الخميس ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
قصص قصيرة
بقلم منى وفيق

الُقبلة ذات القِبلات وقصص أخرى

1

– الُقبلة ذات القِبلات

مححححححححح.. و تنطلق فرقعة قُبلة أخرى خجلى .. القُبلة ذات القِبلة الإلكترونية تُطبع على شاشة الحاسوب، حمراء بأحمر التكنلوجيا الفاقع .بتثاقل تبتسم إثرها.طفلها في الغرفة المجاورة يرسل لها كعادته كثيرا من القبل الإلكترونية على الميسنجر، متمنيا لها نوما هانئا.. و أينه الهناء و هي في موتها الأصغر تتقافز كلما اقتربت من ذبذبات الموت الأكبر.بغير كثير تفاعل تهمّ بإرسال قبلة إلكترونية كبيرة لطفلها غير أن يدها المتسخة بالبوظة تسبقها دون إدراك ضاغطة على ملمس الأزرار بارتباك " حبيبي الصغير .. زرني في غرفتي..أطمع في قبلة ذات قِبلة أخرى لا تكون ملونة و لا كبيرة!"

متقدما ببطء منها يطبع الصغير على خدها قبلة باردة قبل أن يرجع القهقرى ناظرا إليها شزرا وهو يتلذذ شيئا في فمه..يجري نحوها ويقوم بتقبيلها بانفعال وقوة كأنه يريد أن يجعل خديها حديقة ناطقة للقبل..تحضنه ذاهلة فرحة قبل أن يغادرها قائلا " ماما .. رجاء ..اشتري لي من هذا الآيس كريم الذي أكلتِ منه، كان طعمه لذيذا على خديك و شفتيك"!!

2 – الخوارزمي باحثا عن صفره

هاربا من صفر و حقيبة أرقام يركب التاكسي .. هل تكون مشكلته مع الصفر وحده أم مع الأرقام جميعها؟! تبا للصفر ترَهَّل على روحه.. كم هو مغناج لا يطاوعه.. لِم خذله المنبه و لم يعد لساعة الصفر هذا الصباح .؟! ليس عليه أن يتذمر فتأخره عن العمل كان الضريبة الأنسب لاستمتاعه بالحلم و النوم..هل لمثله من الموظفين الفقراء حق في النوم و الحلم بغير الكوابيس؟!لن يكون الأمر كذلك مع وجود رئيس عمل فظّ موهوب في كيل الشتائم و الوعيد!
ثم متى كان مزاجه جيدا ليكون كذلك اليوم؟!

عيناه تتنقلان بين الحاسب الآلي للتاكسي و ساعته..عادة هما تكونان مثبثين عن كره و قرف على الأرقام كبيرة لا صغيرة.. الأرقام مراوغة كحديث سائق التاكسي..يحكي له أحجيات تتكرر عن الحياة و الموت و الزواج و العمل .. كان يدرك أن السائق لا يروم من وراء ذلك غير شد انتباهه عن الطريق التي سلكها، قد اختارها أطول حتى تزداد قيمة أجرة التاكسي . لم يكن مغفلا لكنه كان يحب أن يتغابى ، ذاك كان يُشعِره بلذة لها رهبة ..كان إحساس القوي العارف بكل شيء. الحاسب الآلي للتاكسي يجاري الزمن في سباق محموم.يتوقف سائق التاكسي عند إشارة مرور حمراء متأفّفا.الحاسب الآلي للتاكسي وصل لرقم كبير
..و عقارب الساعة يلذغها الوقت ..تغويها الأرقام الكبيرة.. و الصفر خدر ..أيكون مهموما مثله؟!

تحركت سيارة التاكسي مجددا لكنها توقفت..ليست إشارة مرور بل هو الراكب ..قد قاطع السائق حازما " هيا بنا إلى أقرب مركز للشرطة فلن أدفع لك أجرتك مادام الخوارزمي لم يأتني باحثا عن صفره!

3 – خالقا بوجه واحد

ممسكا بوجهه يعوي..هو هكذا عند الفرح .. الذئاب ذاتها لا تجاري نحاتا سعيدا في العواء..في معبده يعوي و يتأوه .. هو اليوم الخـــــــالـــــق الوحيد .. الخــــــــــالــــــــــــــق!!

قبل أشهر قرر أن يبارز الله مؤكدا على أنه ليس الخالق الوحيد ..كان ينحت رؤوسا و ووجوها ..يصورّها و ينشرها في الجرائد متحديا من يأتيه بوجه مماثل..و مع كل تحدّ كان يظهر وجه حقيقي يشبه ما نحته فيخسر الرهان.هذه المرة كسب الرهان .. نحت وجهه مستعملا كل أداة حادة ممكنة و جعل ماء النار يتكفل بالرتوش الأخيرة.. كان النحت مؤلما لكنه الألم الذي يجعل للفرح عطرا خالدا ..
يعوي اليوم كما لم يعو ذات جنون..فجأة يستكين عواؤه .. ينتحب ..دمعة ..دمعتان..يفلت وجهه من يديه .. هو فعلا خالق ..لكنه خــــالـق لوجه واحـــــــــد ..خالق بوجه واحــــــــد!

4 – حشرتان و نجمة

على جنبك الأيسر تنام..وجبتك من النجوم غير دسمة منذ أيام ..يبدو أن الناس عثروا على مكان يختبئون فيه من الموت..قيل لك و أنت بعدُ صغير أن سقوط نجمة من السماء يصاحبه موت أحدهم.. النجوم لم تسقط منذ ليال.. و الرصيف دافئ هذه الليلة..لعل رفقة الحشرة التي تنظر إليك بتعال تجعله دافئا و مغريا.. المكان هادئ .. هنالك نجمة تراوغ السماء بكل دلال .. هي ذي تتشكل حشرةً تشبه أحدكما..لم تر هذا سابقا ..نجمة على شكل حشرة تكاد تسقط .. تنظر للحشرة بغبن..في السماء تكبر النجمة و تتشكل حشرةً صغيرة ..لمن هي يا ترى؟ تفكر في فعص الحشرة التي أمامك بيديك سابقا بذلك سقوط النجمة..تتراجع عن هذا ..لعل الانتظار محطّم للأعصاب دائما غير أنه الآن مريح و حامل لك كل أمان ..تتقلب على جنبيك قبل أن تنام على جنبك الأيمن..ستسقط النجمة عمّا قريب .. و يسقط بعدها أحدكما!

5 – صفقتان ثالثهما رصيف

يجلس شاردا على حافة الطريق .. تأمُّل الآخرين بدأ يُشعره بالملل .. نظرات المارين له تُعمّق إحساسه بالوضاعة .. سرواله متآكل وممزق من الركبة و الفخد..جيوب السروال غير ممزقة لكنها فارغة من أي درهم.. ثمة احمرار وتورّم في ركبته بسبب الحكّة الشديدة التي لاتفارقه.. زبون أنيق يقترب منه..فُرجت أخيرا .. مهنة ماسح الأحذية لا تدر المال الكثير ..الغريب أن حذاء هذا الوسيم منكوشِ الشعر يلمع ، له قامة أجمل من قامة الفتاة التي يلصق صورتها في صندوق أحذيته ...يقترب منه ثم يسأله عن سنه و أحلامه و دخله..يتذكر ماسح الأحذية زيارة السيدة الأنيقة أمس لهذا الحي الجرثومي مصحوبة بالكاميرات و المصورين الذي أخذوا لها صورا كثيرة و هي تقبّل مجموعة من الأطفال المتشردين من بائعي الورود و ماسحي الأحذية.. قال له مثقف لمّع له حذاءه أمس إن هذه هي المتاجرة الحقة ببؤس الآخرين..لم يستوعب ماقاله له فاعتبره مجرد متحذلق..اكتفى فقط باستيعاب جيبه للدراهم التي منحه إياها.هذا الوسيم الأنيق صامت يتأمل سرواله و حذاءه .. صفّق أخيرا بيديه و هتف " مدهـــــــــــش ..ممتـــــــــاز .. سيعقد كلانا صفقة مربحة..سأشتري منك حق إنتاج مثل هذا السروال الذي ترتديه لدار الأزياء الخاصة بي و أعمل على تصميم آلاف السراويل من شاكلته..ما رأيك؟!"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى