برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله
على مدى ثلاثة أيام احتفت مدينة حلب السورية بالشاعر والروائي إبراهيم نصر الله بإقامة برنامج ثقافي له تقديرا لتجربته الشعرية والروائية.
وجاءت الدعوة من مديرية الثقافة بحلب بالتعاون مع نادي شباب العروبة للآداب والفنون ومتزامنة مع صدور العمل الروائي الملحمي الجديد لنصرالله (زمن الخيول البيضاء).
قدم نصرالله في اليوم الأول شهادة حول تجربته الشعرية تحدث فيها عن نشأته والمصادر الثقافية والإنسانية التي أثرت في حياته الأدبية وقال فيها: لا يمكن لأي كاتب أن يتطور إذا بقي مقيماً في القاموس؟ وليس هناك تجربة كتابية حقيقية خارج التجربة الإنسانية. لأن الكتابة هي المحاولة الأصفى لتأمل ذواتنا والعالم المحيط بنا. وأضاف لقد اكتشفت مبكرا أن مقتل الكاتب يكمن في عدم تنوعه داخل تجربته.. وأن تقليد الكاتب لنفسه لا يقل خطراً عن تقليده لسواه. وقد كتبتن وما زالت أكتب حتى الآن مؤمنا أن كل شيء يصلح لأن يتحوَّل إلى شعر لأن كل شيء في اعتقادي هنا، داخل هذه القارة السابعة التي أسميها الإنسان، قبل أن يكون خارجه.
لذا لا أرى أن اللغة يمكن أن تتطور خارج التجربة، أو تتطور بالقراءة وحدها، أو بقرار تطويرها، لأن اللغة غير محايدة، وهي لغةٌ خيطٌ يوصل العالم بالفرد، ويوصله بالعالم، لغة تتطور كلما توغلنا أكثر في روح العالم واكتشفنا الجديد فيه، فكلما اكتشفنا جديدا، اكتشفنا اللغة التي يمكن أن نعبر عنه من خلالها.
ثم قرأ مجموعة مختارة من قصائده المنشورة والجديدة ومن ديوانه الأخير (حجرة الناي
اليوم الثاني كرّس للحداثة السردية في روايات إبراهيم نصرالله حيث قدم الدكتور مرشد أحمد من جامعة حلب دراسة بهذا العنوان، وهي جزء من كتاب عن تجربة نصرالله الروائية يصدر في العام القادم، بعد كتابه (البنية والدلالة في روايات إبراهيم نصرالله) وتحدث فيها عن الإضافات السردية التي قدمتها روايات نصرالله للرواية العربية والتي تمنح الناقد آفاقا غير محدودة لاشتقاق أطروحات نقدية جديدة، وهي بذلك روايات تُغْني العملية النقدية كما تغني مسيرة الرواية العربية. وتناول في تحليله المصحوب بعرض بصري شعريةَ العنوان ودلالاته في النص والتحرر من أحادية الصوت واللعب بالزمان والنزوع إلى الغرائبية والتعدد الخطابي والأسلوبي واستدراج تقنيات الفنون المختلفة للنص الروائي كالسينما والمسرح والشعر والصورة الفوتوغرافية واللوحة ومباغتة المتلقي بعوالم فنية وإنسانية مبتكرة.
أما اليوم الثالث فقدم فيه نصرالله شهادة بعنوان شيء عن (الملهاة الفلسطينية) الذاكرة الواقعية.. الذاكرة الجمالية، وذلك بمناسبة صدور عمله الأخير (زمن الخيول البيضاء) وقال إنه عمل اثنين وعشرين عاما في التحضير لهذه الرواية التي كان من المفترض أن تكون الرواية الأولى والأخيرة في هذا المشروع الذي لم يكن وجد اسمه عام 1985، وأعني الملهاة الفلسطينية. وأضاف: في هذه الروايات الست التي كتبت ضمن هذا المشروع الذي يغطي 125 عاما من تاريخ القضية الفلسطينية سعي أو محاولة للتحرر من سطوة الفهم العام للحكاية الفلسطينية الذي يعيدها إلى مفردات جاهزة، ولذا فإن أصعب ما في كتابة الحكاية الفلسطينية هو أن عليك أن تكون ضد الذاكرة الجاهزة، والصورة القارّة في ذهن الناس عنها.
ولا أبتعد كثيرا إذا ما قلت إنك تكون مضطرا ككاتب أن تكون ضد الشهادة التي تتكئ عليها، لا من المنظور التاريخي بل من المنظور الفني، بمعنى أنك تكتب لتكون أحيانا ضد الذاكرة الجاهزة كي تُوْجِدَ ذاكرة فنية، أي أن تحرر الشاهد من شهادته وأنت تلقي بكل زوائدها وتقودها لمعناها، وتحرر نفسك ككاتب، لأنك لست في النهاية مدون أحداث وسِيَر، بحيث يكون في استطاعتك أن تفاجئ القارئ الذي يعرف فلسطين جيدا بأنه لم يكن يعرفها تماما.
وفي ظني أن على الكاتب أن يدرك الخيوط الفاصلة بين العمل الروائي والذاكرة المستعادة، وإذا لم يستطع إدراك ذلك فيمكن أن يقع في شرك هذه الذاكرة لأنها قوية، وجاهزة أحيانا؛ بمعنى لا يلزمها الكثير من الإضافات شكليا؛ لكن توظيفها في السياق الفني والفكري للروائي، يؤدي أحيانا إلى قلب الواقعة، لا لنفيها، بل لتأكيد حضورها أكثر كعمل روائي. فالواقعي والمتخيل هنا يتبادلان الأدوار، فقد يكون الواقعي في بعض مقاطع الرواية هو المتخيل، وقد يكون المتخيل هو الواقعي في حقيقة الأمر.
هذه الهواجس أرقتني طويلا، لأنك لا تستطيع أن تكون مخلصا لقضية كبرى كالقضية الفلسطينية وأنت تكتب عنها، إلا إذا كنت مخلصا لتاريخ الرواية العالمية العظيم ولمنجزها، ولما يولد اليوم من أعمال كبيرة في مجالات الفنون، وبخاصة السينما.
وقال تنقسم (زمن الخيول البيضاء) إلى ثلاثة أقسام: كتاب الريح، كتاب التراب، كتاب البشر. والتسميات انطلقت من قول عربي قديم يقول: لقد خلق الله الحصان من الريح والإنسان من التراب. وسمحت لنفسي أن أضيف: والبيوت من البشر.
لكنها بمجملها رحلة في ميثولوجيا الخيل في المجتمع الفلسطيني، ومسيرة الدفاع عن فلسطين في ذلك الزمان: فالقسم الأول حول فلسطين في ظل الحكم التركي، والثاني عن فترة الثلاثينات التي توهجت بثورة 36، أما القسم الثالث فيدور في الأربعينات حتى عام النكبة.
وأضاف: حين تعمل كل هذا الزمن على رواية يعني أنك تصبح جزءا من عالم الرواية تماما، بحيث باستطاعتي القول إنني أحسست بعد الانتهاء منها بأنني عشت ستين عاما هناك، وهي الأعوام التي تشكل زمن الرواية الفعلي، وقد أحسست بعد الانتهاء منها أن باستطاعتي الكتابة عن تلك الفترة من جديد دون شهادات ودون مراجع كما حدث في هذه الرواية. يمكنني أن أكتب الآن بسهولة عن الحياة في يافا أو حيفا، كما يمكنني الكتابة عن قرى فلسطينية أخرى تم محوها، وأظن أني سأعود لتلك الأجواء في رواية حبّ، رغم أنّ (زمن الخيول البيضاء) هي قصة حبّ إلى حد بعيد.
وفي نهاية هذه الاحتفالية التي تابعها عدد كبير من مثقفي حلب وجمهورها تم تكريم نصرالله بمنحه درعا بهذه المناسبة.
ويذكر أن عددا من الندوات ستقام احتفالا بصدور رواية (زمن الخيول البيضاء) في مطلع العام المقبل في عدد من المدن الفلسطينية وفي العاصمة السورية دمشق بمشاركة عدد من النقاد الفلسطينيين والعرب كما سيوقع نصرالله هذه الرواية في عدد من معارض الكتب العربية.
