. وحاشا لله ان اسند معجزة أو كرامة لانسان. اعرف فقط ان هذه المرأة ولحسن طويتها قد اكرمها الله في حجها الاول بان دخلت جوف الكعبة المشرفة ربما عن طريق الصدفة فهو ما لا يحدث عادة لحجاج بيت الله. وان ما قصصته حدث صبيحة وفاتها، ويشرّفني ان هذه المرأة هي امي رحمها الله ورحمنا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى