الأحد ٢٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٢
بقلم سماح خليفة

الوَرطة اللذيذة

"القدّاحة العجيبة" هي أولُّ قصةٍ تورّطَ والدي بقراءتها لنا، بعد أن فرغت جُعبة والدتي من الحكايات، كانت أمي هي من تقترفُ فعلَ (الحكي) لنا، ""جبينة"، "نص نصيص"، الشاطر حسن"، وغيرها من القصص التي كانت سببا لنتحلّق حول والدتي مشدوهين بحبلها السّريّ الذي استطاع أن يشدّ ثلاثة أقمار، وست شموس إلى مركزية كونها وكينونتها.

كانت ابتسامة أمي مُحفّزا لأقطِفَ الياسمين من فمها وأزرعه في حديقة روحي، كنتُ وما زلتُ أسقيهِ من ماء قلبي بتوقيت الفجرِ المندّى بِعرَقِ جبينها، حينَ تعجِنُ (لقن) العجين، بعد أن تُصلّي الفجر، وتجلس على عتبة المطبخ، نعم عتبة المطبخ، كانت عتبة المطبخ مستطيلة الشكل مرتفعة عن سطح الأرض، تتسع تقريبا لخمسة أفراد، كنت أراها بنصف إغماضةٍ مغمورة بالنعاس، من غرفتنا المقابلة للمطبخ. أطيل النظر إليها، وفي اللحظة الحاسمة أبذل مجهودا لأستعيد آخر إغفاءة، قبل أن تقول: "يلا اصحوا الساعة صارت ثمانية".

جعبة والدي امتلأت بأشياء مختلفة عن والدتي، لم يسرد لنا يوما قصص والدتي، ربما ترك المهمة لها، كان كثيرا ما يُتحفنا بالحزازير، والنّكات، والشعر. كم أرهقتنا أبيات الشعر التي ألقاها علينا شفهيا دون كتابة؛ ليعمل على إرباكنا:

طرقتُ البابَ حتى كلّ متنى
فلمــــا كلّ متنى كلّمتنــــي
فقالتْ لي: أيا اسْماعيــــــلُ صبرا
فقلتُ لَها: أيا اسْما عيــــلَ صبري

وكذلك البيت القائل:

لقد ضاع/ء شعري على بابكم كما ضاع/ء درٌّ على خالصة. وقصته المثيرة...

وكان خيارنا الآخر مع والدي أن نجلس برفقته لمشاهدة نشرة الأخبار أو البرامج الثقافية أو المسلسلات البدوية فقط، مثل: "العنود"، "راكان"، "راس غليص"، وأما أمي كانت ترغب المسلسلات الاجتماعية، مثل: "ماما رتيبة"، وأما أخواتي فكنّ يرغبن المسلسلات الرومانسيّة، وأما أخوتي عشاق كرة القدم، وأما الصغار يرغبون المسلسلات الكرتونية، والرّحى تدور!

في آخر مرة طلبنا من أمي أن تسرد لنا حكاية، كانت متعبة جدا من أعمال البيت، فأجابتنا: ما ظل عندي اشي أقوله، روحوا عند أبوكم يخرّفكم"، وفعلا توجهنا إلى والدي وطلبنا منه حكاية، فأجابنا: "أنا مش حافظ يابا ولا خريفية، والمدرسة شوب بتعمل جيبوا قصص منها"، وفعلا كانت أول قصة أحضرتها من مكتبة المدرسة في طفولتي "القدّاحة العجيبة"، بغلافها الأخضر المزركش، طِرت وقتها إلى والدي بخفّة فراشة، لا تسعني الفرحة، أقلّب صفحاتها بشغف، أتنقل بين الشجرة الكبيرة المجوّفة والقداحة العجيبة، طلبت من والدي أن يقرأها لنا، فردّ عليّ: "ول يابا منتي شاطرة اقرئيها لحالك"، رفضت بشدة، وصممت على أن يقرأها لي.

وَجْهُ والدي كان دافئا جدا، طريّا جدا جدا، تجاعيد وجهه كانت خارطة تقودك إلى ألف حكايةٍ وحكاية، لم يكن يبتسم، كان يضحك من بطنه بصوت مرتفع، قهقهته ترجعه للخلف؛ فيستند على المخدّة، وعندها تسقط الحطّة والعقال، فأهرع مسرعة؛ لأعيدها مكانها، وأثبّت العقال، فيطبع والدي قُبلة دافئة على جبيني، قائلا: "الله يرضى عليك يابا"، كان والدي يحبّ ارتداء قميص بأكمام طويلة ثم يعمل على طيّها حتى تصبح قصيرة، يحيّرني فعله، كثيرا ما طلبت منه ارتداء قميص (نص كم)، أسهل له، ولكنه كان يقول: "أنا هيك برتاح يابا".

لم يكن ينتهي والدي من قراءة القصة إلا كنت قد قرأت على محيّاه أشهى القصص، وتقافزت في ذاكرتي أسئلة شقية كثيرة، تبحث عن أجوبتها.

عندما كان ينتهي من القراءة، يقول: "خلّصت، عجبتكم القصة؟"، كنا نطالبه بصوت مرتفع: "عيدها، عيدها..."

اعتقدتُ أنّ (طوباسيوز) حوَت كامل حكايا طفولتي، لأتفاجأ فيما بعد أنه ما زال لدي المزيد والمزيد في جعبتي الطفلة!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى