السبت ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١١
بقلم سعيد العلمي

بـيـن مديـنـتـين

«الى ابني عمر»
ها هي المدينة من حوله…يطـل على قـلبها الغاص بالمباني التاريخية والعـمارات الشاهـقة من مكانه في مُـرتـَـفع ألوتـــشـيه حيث تـُحـيـط به المزيد من البنايات المتـراصّة والأبراج السـكـنية التي رُصّـت فـيها رصـا آلاف من الشقـق وعـشرات الآلاف من النوافذ. هاهي أمامه … بـشوارعـها التي لا تـُعـدّ ولا تـُحصى … بملايـين البـشـر من سكّانها … بـضجـيجها وصخَـبها وحركـتها التي لا تعـرف الهدوء ليلا ولا نهار … بحافلاتـها المكـتـظة بركّـابها المخـتـنـقيـن داخلها... وبركاب آخرين متلاحـمين يمارستون الاخـتـناق بـدورهـم تحـت الأرض في متاهة مترو الانفاق التي لا أول لها من آخر... و بازدحاماتـها التي لا تـنـتهي ومتاجرها التي تـغــص بالسّـلع وبالمُـشـترين… وبأستواقها المعـربـدة استهلا كا وبطــَـرا.

إنها مدريد … ثلاثـون عاما عاشـرها واليوم ولا ألـفه… ثلاثون عاما من التـلاحـم واليوم ولا وئام... المدينة التي أكلها وشربها وتـنـفسها وضاجعـها طـيلة ثـلاثـيـن حولا صارت اليوم ولا وداد. جُـل سنوات حـياته اهـتـرأت في هـذه الـمديـنة واليوم قـلـبُه تجاهـها جفاف في جفاف، ومنظرها الممـتد أمام عـينيه... يـباب في يـباب. أو هـكـذا يخـيـل اليه الساعـة.

كان رمزي يُـطـل عـلى الـمدينة جالسا في مـقـهى يـنـتـظـر صديـقه حازم... صديـقه منذ مقاعـد الدراسة المتـوسطة فالـثانـوية... هـناك في الكـويت. ومعـا غادرا الكويت إلى إسبانيا فكانت دراسـتهـما الجـامعـية في مدريد ولم يـفـترقا خلالـها. ثـم رحـل صديـقه الى بلد عـربي عـمل فيها لسنوات أخرى عاد بعـدها مهرولا إلى إسبانيا مقـسما أنه لن يغـادرها ما حـيا. وهكذا فعـل... حتى انتهى إلى الإقامة في إحدى قـرى إكستريمادورا طبـيـبا للـقـرية، قانعـا بعـيـش هادئ يتـنفس فيه الحرية ويتجرع فـيه سم الغـربة ويأكـل لحـم نـفسه.

وعاد رمزي يتأمل المدينة من خـلف الزجاج… الشمس طالعة وأشعـتها مرسَـلة تصقـل المكان والأشياء بل والمشاة في أرجاء المنظـرأمام عـيـنـيه. والسماء حـتى الأفـق كانت زرقاء بهيـة بفـضل ريح خـفيفة طـردت سحابة الـتـلوث التي اعـتادت الجـثـوم على تـخـوم المدينة معـظـم الأوقات. وها هـو مطـر مارس اللعـين قـد انـقـطع بعـد أن ظـل يتـناوب لعـدة شهـور حـيز الفضـاء بين السماء والارض تارة مع الريح القارسة وأخرى مع البرد الساكن. فما بالك لا تـفرح؟. ما بال قـلـبك منـقـبـض وصـدرك يزداد اضيـقاقا كـلما اشـتـدت أمواج فـكرك تـلاطـما!. ألا فاكتم هـديـر الماضي واكـبح جماح الحـنين واستـعــد بـقـلـب منـشـرح لاسـتـقـبال صديق الصبا بعـد أن طال الفـراق.

لكن رمزي ظل شارد الذهـن … مقـطـب الجـبـين … اذ أن شعـورا غـريبا ما فـتأ ينـتابه هـذا الصباح…هذا اليوم الذي يصادف اكتمال العام الثلاثين لوصوله الى هـذه المديـنة لأول مـرة مع صديقه… كل ما يرى أمامه يثير فيه سؤالا كبيرا … بل هائلا… سؤال ضاق به صدره طيلة السنوات الأخيرة، لكنه اليوم آخـذ بالـتـفجّـر داخل قـلبه ودماغـه … سؤال حار فيه جوابا رغـم الكمّ الكبـيـر من الأجوبة المقـنعة المعـسكرة ما بين صدغــيه: "ماذا أفعـل هـنا؟"..." ماالذي أتى بي إلى هـذه الديار؟". " ماذا تـفـعـل بـين ظهراني أناس ينكرونك وتـُنكـرهـم ويجهلـونك ويتجاهلونك وتـتجاهلهم؟". "ماذا تـفعـل في مدينة لم تعـد مدينـتـك؟!".

وانـتـفـض ضمير الرجل في أعـماقه. ما الداعي لطرح أسئلة كهذه … الاسئلة العـقـيـمة لا تؤدي الى نـتـيجة غـيـر تـفـتـيـت الإرادة ولا تـقـود إلا لـمزيد من المعـاناة... بل احـمد ربّـك يا رجـل، وأنت المؤمن بالله، فالصحة موفورة والـرّزق يجــري بـين يديك ولـيست هناك من مآس في حياتك كالتي تعج بها حياة الملايين من أبناء شعـبـك المشـرد والمطارد حـتى في عـقـر داره… فإلام الشكوى والمرارة؟!... بل إنني أنا المشرّد وليس بعد الـتـشـّرد من مأساة.

وتمتم رمزي حامدا ربه محاولا طـرد هـذا الشعـور الخانـق بالغـمّ الذي كان مطبقا عليه في تـلك الساعة بلا هوادة. ألا إنها هي... المرارة المعهودة التي تـراوحك منذ سنوات... لعـمري أنها هي...رأس الأفـعى التي تـفـحّ في غـياهـب نـفسك مـنذ أن خُـلـقـت داخـلها يوم ركـبتَ طائـرة مشؤومة في يوم مشؤوم رحلتَ فـيه بعـيدا عـن جـذورك وناسـك وذاتـك. يـومها صارت الأفعى جزءا من عالمك لم تـنسلخ عـنه أبدا... وصارت في عـداد أحشـائـك، وظـلـت في بداية الأمر كامنة في جُحـرها بلا حـراك... لـسنوات... لعـمري أنـها هي، تعـذبك الآن من جديد وتـُحــّول بهجة الدنيا من حـولـك فراغـا في فـراغ... نـفسك ليست معـك... وعـيك لا يلازمك... وهـذه الشمس المطـلة عـلـيك وهـذا الفـضاء الـرحـب وهـذه الحياة التي تـضيـئـهما من حولـك لا تـفـعـل سوى أن تـنـقـل كيانك إلى هناك... حـيـث الجـذور ما زالـت غائـرة في الأرض... رغـم الثـلاثـيـن سنة... هـنالك في وطـنك العـربي الـكبـير وفي مسقـط رأسك، في الكـويت. ولكن كيف تـنـقـلك هذه السماء وهـذا الأفـق، الـذي لاح فـيه عـلى هـضـبة بعـيدة القـصر الملـكي وكاتـدرائية المديـنة، إلى سماء وأفـق الكويت الـمنـفـتحـين عـلى الكـون كـله، وليس عـلى قـصر هـو متحـف لا حياة فيه أو كاتـدرائية فـيها من الحجـر أكـثر مـما فـيها من البشر وفـيها من المـظهر أكثر بكثير مما فـيها من الجوهـر... ثم عاد يـتـمـتم قائلا لنفـسه أنه إنـما كان بأفكاره تـلـك يـتجـنّى عـلى مديـنـتـه الحبـيـبة هـذه... فإن في الأفـق أمامك مناظـر بديـعة فـيها أكثر بكثير من مجرد قـصـر وكـنيسة.

كان رمزي يستعـد لاقـتحام مشادّة فكـرية جديـدة مع نـفسه عـنـدما رنّ جـرس هاتــفه المحـمول.

- سي. ديغا.

وجاءه صوت مشحون بالجدية والحزن معا:

- رمزي؟

نـعـم، من يـتـكـلـم؟

- بسام. معـك بسام الـشريـف.

- أهلا بسام، منذ مدة لم أسمع صوتـك. لعـله خـيـر.

ولاحظ رمزي تـردّد مكالـمه عـلى الطـرف الآخر من الخط في الحديث مما أثار مخاوفه، لاسيما وأن بسام من أصدقائه المـقـرّبـين ولـم يعـتـد قـط أن يـحـدّثه بتـلـك النـبـرة من الجـدّية والحزن. وجاءه صوته من جديد بعـد هـنيـهة صـمت:

- رمزي.

- نعـم. هـل من مشـكـلة؟

وانـقـطعـت المكالمة. وحاول رمزي معـرفة الرقم الذي اتـصل منه بسام ولـكنه لم يفـلح فآثر الانتـظار عـله يتـصل به من جديـد. وأثارت المكالمة في نـفس رمزي مخاوف كثيرة لم يكن يدري أية وجهة يوجّـهها ولكنها زادته غـما على غـم. ورنّ الهاتـف من جديد فسارع إلى الرد.

- نعـم. نعـم يا بسّـام. تكلم.

- الدكتور حازم.

- نعـم. إنني بانـتـظار حازم هـنا في ألـوتـشـيه.

إسمع.

ماذا هناك؟ إني أسمعـك جـيـدا.

- حازم في المستــشـفى.

- ماذا؟!. ماذا تـقـول؟. حازم جاد الله؟.

نعـم... نعـم...

وبُهت رمزي وبقي صامـتا مشلول اللسان تـتـلاطـم في رأسه أفـكار شـتى متـضاربة
رمزي. رمزي.

نـعـم. نـعـم. ما الذي حصل؟

لـقـد أصيب حازم بحادث أثـناء قيادته لسيارته في طريق اكستريمادورا قادما إلى مدريد.
وصدم الخبر تـفـكـير رمزي أيما صدمة وشل تـفـكـيره.

وجاءه صوت بسام أكثر هدوءا من ذي قـبل وهـو الذي يعـرف عـمق الصداقة التي تجـمعـه بحازم:

- رمزي. أعـرف أن الـنبأ جسيم، إنه عـزيز عـليـنا جـميعا لاسيما بالنسبة لك.

- كيف حاله؟.

- أنـتـظرك في المستــشفى. إنه في غـرفة العـناية المركـّـزة في مـسـتـشفى إيل كلـيـنـيـكو. إسأل عـنه في المدخل ليُـدلـّوك على مكانه بالضـبـط.

- يا إلهي!! في غـرفة العـناية المركـزة؟. كيف حالته؟.

- لا أخفي عـليـك. إنها سيـئة، ولكن هـناك أمل. أسرع في الحـضور.

- وأماليا، زوجته، هـل تعـرف ما حدث؟.

- هي التي اتـصلـت بي بعـد أن لـم تعـثر على رقـمك، إنها في حالة يُـرثى لها من الانهيار النفسي حيث لم يخف عـنها الطبـيب الذي أبلغـها النبأ خـطـورة الحالة. إنها في طريقها الى مدريد بالسيارة. أعـتـقد أنها قادمة برفـقة أخيها. إنني بانـتـظارك هـنا.

وأنهى بسام المكالمة وبقي رمزي والهاتـف على أذنه وقـد تـسمرت عـيناه بين قـدميه لوهـلة طويلة في مجلسه في المقهى. وشعـر وكأن كاهـله صار من الـثـقـل أطـنانا. أزاح الهاتف عـن أذنه ونهـض واقـفا بـصعـوبة جـمّة تـخـللها شئ من تـرنـّح إذ زاغ بصـره. يا له من يوم مشؤوم. إنه ينـتـظـر صديـقه في هـذا المقهى، عـند مدخـل المدينة عـلى طريـق اكستريـمادورا، وصديقه مسجّى في مسـتـشـفى قريب يصارع الموت. إلى متى سـتـظل الحياة تـسخر منه وتهزأ.

وكانت خطاه خارج المقهى متجها الى سيارته بطـيـئة رغـما عـنه، إنه لا يريد الوصـول إلى المستـشـفى ولا يـريـد رؤية محـبوبه حازم يتعـذب بين أجهزة وأنابيب. لكنه مجـبـر رغـم أنفه عـلى مواجهة هـذا الواقع المفاجئ والمفجع وعـلى تجـرّع الحـنـظـل من كأسه قـطـرة فـقـطـرة.

وقاد عـربـته عـبـر أحـراش كاسا دي كامبو باتـجاه المسـتـشفى محافظا عـلى حدود السرعة البطيئة المفروضة على العـربات في تـلك البـقعة الخـضراء من المـديـنة. واستـرق نظرات حـط ّ بها ببصره على ذؤابات الشجر الباسق كما يحط الطير الفـزع عـليها قبل أن يخـفـق بجناحـيه طائرا عـلى غـير هـدى بينـما أشعة الشمس تـلـقي بضـوئها عـلى الأوراق االخـضـر فـتـُـكسبُـها شفافية ورهافة.

….. يده في يد حازم... العـمر اثـنـتا عـشرة سـنة... يتـبادلان حديثا شيقا عـلى باب سينما الأندلس... تـهب عـلـيهما نسمة البحر الرقـيـقة إذ تـكـوّر الليل عـلى الخـليج... هناك في الأرض الحبـيـبة. من كان يتـصوّر في تلك الأيام البديعة من الـعـمر عــندما اعـتاد الصغـيران عـلى التجـوال بـين دور سينما الأندلس والحمـراء والفـردوس، وكلها أسماء تـنـوّه إلى إسبانيا، أن الحياة ستـقـذف بهما إلى الانـدلس الحـقـيـقـية ليقـضيا بها حـياتهـما!!. الأندلس الحبـيـبة التي عـشقاها عـن بعـد حـتى رحلا إليها يـطـلـبان العـلـم. إن لتـلك الـبقعة الصغـيرة من الكون التي تـقع حـدودها بين سـينما الأندلس وسـينما حولـّي الصيفـية ومدرسـتـهما... مجـرد بضعـة مئات من الأمتار... تـشغـلها أيضا المحلات التجارية والمقاهي والمطاعـم ومكـتـبة عامرة... مكانة خاصة بل ومقـدّسة في قـلـبـيٍٍِِِِْـهما. فـلـكم تجـوّلا فـيها في الستـّينات... تـبهرهـما الأضواء الوهـّاجة من حولهـما وصخـب الحياة وعـنـفـوانها وتملأهـما نـشوة روائح الشاورما والكـباب والفلافل المنبعـثة من المقاهي والمطاعـم. أما الجلوس في سـينما حولي الصيفـية المكشوفة فكانت تشكـّـل قـمة انفعالهـما الصبـياني إذ كانا يجـدان فـيها ضربا من عجـيـبة... سينما بلا سـقـف!!. وعلى مرمى حجر كانت مدرسة حولي المتوسطة للبنين التي قضيا فـيها أجـمل سنيّ الدراسة. سنين لكم استـرجعا ذكرياتـها في زياراتهما إلى الكويت بعـد أن مضى العـمر بهما مضيّ القطار السريع.

وترقرقت دموع في عـينيّ رمزي إذ تـذكّـر أنه كان في جـلسـته في المقـهى قـبل دقائـق توّاق لاسترجاع هـذه الذكريات وأخرى كـثـيـرة مع صديقه حازم. فكلاهـما شغـوف بها يهـفـو قـلـباهما شوقا إليها وإلى ذلك الماضي البعـيد وذلك الوطـن المسحوب من تحت الأرجل. نعـم، إن نفسه ما زالت تسكن هناك، في البلد التي ترعـرع فيها طفلا فصبـيّا فـشابّا يانعـا جار عـليه الزمان يوما فـتغـرّب سعـيا وراء العـلم في أرض الله الواسعة، يـوم كان السفـر والتـرحال والحرية وأضغاث الأحلام، كلها، ذات سطـوة عـلى العـقـل… يوم كان العـقـل أصغـر بكثير من أ ن يعي كـنه الحياة والمستـقبـل أو معـناهـما. نعـم. صحيح أن سينما الأندلس وماحولها من مباني الصبا قـد هـدمت وما عاد لها من وجود إلا أن الكويت ما زال فيها نورا شـدّما يخـتـلـف عـن هـذا النور القاتـم الذي يلف مدريد من حوله.

وعـبْـر أحراش كاسا دي كامبو مـرّ رمزي بالـزرافات المعـتادة من البغـايا والمـومسات القادمات من بلاد الفـقـر والـمرض في إفـريقـيا السوداء جنبا إلى جنب مع زميلاتهن الاسبانيات والأخريات القادمات من بلاد الفـقـر والمرض في أمريـكا اللاتـيـنـية وهـنّ يقـفن في عـرض الشارع شبه عـرايا، وبزرافات أخرى من الرجال المخـنـثـين ممن اصطـنعـوا لأنفسهم أثداءا وتـشبّـهـوا بالنساء ووقـفـوا مثـلهـن يعـرضون أجسادا مزورة. وعـند إحدى التـقـاطعات اضطر رمزي إلى إيقاف سيارته للحـظات بانتـظار عـبور سـيارات أخرى احـتشدت في تلك الغابة وعـلى متـنها أغـلبـية ساحـقة من الرجال بين مضطـر للمرور عـبر تـلك المنطـقة أو باحث عن فريـسة من البغايا أو متـمتـّع مجانا بتأمل الأجساد الأنـثـوية المعـروضة على قارعة الطريق. ولـمح عـن بعـد أطفالا يلعـبون بـكـرة وشابـين يتـدربان عـلى مصارعة الثـيران بقـرنيـن اصطـناعـيـيْن وقطعة من القماش الأحمر. وشاهـد سيارة شرطة وقـد تـوقـفت على بعـد أمتار من مجـموعة من المومسات وقد انهـمك شرطـيّان باصـدار مخالـفة لراكـب درّاجة نارية صغـيرة وقـديـمة. وأتاه صوت أحدهما وهـو يعـنّـف قائد الدراجة – الذي كان مظهره ينم عن حالته المتواضعة - لعـدم احترامه السرعة القـصوى المسموح بها للعـربات في تـلك الشوارع. وضرب رمزي المقـود بـيده وهو يهز رأسه بحـنـق على ذلك المنطـق المعـكـوس الذي كان يدور حوله فإذ به يفاجأ بثـدييْن سمراوين يخـتـرقان نافـذة عـربته ووجه فـتاة لا تـتجاوز العـشرين من عـمرها يـكاد يرتـطـم بوجهه وهي تـرجوه أن يسمح لها بالصعـود إلى السيارة فـبـوغـت بها أيـما مباغـته ودعّـها بيده برفق معـتذرا ومسارعا إلى إغلاق نافـذة السيارة وهـو يكـيل السّـباب والشـتائم إذ اقـشعـرّ بدنه لمظهرها المُـهين في الوقت الذي وجد فيه عـربتـه وقد أحيطـت بالبغايا من كل جانب وهـن يقـمن بحركات وإشارات فاضحة لاغرائه وإغراء غـيره من قائـدي السيارات فاندفع بسيارته بحذر بينهن فانهلن عـلـيه بالشـتائم وركـلـن العـربة كـيفـما استـطـعـن وسـط قـهـقـهة الشرطـيـيْن الذيْن كانا يرقبان المشهد جذلانيْن بينما لاحظ رمزي كيف كان قائد الدراجة المسكين ينسلّ بدراجته بهدوء مبتعـدا عن المكان وفالـتا من قـبـضة الشرطيـيْن فارتسمت على شفـتـيْه ابتسامة واهـية بـينـما كان قد تمكّـن بدوره من الافلات من حصار المومسات.

ولما وجد نفسه في مكان ظـنه آمنا دلـف بسيارته الى ساحة تـرابية تحـيط بها الأشجار من كل جانب، وقد توقـفت فيها سيارات أخرى، ونـزل من عـربـته ليرى ما إذا كانت ركلات المومسات قد أوقعـت ضررا بالسيارة. ودار رمزي حول العـربة وعـاد إلى مقعــده أمام المقـود. وعـندما كان يشغـّـل محرك العـربة من جديـد وقع نظـره عـلى سـيارة من السيارات الواقـفة تحت الشجـر عـلى مقـربة منه فـلـفت نظـره وجـود رجـلـيْن في مقعـدها الخـلـفى فـنظـر الى باقي العــربات فوجد في كل منها رجلـيْن فأدرك أنه وقـف في أحد أوكار المخـنّـثــين وما أكثرها في مدريد، فانطـلق بسيارته لا يلوي على شئ شاتـما ولاعــنا كل ما حوله بصوت عال.

وتـنفـس رمزي الصعـداء إذ خـرج من أحراش كاسا دي كامبو وتـذكّـر كيف كانت تلك الأحراش قبل سـنوات مرتعـا للعائلات في نزهاتـها البريئة بصحـبة أطفـالها فغــدت مرتعا للدعـارة والشذوذ الجنسي والرذيلة التي تطـفح بها المدينة بأسـرها.

وتأمل رمزي الشوارع والجسور التي كان يمرّ بها في طريقه. إن مدريد هـذه لم تعـد مدريده. تـلك قد ضاعـت … مدريد التي عـرفها قـبل ثلاثـين ســنة قـد ماتـت. أما مدريد الـتي يطأها اليوم بقدميْه فهي لم تعـد مدينته، ولا أناسها اليوم هـم الذين عـرفهم آنذاك. حتى الوجـوه فـيها تغـيرت وأصبحت ذات تجهّـم وكانت في الأمس بشـوشة. أما شـوارعـها فصارت تغـصّ بالمخـدرات والمومسات والسكارى والمخنـثـين والشحاذين. كان حـنـق رمزي تجاه مدريد يشتـد باقـتـرابه من المـستـشـفى.

وعـندما وصل إلـيها وبلغ المـمرّ المؤدّي إلى غـرفة العـناية المركّـزة كان رمزي يرتجـف من أعلى رأسه الى أخمص قدميه من هول المشهد الذي كان يتـصور أنه سيـواجهه في شخـص حـبـيـبه حازم بعـد لحـظات. ورأى بسّام يهرول نحوه ورأى خـلـفه عـددا من الأصـدقاء والمعـارف ممن لا تـقـلّ غـربـتـُهم عـن غـربته طـولا وحـمقـا. وسارع ليسأل بسام، وهـو خالجه شغور بـأنه قـد قـفـز في اللج العـمـيـق لا محالة بعـد أن خـشي السباحة في مصيـبة حازم منذ المكالمة الهاتـفية مع بسام:

- كيف حاله؟. هـل هـناك من تحسّن؟.

- إنه الآن في غـرفة العـمليات. قال لـنا الأطباء أن العـملية يـمكن أن تستمر لأكثر من ساعـتين. لقد استردّ وعـيه قـبل دخوله الى غرفة العـمليات بدقائق.

- أيعـني هـذا أن حالـته غـير خطـيرة جدا؟.

- بل إن حالته خـطـيرة يا رمزي ولكن الأطباء قالوا لـنا أن خطورتها كانت ستـزداد لو أنه ظل فـاقد الوعي. إنه يعاني من إصابات جـسيـمة في أعـضاء حـيـوية من جـسمه.

وساد صمت بـينهـما شعـَـرا بكثافـته وثـقـله على قـلبـيْهما فبادر بـسّـام إلى طـرده بقـوه قائلا بنبـرة ذات توتر:

- الأطـباء هـنا مهـتـمون به جـدا لاسيّـما وأنه زميـلهـم وبـيـْـنهم من يعـرفه شخـصيا. كما أن الأطـباء العـرب في الـمسـتــشـفى يتابعـون حالـته أولا بأول.

وهـمهـم رمزي مُـثـقلا بالغـمّ إلى آخـر حـد بـكلام لـم يفهـمه بسّـام ولـكنه لاحـظ عـلى وجه الـرجل تجهما وحـزنا لـم يرهـما عـليه من قبـل، فـربت عـلى كـتـفه واقـتاده بـرفـق إلى قاعـة الانــتـظار، وكان مرافـقو بسام قـد سبـقـوهـما إلـيها. وساد في الغـرفة صمت عـميق وأطرق رمزي إلى الأرض بين قـدميْه دون أن يـلـتـفـت إلى أحد أو يكـلـم أحدا... فحازم في غـرفة العـملـيات لـيخـرج منها للحياة أو للـموت... وهي حالة تـلغي الكلام كـله وتجعـله هـراءٌ في هـراءْ... ثم أن الحادث وقع أثناء قدومه الى مدريد لمقابـلـته هـوَ. نعـم هـوَ. وبدأ شعـور عـظـيـم بالذنـب يـنـتاب رمزي وعاد بذهـنه إلى المكالمة الهاتـفـية التي دارت بـيـنه وبين صديـقه حـازم قـبل أيام قـليلة:

- ما دمت لا تـتـنازل وتسافر لزيارة صديقك فإنـني مضطـر لأن أكـون أحسن منـك فأسافر أنا لزيارتك. أم أن الصداقة أصبحت مجرد كلام؟.

- معاذ الله يا حازم. ولكنني هنا في مشغـلة دائـمة ودوامة لا تـتـوقـف.

- ومن منّا ليـس في مشغـلة ودوامة. ثم أن هـناك إجازة نهاية الأسبوع وليس فـيها من مشاغـل رضيت أم أبيت.

- معك حق. هذه المرة تعال أنت والمرة التالية تكون السّـفـرة عـليّ أنا. إتـفـقـنا؟.

- إتـفـقـنا، رغـم أن الزيارة الأخيرة قمت بها أنا وكان المنطق أن تكون هذه الزيارة عـليك، ولكن معـزتـك عـندي أغـلى من مثـل هـذه الحسابات. السبت أكون عـندك بإذن الله.

مكالمة دارت يوم الاربعاء الماضي وهاهـو السـبت المشؤوم قـد حـلّ وليـته ما حلّ أبدا. وسمع بسام يكـلمه هامسا في أذنه:

- رمزي. هـل أنت بخير؟.

وهـزّ رمزي رأسه بالإيجاب بينما دار حديث بين باقي المنتـظرين تـشعـّب وتـفـرّع.

….. دوّى صوت حازم … هـيا … هـنا …إرم الكرة إلي هـنا يا رمزي… حيّ الـنّـُـقـرة الصاخـب بلعـب الأولاد في ساحاته التــّـرابـية يستحـمّ بخـيـوط شـمس الغـروب والصّـبـية يرسمون ملاعـب لكـرة القدم بأرجـلهم الرشـيـقة. وبانـتهاء اللعـب يـمشي الصديقان عائديْن إلى منزليْهما القريـبـيْن، ولكن ليس قبل أن يدلـفا إلى بـقـّالة ياسر ليشتري كـل منهما زجاجة من مشروب غازي يرطبان به حـلقيْهما الجافـّـيْن من كـثرة الركــض والصراخ. ولربما يتعـمدّان قبل العـودة إلى البـيْت أن يمشيا الهوَيْـنا في شوارع حـيّهما يتبادلان الحديث ويستـرقان النظر الى الشرفات بحثا عن الفـتـاة السمراء التي تلوح لهما بين شرفة وأخرى وقد انسدل شعـرها الأسود يحاكي أشعة الشمس الصفراء جمالا وسحرا فـتبعـث فيهما المزيد من الطاقة عـلى الحديث والضحك وحياكة الأحلام. فإذا بلغا شارع موسى بن نصير وولجا المبنى الذي يضم شُـقـتيّ عائلـتـيْـهـما، هـبّت عـليْهما روائح من مطابخ الشـقـق الخــمس التي تـضمّها العـمارة والـتي تـقـطـُـنها عائلات فـلسطينيّة وسورية ولـبنانية أمضـت سنوات طويلة في جـيـرة وفـيّة وسلسة نشأ الأبناء في ظـلـّها تـربـطهـم، حـتى الـيوم، مشاعـر الأخـوّة الحـقـيقـيّة. منهم من ما زال يـقـيـم في الكويت ومنهم من تـقاذفـته السنون فـتـبعـثـروا في قارّات الأرض وظـل الحـنين يـشدّهـم إلى الكويت فـلكَم عادوا إليْها زوّارا إذا سنحت فرصة، تـماما كما يفعـل هـوَ وحازم مقـتـنصين الفـُرص لزيارة عائـلـتـيْهما. وقد مرت عـدة سنين منذ الزيارة الأخـيرة.

وجاءه صوت بسام ليقـطع عـليه ذكرياته الحبـيـبـة التي كان يرى فيها وجه حازم، أيام كانا صبـيـّيْـن، بوضوح وقـوّة لشـدّما استغـرب لهـما في تلك اللحـظات:

- رمزي. هـيا بنا لـنـتـناول شيئا من الـقهـوة، فإن الانـتـظار سيكون طـويلا جـدا.
وراقت له الفكرة، فإنها ستخـلـّـصه ولو لدقائق من الجـلـوس في هـذه الغـرفة الكـريهة التي كان عـدد المنـتـظـرين فـيها يـزداد دون تـوقـف، وكانوا جميعا من العـرب من أصدقاء حازم ومعارفه ممن بلغهم خبر الحادث فهـرعـوا الى المستـشـفى للإطـمئـنان عـليه والوقوف إلى جانبه. وكانت بينهم وجوه لم يكن قد رآها منذ أكثر من عـشر سنوات.

وما أن انتهيا من تـناول القهـوة حتى شاهـدا الجـرّاح الذي أجرى العـملية لحازم يغادر غرفة العـمليات. وهُـرع رمزي وبسام إليه يسألانه عـن حالة صديـقهما فـنظـر إليهما بجدية وقال بهدوء:

- حالـته مستـقرة في إطار الخطورة البالغة التي تعرفانها. لن نـتأكد من تحسن حالته قبل مرور ثماني وأربعـين ساعة. الدكتور أحمد ساعـدني في العـملية وسيخـرج بعـد دقائق وسيـزوّدكم بتـفاصيلها.

ولم يكن في التفاصيل ما يـبعـث الكثير من الأمل. وشعـر رمزي اذ استمع للدكتور أحمد بانهيار داخلي لم يسبق أن شعـر بـمثـله من قـبل. كأن بناية قد انهارت داخل جسـمه وعـقـله. ولكنه تحامل على نفسه وأسند ظهره الى الحائط في الممرّ الطويل.

….. الصباح رقـيـق والـنسمة حانيـة ومنعـشة... والصبـيّـان يجدّان الخطى عـبر حي النُـقـرَة نحو مدرستهما في حَوَلـّي... بامكانهما أن يركبا حافـلة المدرسة ولكنهما آثرا أن يمشيا ليملآ عـيونهما من الحياة التي تعـجّ بها الشوارع في تلك الساعة المبكّـرة. زقـزقة العـصافير تملأ الصباح رغـم ضجـيج السيارات التي حـمل فـيها الآباء أبناءهـم صوب مدارسهم وضجـيج حافلات المدارس... الحافلات الصفراء التي رافـقـت صباهـما والتي أقـلـّـتـهما طيلة سنوات إلى مقاعـد الدراسة... غـير أنهما كانا يفضلان المشي أحيانا، لاسيما في شهور الربـيع، ليتمتعا بزرقة السماء... وانفـتاح الفضاء... واستـنـشاق الهواء المشبّع برائحة البحر... لا فضاء مثـل ذلك رحابة واتـساعا ولا أفق مثل ذاك امتدادا ووضـوحا... تـلك المدينة الصبـية كـصباه... النضيرة نضرته... هي حُـبّـه المُـبـكّـر... فأين منها مدريد... هـذه العـجوز الشمطاء... العجوز المتصابـية والمبتذلة. أين من تلك الصبـيّة التي أصبحت اليوم شابة حسناء هـذه المومـس الرخـيـصة التي لا تـتـورع عـن بـيع نسائها في الشوارع وفي المواخير بل وعـلى صفحات الصحف.

ودُفعـت ضفـّـتا الباب الكبـير المؤدي الى غـرفة العـمليات ليظهر منه ثلاثة ممرضون يدفع أحدهم سريرا مر به أمام عـينيّ رمزي فجـحـظـتا لرؤيته حازم مكبلا بالأنابـيب المثبتة في أنحاء جسده بينما اختـُُرق أحد رسغـيه بحـقـنة ثابتة تـنـتهي الى زجاجة عـُـلـقت فـوق رأسه عـلى منصة جرها بمحاذاة السرير ممرض ثان. كان حازم مغـــمض العـينـين في غـيـبوبة. وسار رمزي خلف السرير وانضم اليه بسام ورفاق آخرون حتى اقـشعــّر بدن رمزي اذ تـلـفـّـت حوله وخـلفه فخاله جمع يشيع جنازة. وتـقـدمت المسيرة عـبر الـممر الطويل الذي يتـفـرع يمينا ثم يسارا ثم يعـود فيتفـرع المرة تلو المرة وكأنه لا نهاية له. وكان رمزي لا يحول نظـره عـن وجه حازم تارة قارئا في صمت آيات من القرآن الكريم وتارة مبتهلا الى الله الـشفاء لصديقـه وتارة تـتـناهـب أفكار شتى سوداء حيز عـقـله بسرعة جنونية.

ترى أيكتب لهما بعـد اليوم أن يعـودا معا إلى الـكويت … ترى أترافـقـني يا حازم من جديد … في الخريف المقبل … بل حالما يمنّ الله عـليك بالشفاء … لنـتجــّول معا، كما كنا نفعـل في صبانا. أتذكر؟… هـناك في السوق قـرب جامع العـثمان وأضواءه ومصابـيح المتاجـر ومحلات الحلوى قربه متلألـئـة، خاصة في شهر رمـضان. أتذكـر كـيف كانـت تـلك المحلات تـبدو لنا في أنوارها مجـرّات سماوية تغـصّ بالنجوم من كـنافة إلى عـوّامة إلى بـقلاوة إلى غـيرها من روائع بلاد الشام التي طالـما أسكرت مذاقـنا. وخالجت شفـتيه ما يشبه الابتسامة وهـو يتـذكـر كـيف كان يـتـقـزّز حازم كـلما حمله الشوق عـلى تـناول هـذه الضـروب من الحـلـوى في مطاعـم عـربيه في مدريد أو كـلـما اشتراها من محلات عـربـية وكيف كان يردد على مسمعه:- "هذه الكـنافة يا رجل ما علاقـتها بكنافة بلادنا؟ ولماذا يسمونها كنافة ولا يسمونها سخافة؟ فإن لها من العلاقة بالكنافة الأصلية ما للشاورما هـنا من علاقة بالشاورما الأصلية. كان الأجدر بهم أن يُـسـمّـوها هـنا ماشاورما و ماكنافة". وعلى هذا المزاح كان يرد على صديقه قائلا:- "والله لو أتـقـنوا صنع الكنافة هـنا حـتى تـفـوّقوا فيها على كنافة بلادنا لما اسـتسغـنا لها مذاقا معــشر المغـتربـين ممن تـربّـينا عــلى حـلـويات بلادنا، خاصة تلك التي اعـتدناها في النُـقـرة وفي حَـوَلـّي. إننا لا نبحث فيها عـن المذاق بقدر ما نبحث فـيها عن الذكريات السحـيقة والعُـمر المُـنصرم".

ودفع أحد الممرضين الثلاثة ضفـتي الباب الكبـير المؤدي الى قاعة العـناية المركزة ومنع رمزي وبسام ورفاقهما من الدخول إليها فانـتـقـلوا إلى غرفة انـتـظار قـريـبة ريثما يستـرد حازم وعـيَه من غـيـبوبة المخـدّر. وفي الغـرفة، اتجه مع بسام الى النافذة المطلة على إحدى أجمل المناطق في مدريد، وتأمل كلاهـما المنظر في صـمت وأحراش كاسا دي كامبو مـمتـدّة أمامهما تـلـيها أحياء ألوتـشيه وكرابنشـيل المكتـظة بالسّـكان.

وبعـد برهة صمت تمـتم رمزي:

- أنظر الى هذه الـقـحـبة التي صارت تـتـقـزّز منا بعـد أن باعـت نفسها بالكامل للعـم سام وما أدراك ما العـم صـمويل!.

ونظر إليه بسام لا يفهم مراده ولا يعـلـم بما يعـتـلج في نفسه من حنق على مدريد. ولكنه اسـتـشف في نبرة صديقه رغـبة في التـنـفـيث عن النفس وسـط المصيـبة التي حـلت بهم في يومهم ذاك، فـقال بجد كعادته إذا مزح، لا تطـلّ البسمة عـلى مُحيّـاه مهما كانت النكتة مضحكة:

- قـحــبة؟ أية قحـبة تعـني... هـذه الشوارع تعـجّ بهن والبنايات التي أمامك ما أكثر ما فيها من شقـق دعارة.

- هي مدريد. إنها القحبة الكبرى.

وذهل بسام للجواب ولاحظ أن الـتجهم لم يفارق وجه رمزي قيد أنـملة. فـتـلعـثـم قليلا قبل أن يعـود للإمساك بخيط السخرية:

- يـبدو أنك لا تحترم مشاعـر الإسبان فعاصمتهم ليست فـقط بالـقحبة الكبرى بل هي الـقحـبة الأوروبية الكبرى. رغـم أنها والحق يقال جديـدة على الصـنعة. بأية سرعة مذهـلة تعـلمت هـذه المدينة مهنة الدعارة!! بل وتـفوقت بها أي تـفـوق … عـندما جـئـناها في الستـيـنات كانت مدينة فاضلة.

وجاءهما صوت الدكتور أحـمد فالـتـفـتا إليه ليجداه واقـفا وسط الغـرفة يوجّـه حديـثه للمـنـتـظرين ومعـظـمهم من معارفه أو أصدقائه:

رمزي بدأ يستـردّ وعـيه، وهـذه علامة طـيّـبة تـشـير إلى وجود أمـل في شفائه.
وانهال المنتظرون على الطبـيب بالاسئلة حول تـفاصيل العـملية الجراحية وردّ عـليها أحـمد سؤالا بعـد سؤال دون أن يحوّل نظـره عـن رمزي، الذي كان يستـمع للـشرح دون أن ينبس بكلمة. تـقـدم الدكتور أحمد نحو رمزي، وكان من معارفه الـقـدامى، وأحاطه بذراعـيه هامسا بأذنه:

- رمزي. حازم يهذي باسمك. لـقـد سأل عـنك قبل دخوله إلى غـرفة العـمليات وكان في كامل وعـيه ومنذ بدأ يسترد وعـيه لا ينفك عن ترديد اسمك.

- ماذا؟!.

- عندما يسترد وعـيه بالكامل سـنسمح لك بالدخول لرؤيته. أنت وحدك. فالدخول الى غـرفة العـناية المركزة ممنوع تماما كما تعـرف، إلا في حالات استـثـنائية تـُعـتبر في صالح المريض إذ يمكن أن تساعـده على الشّـفاء.

- حسنا. سأكون هـنا بالانـتـظار.

والـتـفـت الدكتـور أحـمد إلى بسّـام وباقي المنـتـظرين سائلا:

- ألم تصل زوجة رمزي بـعـد؟. حال وصولها رجاءا أن تـصطحـبوها الى مكتب الأطباء في آخر هذا الممر.

وغادر الدكتور أحمد الغرفة بينما حلق طـير الصمت على رؤوس المنـتـظرين بعـد أن استـمعوا لـتـفاصيل العملية الجراحية التي أجريت لصديقهم فازداد قلـقـهم عليه وانـتشر بينهم شعور بكآبة عميـقة. وفي الوقت الذي غادر فيه بعض المنـتـظرين الغرفة فرادى، مطرقين الى الارض كمن يهيم على وجهه بغير هدى، عاد رمزي يجر قدميه الى النافـذة حيث كان بسام قد سبقه اليها ووقف كلاهما شارد البـصر في الفـضاء الفسيح الممتد أمامهما وقد لاذ كل منهما بافكاره وهواجسه. كان رمزي منفطر القلب منذ أن علم أن صديق عمره حازم يهذي باسمه. وكيف لا؟. وهل لكل منهما من أهل في هذه الديار الا صديق الطفولة والشباب!. حتى الزوجة وحتى الأبناء - وليس لحازم من ابن - يقـفون في مثل هذا الموقـف الأقصى من حياة المغـترب في الصف الثاني بعد الصديق الحميم المنـتـمي الى ذات الجذور والذكريات والتجربة. أية حياة مقيتة هذه التي يواجه فيها الانسان الموت وحيدا دون أهل ولا أقرباء !! أية حياة هذه التي يلعب فيها الصديق دور الأب والشقـيـق... قسرا لا طواعية. ولكن برضاء وحماس.

وندا عن بسام تأوه عميق قال فيه بنفس طويل جاء مجبولا بالألم وبعيدا عن أية سخرية:

- آه يا مدريد... قضينا فيك شبابنا من أوله الى آخره... في كل زاوية لنا فيك ذكرى وحنين، وفي كل منعطف طريق تجربة وموقف... وفي كل شارع حكاية... وتحت كل شجرة نبضة قـلب.
ورد عليه رمزي دون ان يحول نظره عن اللاشئ في الفضاء المترامي أمامه:

أراك مولع بمدريد ووله بها. أم هي سخرية أخرى كما اعتدت؟

- كلا. بل أتكلم بجد. أن علاقـتـنا بمدريد علاقة الوعي. انها حياتـنا بعنفوانها... حياتـنا بمعـنى الكلمـة... بمعزل عن كونها حياة سعيدة أو تعـيسه... انها حياتـنا كما عـشناها وكما قدر لنـا أن نعيـشها.

وقاطعه رمزي قائلا:

- من الثابت أن الانسان يألف سجنه وزنزانته بعد سنوات من مكوثه فيهما.

- أتعرف يا رمزي؟… لو أنك تـبتعد عن مدريد ردحا من الزمان لانفـطر قلـبك حنـينا اليها كما ينـفطر اليوم شوقا الى وطن حولـته ظروف حياتـنا الى سراب وحنيـن الى زمن بعيد لم يعد له من وجود.

وبدا أن الرجلين كانا بأمس الحاجة الى نقـاش من هذا النوع الـفلسفي يجرهما بعـيدا عن واقع الموقف المرير الذي كانا يواجهانه. فانبرى رمزي قائلا دون أن يسـترد بصره الشارد:
- انك محق فيما تـقوله. لا أحد يناقـش هذه البديهيات. ولكن البديهة الكبرى والـحقيقة التي ما بعدها حقيقة في هذا الموضوع هي أننا عشنا هنا حياة مختـبر... حياة اصطناعية... لأنها لم تكن امتدادا لذاتـنا.

حياة مختبر؟ أنا وأنت فأران في مختبر اسمه مدريد؟ ماذا تقول؟.

- الطفل والصبي الذي كناه أنا وأنت لم يتـرعرع ولم يكبر وإنما الذي كبر وترعرع في هذه الديار هو إنسان لا علاقة له بذلك الطفل ولا بآبائه وأجداده. لقد اجـتـثت حياة كل منا اجتـثاثا منذ وطأنا أرض الغربة فعشنا هنا منسلخين عما حولنا. فأران في مختبر كما تقول لكن أحدا لا يدرسنا ولا يلتفت إلينا.

والتفت اليه بسام ونظر اليه مليا ورمزي لا يحول نظره عن اللاشئ. كان بسام يعرف عن صديقه مدى ارتباطه الوجداني بالوطن العربي وكان يشاطره هذا الحنين ولكنه لاحظ وجود خطاب جديد في حديثه وافكار لم يسبق له أن عبر عنها.

واستطرد رمزي يـقـول بعد ان توقف منـتـظرا دون جدوى أي تعليق يأتيه من بسام:

- من قال أنني أشعر بحنين الى وطن سراب كما تـقول؟. السراب هنا في وطن ليس بالوطن وسط مجتمع ليس بالمجتمع. كل حياتنا هنا سراب في سراب ولو اننا نموت جميعا اليوم، أنا وأنت وكل العرب الذين جاؤوا للاطمئـنان على صحة حازم، لما اهتزت شعرة واحدة في رأس أحد في هذا المجتمع الذي نعيش فيه متطفلين غرباء سيان بالنسبة له ان عشنا او متـنا.

وعـقـف بسام حاجبيـه إزاء تلك الكلمات ثم قطب ما بـيـنهما وهو لا يكف عن النظر الى رمزي ثم قال:

لكنني لم أسمعك تردد مثل هذا الكلام منذ أن عرفـتـك، وقد مر على ذلك ربع قرن.
بل سمعتني أعبر عن هذه الافكار أو عن أخرى مشابهة مرارا.

حسنا. ربما. غير أن آراءك اليوم لهي بمثابة قطيعة مع الماضي والحاضر… مع مدريد.
يا عزيزي قل لي بالله عليك، هل أصبحنا نشعـر بمرارة الغربة في هذا البلد إلا منذ سنوات قليلة؟. بل قل لي بصراحة، هل تشعر أنت اليوم بأنك مرتاح في هذا البلد كما كان الأمر عليه قبل عشرين عاما، على سبيل المثال؟.

قطعا لا. ولكن…

وقاطعه رمزي مستطردا:

منذ عشرين سنة … بل ومنذ خمس عشرة … ما كنا لنسمع شتيمة واحدة أو إهانة واحدة موجهة لقومنا وديننا.

وهز بسام رأسه مؤيدا وهم بالكلام لكن رمزي سارع يقول:

أما اليوم فان إهانتـنا أصبحت تشكل ركيزة أساسية لفكر هذا المجتمع وخطابه اليومي.
وهـتـف بسام بقـوة هازا رأسه نفيا هذه المرة:
كلا. إنك تبالغ. إنهم …
وعاجله رمزي قائلا بقوة:
بل هم الذين يبالغون في حملتهم علينا غير أن الكثيرين منا هنا اعتادوا الشتيمة وأصبحت له جلود التماسيح.
وتأفـف بسام وبدا وكأنه ضاق ذرعا بصاحبه الذي واصل الحديث بإصرار وتصميم رغم احتفاظه بهدوء غريب لفت نظر بسام:

انهم يا صاح ما عادوا يروا فينا معـشر العرب … مهما كانت جنسيتنا … إلا متهمين ومذنبين. فإلى متى يا بسام يمكننا أن نحتمل هذا الجور يا رجل.

ولزم بسام الصمت وقد أسقط في يده ولبث لبرهة واجما شارد النظر صوب الأفق الأزرق المستـلقي فوق العـمق الأخضر بجباله الشاهقة ذات الذرى الثـلجية، تماما كما كان يفعل في تلك اللحظة محدثه العـنيد… بل لربما كانا يرقبان نفس النقطة في الفضاء المفتوح أمامهما.
ولزم الرجلان الصمت لبرهة الى أن نطق بسام هازا رأسه كعادته ولكن هذه المرة فيما ينم عن الأسى:

معك حق يا رمزي… ولكن أين المفر؟.

ولم يرد رمزي وساد الصمت مجددا وكلاهما يهيم وجدانه في موقع هناك بين الجبال والسماء لا يعرفانه ولكنهما يشعران به، كل منهما على طريقته. ولم يكن أي منهما يشعر بوجود رفاقهما القابعين خلفهما في غرفة الانتظار اذ كانوا قد لزموا الصمت بين مصغ لمناقشتهما وسارح في هموم يومه وحاله أو قلق أيما قلق على حياة حازم.

وارتفع صوت بسام من جديد مترددا بين جدران الغرفة وقد طرأ عليه اختلاف ورخامه كأنما صاحبه انسان غير بسام:

هنا عشنا حياتنا وعـلينا أن نواصل الطريق. ولا ينسين أحد منا أن لهذا البلد الذي أحببناه سنينا طويلة من عمرنا خصال حميدة كثيرة هيهات أن نعـثر عليها في أي بلد من بلادنا.
واسترق بسام نظرة تجاه رمزي عاد بعدها ينشد موقعا لبصره بين الزرقة والخضرة أو على قمم الجبال فلحظ ما يشبه ابتسامة ارتسمت على شفتي محدثه وخالها مشوبة بالسخرية حتى جاءه صوت رمزي يقول متسائلا في تعجب:

خصال حميدة؟!. ومن ينكر ذلك يا بسام؟. ولكن هذا المجتمع ذو الخصال الحميدة ينكر علينا خصالنا الحميدة كلها حتى أصبحنا في نظره مجردين من أية كرامة. فماذا تـفيدنا بعد ذلك خصاله الحميدة؟!.

وجاءهما صوت من ورائهما قائلا بتهكم وظرافة وبلهجة سورية:

- لأ وشو؟. جميعـنا تـقريبا متـزوجين منهم وابناءنا نصف دمائهم منهم. ولي على قائمتنا شو هبل!!.

وقهقه رمزي وبسام ضاحكين معا في الوقت الذي التـفتا فيه الى صاحب الصوت فاذ به الدكتور وسيم وقد التفت اليه كل من الغرفة بين ضاحك ومقهقه. الا أن المرح سرعان ما تلاشى من جو الغرفة اذ تـنبه الجميع الى السبب الذي اجتمعـوا هناك من أجله.

وعاد رمزي وبسام الى وضعهما الاول ساهمي النظر عبر النافذة وعاد الصمت يخيم على الغرفة.

ثم قال رمزي:

ألأننا أمضينا ثلاثين سنة في هذه الديار أصبح محتما علينا أن نضيع فيها ما تبقى من العمر؟!. أم علينا أن ننتظر ميتة مفاجئة أو حادثا بشعا كالذي أصاب حازم؟!.

مسكين حازم. كان الله في عونه.

ونحن أيضا مساكين ومثـله نحن مصابون وجرحى ولكننا لا نـنـتـبه. الفرق بيننا وبينه أن حالته أصبحت الآن تفوق حالتنا خطورة وأنه ينزف الى الخارج ونحن ننزف الى الداخل. أتعلم يا بسام؟.

ماذا؟

منذ سنين وحازم عازم على الرحيل الى بلد عربي، لكن ظروفا تعـيقه يوما وأخرى يومين… وهلم جرا حتى اليوم.

ألم يستـقر في بلد عربي قبل عشرين سنة ثم عاد الى اسبانيا مقسما أنه لن يبارحها.
- نعم. كان ذلك منذ أمد بعيد عندما لم نكن نشعر بوطأة الغربة وسط مجتمع اسباني كريم.

والتفت رمزي وبسام تجاه باب الغـرفة إذ جاءهما صوت قوي فوجدا ممرضا بزيه الأبيض يقف بالباب سائلا بالاسبانية:

من منكم هو السنيور رمزي؟.

وهتـف رمزي وقد اعـتراه من جديد قـلق عظيم:

أنا رمزي.

الدكتور أحمد يدعوك الى الدخول الى غرفة العناية المركزة.
واندفع رمزي صوب الممرض وخلفه بسام وقد انتفض كل من في الغرفة وقوفا.

وهرع الممرض مسرعا عبر الممر وخلفه رمزي مهرولا يلازمه بسام الذي لم يكن يملك سوى أن يتبعه رغم علمه بأنه لن يسمح له بالدخول لرؤية رمزي. وكانت الأمتار القليلة التي اجتازها رمزي صوب غرفة العناية المركزة كافية لتوفير وقت اضطرمت فيه بين صدغـيه وفي فؤاده شتى ضروب المشاعر المشوبة بالقلق والخوف والتوجس وما يشبه الهلع ان لم يكن هو الهلع بعـينه.

وعلى باب العناية المركزة دفع الممرض الى رمزي بثياب معـقمة خضراء اللون ساعده على ارتدائها فوق ثيابه بما في ذلك خفين قماشيين انتعـلهما فوق حذائيه. ودفع ضفتي الباب المؤدي الى القاعة المهيبة وخلفه رمزي واجما لا ينبس بكلمة فارتدت ضفتا الباب تلقائيا لوضعهما الاول لتغلقا في وجه بسام الذي ظل للحظة متسمرا في مكانه خلف الباب الى أن راح يدور حول نفسه في مشية عصبية شبك فيها يداه خلف ظهره غارزا نظره في مداس قدميه.

تعـثر رمزي سيرا خلف الممرض بين صفين من السرائر ونظره يتردد بينها وجلا لا يلوي على شئ باحثا عن صديق العـمر بعـينين زائغـتين مرتطما نظره بمأساة مسجاة الى جانب مأساة وقد تـكدست عند رأس كل مريض أجهزة ذات أضواء لا تـقل ترددا عن نظره فكأنما هي بدورها تجفل من أن تبوح بالحقيقة فاذ بها مترددة في وميضها أو هابطة صاعدة في مسار خطوطها الضوئية … بل أن بعـض تلك الأجهزة كان يصفر ويولول على ايقاعات الوميض فكأن الجماد استحال في تلك القاعة المشؤومة حيا واعيا وفؤادا هاميا ملتاعا بينما البشر استحالوا جمادا صف على سرائر كأنها فوهات قبور. كل هذا مر في خلد رمزي مرور البرق قبل أن يكـف عن السير ليقف مع الممرض بجانب سرير في آخر القاعة.

بهت رمزي وهو ينظر للمسجى على السرير أمامه والتفت الى الممرض ليستقرأ الحال عبر نظراته فاذ به قد اختفى فكأنه ما وجد قط، فارتد بصره الى محيا صديقه فألفاه مغـمض العينين مستغرقا في سبات عميق وقد اخترق أنفه وذراعه اليمنى أنبوب وحـقـنة وتدلى من فراشه كيس بلاستيكي شفاف فيه ما تبوله المريض وفوق رأسه على رفوف كانت هناك أجهزة تومض وتخطط وتولول في مراقبة دقيقة لمدى بعد المريض عن الموت ومدى التصاقه بالحياة.

وهوى رمزي في بئر الأسى للحظات انتبه بعدها الى الدكتور أحمد وبرفـقته طبيب آخر وهما يقفان بجانبه ويرقبان بصمت وجه حازم. وأمسك الدكتور أحمد بذراع رمزي برفق وقال له بصوت خفيض مومئا بعينيه ناحية زميله:
انه الدكتور مارتينيث الذي أجرى العملية الجراحية لحازم وهو راغب في الحديث اليك.
وتبادل رمزي والدكتور مارتينيث الذي كان قد التقاه قبل ذلك بنحو ساعة نظرة مجاملة تصافحا على اثرها بهدوء قبل أن يدعوه الطبـيـبان الى مرافـقتهما بعيدا عن سرير الجريح.

واعترى رمزي قلق شديد كان انعكاسا لسيمات القلق التي بدت جلية على وجهي الطبيبين وعاجله الدكتور مارتينيث قائلا بدون مقدمات:
كان آخذا بالاستيقاظ بعد انتهاء العملية وقد استبشرنا خيرا لكنه ما أن نقلنا سريره الى هذه القاعة حتى غاب عنا من جديد.

ولاذ الطبيب بالصمت لهنيهة وهو يتفحص وجه رمزي الى أن قال وبصيص أمل يطل من عينيه مرسلا الى عيني رمزي فيسترد هذا بعض الرطوبة في حلقه بعد أن كان قد جف اثر سماع العبارة الأولى:

العملية كما شرح لك الدكتور أحمد كانت ناجحة رغم انها كانت معـقدة وكنا آملين بأن الرجل سيمضي قدما في استرداد صحته لكننا فوجئنا بهذا التحول غير المنـتظر.

وتدخل الدكتور أحمد ليقول:

- نبضات القلب والضغط الدموي والتنفس تسير على ما يرام بالنسبة لرجل في وضعه … لكنه لا يفيق من غيبوبته.

كان الرجال الثلاثة يتحدثون وقوفا في إحدى زوايا القاعة وحركة الأطباء والممرضين والمساعدين حولهم لا تهدأ للحظة. وقال الدكتور مارتينيث:

صديقك ردد اسمك عدة مرات عندما كان في مرحلة الاستيقاظ … لم يردد سوى اسمك … ولقد سألت عنك فأخبروني أنكما صديقان منذ الصغـر.

وردد رمزي متمتما يحاول استجماع قوته وأفكاره:

نعم. بالفعـل.

لذلك طلبتك فان صديقك بحاجة ماسة الى مساعدتك.

ونظر اليه رمزي متسائلا مشتت الفكر منفطر القلب فاستطرد الطبيب قائلا:

صديقك ليس في غـيـبوبة عـميـقة بـعـد … لكنه يمكن أن يكون متجها إليها الآن.

ونطق رمزي يسأل مستميتا كمن يوجد في اللحظة السابقة لقفزه الى اللج العـميق لانقاذ عزيز عليه من بين اضراس موج هادر حتى لو كلفته المحاولة حياته:

وماذا بيدي أن أفعل؟ انني مستعـد لأي شئ.

بيدك الكثير. أنت من يستطيع أن يخرجه من غيبوبته هذه.

كيف؟.

يكفي أن تحدثه… تكلمه … مذكرا اياه بأيام صباكما … داعيا اياه لأن يسمعك وأن يستجيب إليك بفتح عينيه فان لم يستطع فـبتحريك يده فان لم يستطع فبتحريك شفتيه لا أكثر.
وتدخل الدكتور أحمد من جديد:

- اننا على يقين من أنك ستـنـتـشله من غيبوبته قبل أن يزداد سقوطا في أعماقها.

ورد رمزي قائلا بحماس شديد:

سأفعل كل ما بوسعي. إن هناك الكثير لأحكيه له.

وهنا اتجه الدكتور مارتينيث سائلا الدكتور أحمد:

ألا تعرفون شيئا عن زوجة صديقكما؟ ألم تصل بعـد؟.

فأجابه الدكتور أحمد:

كلا. لم تصل بعد. اننا بانتظار وصولها من لحظة الى أخرى. الرحلة من بلدها الى مدريد ليست بالقليلة.

وضغـط الدكتور مارتينيث شفتيه ورفع حاجبيه علامة التعجب قبل أن يـبتعـد عـنهما عبر القاعة المهيـبة.

وأسدلت الستائر البلاستيكية البيضاء حول سرير حازم وجلس رمزي إلى يساره على كرسي حتى أصبح فمه بمحاذاة أذن صديقـه. ودعا الدكتور أحمد ممرضة وطلب منها انتباها خاصا الى حازم ورمزي حتى تبلغه فورا بحدوث أي تغير يطرأ على حالة المريض. وأصبح رمزي وصديقه لوحدهما بين جدران بلاستيكية ثلاثة ورابع اصطفت على رفوفه الأجهزة الطـبية.

ونظر رمزي الى وجه حازم وقد بدا شاحبا بعينين مـغـمضتين وشفتين مطبقـتين جافـتين. ولم يدر كيف يبدأ حديثه لـصديقه رغم وعيه بأنه كان في سباق مع الزمن. ووجد نفسه في موقف حرج للغاية… فمن أين يبدأ؟ ماذا يقول له؟ أيقول له هيا استيقظ يا حازم فان الحياة ما زالت أمامك رحبة وهنالك الكثير بعـد كي تعيشه؟. فكر بهذا ولكنه لم ينطق به. وتفحص بعـينيه من جديد وجه صاحبه فاذ بصورة هذا الوجه صبيا نضرا تحط على عـقله كما يحط عصفور وديع على غصن دون غيره من الاغصان ودون سابق إنذار. وإذ بأمواج الخليج تـتردد وديعة كعادتها هي أيضا على أمتار قليلة منهما، هو وحازم …هناك على الشاطئ … والجو لطيف والليل يملأ فضاء الأرض والبحر لا تهتـك ظلمته سوى أضواء المصابيح المصطفة عل جانبي شارع الخليج… أتذكر يا حازم؟… أتذكرها من أيام عـشناها وما كنا نشعر أنها كانت تـتـفلت من أيدينا خلسة تماما كما يتـفـلت العـمر رويدا رويدا دون أن ننتبه اليه... أتذكر تلك الأيام والليالي العـصـيبة من شهر مايو من كل عام عندما كنا ندخل معـمعـة الامتحانات النهائية... أتـذكر دراستنا سويا استعـدادا لامتحانات التوجيهية جلوسا تحت مصابيح شارع الخليج شأننا شأن العشرات من أترابنا المتـناثرين هنا وهناك على الشاطئ؟.

وانتبه رمزي الى نفسه متحدثا الى صديقه وانتبه الى دموع تهمي على خديه فلم يأبه بها ولم يحول نظره عن وجه حازم متـشبثا بالعـصفور الوديع وبالوجه الـنضر وبالشاطئ وأمواجه والليل البديع … نعم … وبمراهقين تحلقوا تحت الأضواء المشعـشعة بحجة استذكار دروسهم بين دفات كتب ودفاتر تـسـترق عيونهم الغــضّة نظرات وجله تجاه الليل البهيم الجاثم على صفحة المياه فلا يكادون يدركون له بعدا ولا عـمقا فيرتدون بنظرهم جزعين صوب صحب وكتب وبسمعهم الى أصوات مناقشات كانت تدور قريبا منهم بل وإلى أغاني كانت تـنبعـث من حناجر الشباب من حولهم مرفقة بالصفقات الخليجية الحلوة. أتذكر يا حازم أغنيتـك المفضلة آنذاك " صوت السهارى" وكيف كنت تغـنيها لوقت طويل دون ملل ولا سأم فما أن تسمع أحدهم يطلقها من حولنا حتى تطـلق العـنان لصوتك البديع محاكيا صاحب الأغنية عوض دوخي لتـلـم عـلينا الساهرين من حولنا حالما يسمعون منك: " صوت السهارى يوم / طلوا علي / عـصرية العـيد"… إلى أن تـقول: " ياللي بقيت بعيد اليوم دا يوم عيد… عيدك وعيدي أنا "؟. هذه الأغنية التي كانت تثير بكاءك في سنوات غربتـنا الأولى ثم لم أسمعك تغـنيها بعد ذلك … بل لم أسمعك تغـني قط منذ سنوات طويلة. إيه يا حازم … لو أنك تفيق إلي وتـنهض لكانت لنا عندئذ رحلة جديدة إلى أرض الكويت حيث الجنة المفقودة من حياتنا والتي نكاد نلمسها بأصابعـنا كلما عدنا الى تلك المراتع. أتذكر تلك الحلقات السامرة … وما كان يدور بيننا فيها من نقاشات سياسية ووطـنية لا أول لها ولا آخر … ولكن دعـنا من هـذا وتذكر معي ما كنا نتجاذبه فيها من سير مـغامرات غرامية ما كنا نعرف إليها سبيلا على أرض الواقع وحكايات عن بنات كنا نشاهدهن خلسة وننسج عنهن في حلقاتنا من القصص ما لم يكن هناك سبيل إلى حياكته فعلا وعـملا.

وافـتــّرت شفتي رمزي عن ابتسامة خالها باهتة فوّسعها أكثر فأكثر حتى كاد يقهقه والدموع عالقة على وجنتيه لا هو يمسحها ولا هي تـفارقهما فكأنما استحالت جزءا منهما. ونكس رمزي رأسه والابتسامة آخذة بالـتـقـلـص وركز نظره على الأرض واستطرد يقول:

- أتعرف يا حازم… كأنني بنا الساعة هناك في سهراتنا تلك. المياه أمامنا والشارع خلفنا يأتينا منه ضجيج سيارات معـربدة تمر متسابقة بالاتجاهين وعلى متـنها شلل من أترابنا الموسرين ممن كانوا يمارسون فنون " التـشفـيط" و " التـشحيط" بعـربات جبارة وقد علا صياحهم ولـغـطهم. يالها من أيام تلك يا حازم عندما كنا ننظر الى تلك الشلل من زملائنا في الدراسة آسفين عليهم في ضياعهم وخيـبتهم الدراسية متصورين في سذاجـتــنا أن حياة الانسان هـي كمعادلة رياضية معـطياتها ثابتة ونتائجها واحدة لا تـتـزعـزع ولم نكن ندرك بعـد أن الحياة هي أبعـد ما تكون عن واحد زائد واحد يساوي إثـنين وأن واحد زائد واحد هذه يمكن أن تتحول في رحم السنـين الى ما حصر له من نتائج لا علاقة لها باثـنيـن.

وصمت رمزي برهة تـفحص فيها مجددا وجه صديقه ينشد فيه بارقة أمل مهما كانت … ولو مجرد إيماءة خفيفة. ولكن الوجه المسجى كان ساكنا بشكل بـث المزيد من القـنوط في نفس رمزي. إلا أن الرجل استجمع قواه ورفض أي بادرة استسلام وعاد يتكلم موجها كلامه مباشرة الى أذن حازم:

- أتذكر يا حازم كيف كنا نهرب من بيوتـنا الى شارع الخليج مثل غيرنا من مئات الطلاب … منا من كان يهرب في تلك الليالي من لظى الحر في البيوت الأسمنتية أو من الزحمة داخلها أو لمجرد الابتعاد عن رقابة الوالدين… أو لمجرد الانضمام الى الأصحاب والأتراب في حلقات كان فيها من السمر أكثر مما كان فيها من الدرس. كان كل منا يـعـد لمستـقـبـله على طريـقـته هناك على شارع الخليج… وياليته ما كان من مستـقـبل وياليـتـنا كان لنا حظ أولئك الأتراب ممن لم يرمهم قدرهم خارج الوطن الكبير فمكثوا فيه يعـيشون حياتهم وذاتهم... يـتـرعـرعون ويكبرون، ويفرحون ويعانون... يحبون ويخلفون ويُرَبون... ولكن دوما على أرض كيانهم وذاتهم... غير مُجـتَـثة جذورهم ولا هم مُقـتَـلًعـون اقتلاعا ليُرمى بهم في أرض غريـبة على تـربة مناوئة يجفون فيها ويذبـلون.

وصمت من جديد… دعك من تـفـتـيح الجراح … هذا لن يجدي… بل اختر لحازم قصة من قصص زمان … من عهد الصبا… قصة يحبها فـتـبعـثه اذا سمعها من غيـبوبته وترده الى كامل نشاطه. نـعم … إن لديه من هذه القصص التي يحبها حازم ما يكفي لأيام كثيرة وبدون توقف. سأذكره بمدرسة حولـّي المتوسطة … بل بثانوية الـدّعــيّـة وصفوف الصباح فيها وما كنا ننشده فيها من أناشيد وطنية كنا فيها نحيي الكويت ونمـجّـد فـلسطين وأمة العـرب من المشرق الى الـمغرب … ببـذاتـنا الرمادية وقمصاننا البيض … وبمدرسين وزملاء قادمين من أنحاء الوطن الكبير… سأذكره بزميلنا الكويتي يعـقوب ذلك الفنان الرسام منذ نعومة الأظفار وكيف كان يستقبلنا كل صباح اذا ما دخلنا الفصل وعلى السـبّـورة عبارة كتبها بخط بديع تـقول لنا جميعا:"بترول العـرب للغـرب" وقد وضع علامة x على نـقطة الغــين. أتذكر يا حازم ثانويتـنا التي كانت تفور وطنية عروبـية والتي تعـلمنا في فصولها وساحاتها أن فلسطين تـفدى بالروح ويـبذل من أجلها الغالي والثمين. ولكن … أعذرني.. أعود دائما إلى تـفتيح الجراح، ولكنها المواضيع التي تستحوذ على اهتمامنا كلما التـقينا، دائما نحن بسيرة ثانـويتـنا وما كان يجري فيها آنذاك من مخاض ثورة وبذور كفاح كنا نعـيشها بكل جوارحنا … تلك الثورة العاصفة التي هزت الأرض تحت أرجل الغـزاة في الأرض المباركة لربع قرن من الزمان وانتهت باغـتيال مدرسنا الحبيب عندما قال لا لغـزو الأرض الحبـيـبة التي تـرعـرنا فـيها معـه.

كان رمزي يتحدث الى صديقه بصوت رخيم هو أقرب ما يكون إلى الهمس بينما كان يشعـر أن كرة المرارة تكبر في حلقه وتـشتـد صلابة… وكان ما زال يقاوم الدمع الهامي كلمة فكلمة … وكيف لا وهي حياته التي ذهبت حتى تلك اللحظة أدراج الرياح. وبعـد لحظات من صمت استرد جأشه وعاد يتحدث إلى صديقه وشعـور قوي يخالجه بأنه كان يسمعه… وكيف لا يسمع هدير عـمر مضى حتى ولو كان غائبا عن الوعي … فان حياتنا الماضية تبقى حية دوما ولكنها لا تعـيش في الوعي بل في الروح. واستطرد يقول:

- ما عـلينا الآن من هذا كله يا حازم … فـقـد كان في الدعيـة أيضا صديـقـنا نادر… آه سأذكرك بنادر… نادر العـلي … ابن حضرة الناظر. أتذكره؟ طبعا أنت تذكره فأنت الذي تـفـتح سيرته دوما بكثير من المرح. إنك تحبه كما أحبه. فقد كان زميلـنا الأخف دما وصاحب النكتة الحاضرة دوما. أتذكر يوم أن أيقـظه من نومه في الفصل معلم الانجليزية؟… كأنـّـني أراه الآن أمامي … كان نادر مستـغرقا في نومه أثناء الحـصة ملقيا برأسه على منضدته، فـوقـف المعلم الى جانبه ينظر اليه بازدراء ويجـّول النظر بيننا نحن الطلبة كأنما ليجعـلنا شهودا على الجريمة التي كانت تـقترف أمامنا في وضح النهار. أتذكر كيف قام المعلم بعد ذلك بهز كتف نادر قائلا له بلهجته المصرية: - "والله عال يا سي نادر، ما هـــّوه خلاص دي بقت لوكاندة الدعـيّة مش ثانوية الدعـيّة". ثم أتذكر يا حازم كيف هـــّب نادر من مقعـده لاعـنا شاتما إذ راعـته يد المعـلم وهي تهزه وراح يردد هو الآخر بلهجته المصرية:- "هوه الواحد ما بـيعـرفش ينام في المدرسة الزفت دي وّلا إيه؟ دي حاجة تـقرف"، وكيف انفجر كل تلاميذ الفصل ضاحكين؟. وكم ضحكنا مع نادر بعد ذلك وكم ضحكنا لوحدنا في الغربة بعد مرور السنين كلما تذكرنا وجه المعلم إذ فاجأه فزع نادر ورده الساخر وكيف تـقـلب وجه المعلم من لون إلى لون غضبا وحنـقا إذ سمع رد تـلميذه النبيه فحار فيه جوابا، لاسيما وأن الأمر كان يتعـلق بابن حضرة الناظر. ما بيوم تذكرنا فيه تلك الواقعة حتى انفجرنا ضاحكين ومتسائلين عما خبأته الحياة والقدر لصديقـنا نادر الذي لم نـعد نـعرف عنه شيئا منذ سنوات طويلة.

وبهت رمزي إذ رآى ما يشبه الابتسامة وقد ارتسمت على شفتي حازم. وسرعان ما زالت شكوكه اذ رسمت شفتي المريض ابتسامة واضحة المعالم لم يكن فيها مجال للشك. وحملق رمزي في وجه حازم ثم هتف باسمه بقوة في نبرات مختلفة بين سائل أهذا حقيقي وفرح بجنون بأن ما كان يراه حقيقي فعلا. واذ بصوت حازم يأتيه واهيا دون أن يفتح عينيه ودون أن يبدى أية حركة غير التي كانت تـقـوم بها شفتاه بضعـف:

رمزي… أنت هنا؟. رمزي تابع حديثـك عن نادر وعن الدعـيـّـة.

ولم يتمالك رمزي سوى أن اقتحم الستارة منطلقا للبحث عن الممرضة المكلفة بحالة حازم فاذ به وجها لوجه مع الدكتور أحمد والدكتور مارتينيث والممرضة وهم يتهامسون على بعد أمتار قليلة من سرير حازم وعلى وجوههم أشد علامات التجهم. وتحولت نظراتهم جميعا اليه فكاد أن ينقلب على عـقبيـه اذ انقبض صدره بشدة دون أن يدرك شيئا بعـد… فعلام هذا التجهم وقد عاد حازم الى رشده وخرج من غـيـبوبته. ومد الدكتور أحمد بيده تجاه رمزي اذ رآه يقترب حتى أمسك بيده بين مصافح وقابض وقد هيمن الصمت عليهم جميعا. وسأل الدكتور مارتينيث الممرضة عن غرفة الاجتماعات فقالت له أنها خاوية فتوجهوا إليها يسيرون بما يشبه التـلكؤ ورمزي خلفهم ويده في قبضة الدكتور أحمد لا يفلتها فكأنه كان يجره جرا صوب الغرفة المتاخمة لقاعة العناية المركزة.

وانطبق باب غرفة الاجتماعات عليهم ودعاهم الدكتور مارتينيث للجلوس والتجهم يزداد تمكنا من وجهه لكن وجه زميله العربي كان أشد تجهما بينما كان القلق يجتث أعصاب رمزي اجتـثاثا. وجال رمزي بنظره بين الطبيبين والممرضة وانتبه لأول مرة الى براعة حسنها وسحر عينيها فكأنما كان يبحث عن مهرب من ذلك الطوق الذي وجد نفسه محبوسا فيه خلف الباب المغـلق، ثم تمتم يقول وهو يتفحص عيون الآخرين بوجل:

- حازم استيقظ. كلمته حتى استيقظ وكلمني.

ورد عليه الدكتور مارتينيث قائلا:

أديت المهمة على أحسن ما يكون ولعـلك أنقذت حياة صديقك.

وأشار الطبيب الى الممرضة مستمرا في حديثه الى رمزي:

زميلتنا كارمن قد أخبرتنا بكل شيء. لقد كانت تراقب المريض معـك دون أن تراها ولقد روت لنا ما عانيته أنت بنفسك في أداء هذه المهمة.

واستمع رمزي للطبيب بصمت وانتظار اذ كان يشعر أن كلاما خطيرا سيتدفق بين لحظة وأخرى من فم مارتينيث. وتملكته حيرة رهـيبة فماذا عساهم يخبـؤون له ولماذا لا يسرون باسترداد حازم لوعيه وهم الذين كانوا قبل قليل يبدون غاية الاهتمام بالوصول الى هذه النتيجة وانقاذ صديقه!!. ولم ينتبه رمزي في تلاطم افكاره الى ما كان يقوله الدكتور مارتينيث الى أن وجده يمد يده عبر الطاولة المستديرة ويضعها فوق يده ويهزها برفق وهو يقول:

سنيور رمزي. أراك غائبا عنـا… انتبه الينا أرجوك فانني أقدر ما يجري في خلدك ويثير قلقك وأصارحك أن المسألة في غاية الخطورة ولا ندري من أين نبدأ بشرحها لك فاننا بقدر ما نخشى على صحة صديقك نخشى أيضا عليك، ولكننا على يقين من أنك ستكون من الصلابة بما يستدعيه الموقف.

وشعر رمزي اذ سمع العبارة الأخيرة وقد هوى قلبه وجف حلقه وزاغ بصره، فحرك لسانه بصعوبة يريد أن يتمتم بأي شيء مـتـلـفتا الى الطبـيـبـين بعينين مستغـيثـتين فجاءه صوت الدكتور أحمد مرددا بالعربـية:

انها كارثة يا رجل … انها لكارثة!!.

وانطلق صوت رمزي من محبسه مرددا بالاسبانية:

ماذا؟ أية كارثة تعـني؟.

وهنا سحب الدكتور مارتينيث يده مطلقا يد رمزي وهو يقول بأسى:

انها زوجة صديقك. الأمر يتعلق بها.

ما الذي حصل؟.

وقع لها حادث في الطريق السريعة وقد فارقت الحياة.

وما أن سمع رمزي الخبر حتى هب من مقعـده وأخذ يدور حول نفسه كالطير الذبيح مرددا بصوت كالفحيح خالطا العربية بالاسبانية:

يا الهي!. انها حقا لكارثة. أماليا ماتت؟ غير معـقول!. انه يحبها بجنون. غير معـقول!.

ثم انتبه الى نفسه والى الطبيبين والممرضة فصمت وعاد الى مقعـده ومرت لحظات صمت قبل أن يتمكن من النطق بلسان سليم فيقول:

وأخوها؟. كانت قادمة الى مدريد مع أخيها. هل حصل له شيء هو الآخر؟.

ورد أحمد يقول:

أماليا كانت تقود السيارة بنفسها و كانت قادمة الى مدريد بـمفردها.

وراح رمزي يضرب الكف بالكف وهو لا يخرج من ذهوله من شدة وقع الخبر عليه مرددا بصوت خفيض وبالعربية:

- لاحول ولا قوة الا بالله.

وجاءه صوت الدكتور مارتينيث من جديد ليقول له برفق ورجاء:

سنيور رمزي. عليك أن تساعدنا وتساعد صديقك من جديد. يجب علينا أن نخفي عنه هذا الخبر لأطول مدة ممكنة فهو في حالة صحية حرجة لا تدع مجالا لتحمل خبر من هذا القبيل.
وهز رمزي رأسه موافقا وهو يقول:

سأفعل المستحيل حتى لا يلاحظ شيئا وان سألني عن زوجته فسأقول له أننا لم نخبرها بالحادث الذي وقع له.

وردد مارتينيث بارتياح اذ رآى كيف استرد رمزي في لحظات رباطة جأشه:

- عظيم. فكرة ممتازة. ونحن سنفعـل نفس الشيء وسنمنع قيام أحد بزيارته باستـثـنـائك وصديقكما بسام الذي حدثني عنه الدكتور أحمد.

وانفض الاجتماع وطلب رمزي من الدكتور أحمد أن يحل بسام مكانه الى جانب سرير حازم ريثما يسترد هو أنفاسه وتهدأ أعصابه.

وغادروا قاعة العناية المركزة وتخلص رمزي من الثوب المعقـم وهرع باحثا عن بسام فوجده بانتظاره وكله تجهم ووجوم فصافحه متسائلا:

هل أخبروك بالمصيبة؟.

- نعم. مسكين حازم. يا له من يوم مشؤوم.

وبينما اتجه بسام الى باب غرفة العناية المركزة سار رمزي ينشد بوابة المسـتـشـفى ومنها الى إلى الساحة الخارجية حيث كان ينتظره الهواء الطـلـق وقد توارت الشمس خلف المباني القريبة وهبطت أولى جحافـل الظلام على المدينة. وأطـلـق رمزي ساقيه مسرعا لا يدري الى أين… ولعـله كان قد تاق إلى أحضان المدينة لتمسح عـنه بعـض هـمومه واستحضر في ذهـنـه أحداث يومه الأليم وما دار فيه من جدل بينه وبين بسام حول مدريده هـذه التي خالها في تلك اللحظات وقد أشاحت بوجهها عنه غاضبة ومؤنبة. ووجد نفسه يرفع ياقة معـطفه ويغـرز عـنقه بين كتفيه اتـقاءا من البرد داسا يداه في جـيـبي المعـطـف ومستـنشـقا بقوة ليملأ صدره من هواء مارس بينما كان يرفع عينيه الى السماء التي كان لونها الأزرق الداكن قد بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة بين جنبات ظلام أسود كأنه الفناء بعـينه.

وارتد بصر رمزي الى أضواء المدينة وحركتها مرددا بقوة وعزم وتفاؤل كأنه كان يرمي بها في وجه الظلام وهو مدرك أنه منته لا محالة الى نهار جديد:

- لـقد آن وقت الرحيل يا حازم. لكم أجلناه المرة تلو المرة. هناك بين ظهراني قومنا سنسترد بـعضا من ذاتـنا المـفقودة وسنبحث عن جذورنا التي ما زالت ضاربة في الأرض ولعـله يقـدر لنا أن نعيش ما تبقى لنا من العـمر في وسط الحياة كما اعتدنا أن نفعـل في الدعية ونكف عن العيش على الهامش كما قدر لنا في هذا البلد. نـعم يا حازم … سنعـود بنفس مثخنة بالجراح، لاسيما أنت يا صديقي وقد فقدت رفيقة عـمرك، ولكننا هنالك … على الجانب الآخر من المضيق... شرقا كان أم غربا... سنسترد أنفسنا ونعـيد أمور حـياتنا إلى نصابها قبل أن يصل بنا قطار العـمر إلى المحطة الأخيرة.

إنتهت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى