انتفاضة الدار البيضاء…حين يكشف الاستعمار وجهه العاري
وسط ضجيج البرقيات وتواطؤ العناوين، لم يكن عبد الكريم يقرأ الأخبار فقط، بل كان يفتّش عن المعنى الكامن خلفها: أيّ مستقبل يُطبخ للمغرب الكبير؟ وأيّ زلزال يتهيأ تحت أقدام الإمبراطورية؟
في بيت محمد، كانت الجرائد تتكدّس كأدلة إدانة. كل سطر قادم من المغرب كان يعلن أن لحظة الانفجار قد بدأت، وأن عجلة التاريخ انقلبت ولن تعود إلى الوراء.
ثم سقط القناع أكثر: سلطة الاحتلال الفرنسية تحظر حزب الاستقلال، وتعتقل قياداته، وتزجّ بستة وعشرين منهم إلى منافي الجنوب. لم يكن ذلك سوى مقدّمة. حملة قمع شاملة انطلقت، تطهير سياسي يستهدف كل نفسٍ حرّ، حتى من الفرنسيين أنفسهم. أربعة وأربعون طردًا… أربعة وأربعون دليلًا على أن الاستعمار لا يعترف إلا بالخضوع.
لكن ما شدّ انتباه محمد لم يكن الرقم… بل الاسم.
اسمٌ خرج من صفحات لوموند ليوقظ ذاكرة قديمة: بيير بيران.
ذاك الذي دخل الريف يومًا ضيفًا، وغادره شاهدًا على كرامة شعب لا يُركع. يا لسخرية التاريخ: رجل احترم عبد الكريم، يُعاقَب لأنه احترم الحقيقة.
لم يتخفَّ بيران. لم يتراجع. بل أعلنها صراحة: نعم، عرف عبد الكريم، ونعم، احترمه. بل ونشر وثائق تُدين الرواية الاستعمارية نفسها، من بينها رسالة من عبد الكريم من منفاه في لا ريونيون، تذكّر بدور بيران في لحظة مفصلية من حرب الريف.
في عالم الاستعمار، حتى الذاكرة جريمة… وحتى الاحترام تهمة.
وعندما قرأ محمد تفاصيل الاعتقال، لم يعد الأمر خبرًا… بل صار فضيحة أخلاقية.
رجل مبتور الذراع يُساق مكبّلًا. لا يستطيع حكّ رأسه. يُربط بجسد رجل آخر كأنه شيء، لا إنسان. الإهانة هنا ليست عرضًا جانبيًا… بل هي جوهر النظام. هكذا يعمل الاستعمار: يسحق، ثم يبرّر، ثم يطلب الصمت.
لم يحتمل محمد. حمل الجريدة وذهب إلى أخيه.
كان لا بد أن تُقال الحقيقة بصوت عالٍ.
رفع عبد الكريم رأسه:
— ماذا هناك؟
وُضعت الجريدة على الطاولة. العنوان يصرخ:
"
بيير بيران يفضح ظروف طرده".
صمت… ثقيل، كأن الكلمات نفسها تخجل.
قرأ عبد الكريم ببطء. لم يكن يقرأ مقالًا… بل كان يعيد قراءة زمن كامل من الخداع والقوة الغاشمة.
— ولماذا هو؟ ما ذنبه؟ لم يكن شيوعيًا…
ابتسم محمد، بسخرية مرة:
— ذنبه أنه لم ينحنِ. ذنبه أنه احترمك. في منطق الاستعمار، هذا يكفي.
حتى صحفهم تعترف: كان من القلائل الذين رأوا فيك إنسانًا لا عدوًا، ونادوا بالحوار بدل الإبادة.
هزّ عبد الكريم رأسه.
الذاكرة عادت… لكن هذه المرة لم تكن حنينًا، بل كانت اتهامًا.
اتهامًا لنظامٍ لا يخاف من الثوار فقط…
بل يخاف من الحقيقة، أينما وُجدت.
لكن ما كان يحدث لم يكن حادثة معزولة… ولا مجرد تجاوز.
كان نظامًا كاملًا ينطق من خلال تفاصيل صغيرة: قيدٌ في معصم، إهانة في الطريق، قرار نفي يُوقَّع ببرود إداري.
هكذا يُدار الاستعمار: لا بالمعارك فقط، بل بالإذلال اليومي، بتحويل الإنسان إلى رقم، إلى ملف، إلى جسد يمكن ربطه بآخر دون أدنى اعتبار لكرامته.
عبد الكريم لم يكن بحاجة إلى كثير من الشرح.
كان يعرف هذا الوجه جيدًا. عاشه. قاتله. وكشفه للعالم.
لكنه كان يرى الآن شيئًا آخر:
أن آلة القمع لم تعد تفرّق حتى بين “رعاياها”.
حين يخرج الفرنسي نفسه عن طاعة الرواية الرسمية، يصبح غريبًا… يصبح هدفًا.
— إذن، بدأوا يأكلون أبناءهم، قالها بصوت منخفض.
محمد لم يُجب فورًا.
كان يدرك أن ما يُقال هنا يتجاوز شخص بيران، ويتجاوز حتى المغرب.
كان الأمر يتعلق بلحظة تاريخية: حين يبدأ النظام في فقدان توازنه، فيتسع القمع بدل أن ينحسر.
— ليس ضعفًا… بل خوف، أجاب أخيرًا.
الخوف من أن الحقيقة لم تعد قابلة للحصار.
في الدار البيضاء، لم تكن الانتفاضة مجرد غضب عابر.
كانت لغة شعبٍ قرر أن يُسمِع صوته خارج قنوات الوصاية.
كانت إعلانًا بأن زمن الصمت انتهى، وأن السياسة لم تعد شأنًا يُدار في الصالونات، بل في الشوارع، في المواجهة المباشرة.
كل شيء كان يشير إلى ذلك:
حظر الأحزاب، الاعتقالات، النفي، وحتى هذه القصص التي تتسرّب إلى الصحافة رغم الرقابة.
حين تبدأ السلطة في مطاردة الذاكرة، فاعلم أنها خسرت المعركة مع المستقبل.
عبد الكريم طوى الجريدة ببطء.
لم يكن الغضب ظاهرًا على وجهه، بل شيء أعمق: يقين.
— التاريخ لا يُكتب بما يعلنونه… بل بما يحاولون إخفاءه.
نظر إلى أخيه، وكأنما يستعيد خيطًا قديمًا لم ينقطع يومًا:
— ما يحدث اليوم في المغرب… لن يتوقف هناك.
كان ذلك أشبه بنبوءة، لا تحليلًا.
فالمغرب لم يكن جزيرة معزولة، بل جبهة من جبهات صراع أوسع، يمتد عبر كل أرضٍ وُضعت تحت اسم “الحماية” أو “الانتداب”.
الصمت الذي حاولوا فرضه… بدأ يتكسر.
والأصوات التي أرادوها هامشية… صارت مركز الحدث.
أما بيران، فلم يعد مجرد اسم في جريدة.
صار شاهدًا—رغمًا عنه—على تناقضٍ قاتل:
استعمار يدّعي الحضارة، ويمارس الإهانة.
يدّعي القانون، ويصنع الظلم.
يدّعي الحماية… ويخاف من الحقيقة.
وهنا، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟
بل: ماذا سيحدث بعد الآن؟
لأن الشعوب، حين ترى الحقيقة عارية…
لا تعود كما كانت.
