الأربعاء ٢٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٢
بقلم فيصل سليم التلاوي

بوشبكة

قرر خليل السالم أن يغادرهذه البلاد التي أحبها حُبًا جمّا، وتَوَلَّهَ في خضرة جبالها وأوديتها، وصفاء بحرها، ودفء رمال شواطئها.حيث كان يمضي صيفه مثل نورس بحري بين رمال الشاطئ وزبد الماء متنقلا بين منتجعات (قصر الصنوبر) و(زرالده) و(سيدي فرج).

لم يختر لمغادرته أقصر الطرق المؤدية نحو الشرق، بل اختار أطول الطرق، طريق البحر الذي أحبه إلى حد العشق. بل وتعمد أن يُعرِّج على المدن والمعالم التي رآها من قبل، والتي لم يرها، وتوقف مليا في كل محطة كأنه يودع هذه الأماكن العزيزة على قلبه الوداع الأخير. فما الذي سيعود به مرة ثانية ليقف فوق أطلال قلعة بني حماد، ويلقي نظرة أخرى على خليج "بجاية" الساحر .

إنه يتعمد الإبطاء في سيره، والتوقف لساعات طويلة، بل والتجوال على قدميه في شوارع "جيجل"و"سكيكدة"، ويبيت ليلته الأخيرة من مغربها إلى فجرها في الساحة الرئيسية في وسط "عنابة" داخل سيارته الصغيرة، التي حوّلها إلى مسكن إلى جانب كونها رفيقة سفر، عندما نزع المقعد الذي يجاوره، وطواه فوق المقعد الخلفي ليفترش أرض السـيارة في ساعات نومه واستراحته، فهويُقَدِّرُ لهذا السفر الطويل من الجزائر إلى القاهرة مدة لا تقل عن أسبوع. إنه ليس مستعجلا على شيء، ولا يريد أن يطوي الأرض طيا. بل يريد أن يسير متأملا سائحا يمعن النظر، ويلتقط الصورالتذكارية، ويقتني البطاقات التي تذكره بكل مدينة مرّ بها.

إنه الآن مع شروق الشمس يقف أمام المنفذ الحدودي في الطرف الشرقي من الجزائر، ينتظر الحصول على تأشيرة المغادرة النهائية، التي اختارها بنفسه.

ربما كان هو أول عابر يمر بهذا المعبر في هذا الصباح، فلم تستغـرق إجراءات مغادرته سوى دقائق معدودات.

عندما تهادت عجلات سيارته خارج المعبر داهمه حزن عميق، وأحـس كأنه يسير في الفراغ أو يهوي في قرار سحيق.غمره طوفان من الحنين، وندم على قرارالمغادرة النهائية الذي اتخذه، وتذكرسنواته الأربع التي أمضاها هنا بأيامها ولياليها، بكل تفاصيلها، ودَّ لو يتراجع عن قراره، لكن سبق السيف العذل.

كانت أسراب اليمام والحجل تنتشر في الفضاء مع بداية نهار جديد، وبعض الأرانب البرية تقفز هنا وهناك على جانبي الطريق، في هذه الغابة الفاصلة بين المعبرين، والتي يبلغ عرضها بضعة كيلومترات، تركت هكذا عريضة منذ أيام الاحتلال الفرنسي، لتسهل كشف المتسللين من المجاهدين عبر الحدود إبان عهد الثورة الجزائرية .

كنت أول من وصل إلى مركز الحدود في الجانب التونسي فـي"طبرقة" في ذلك الصباح، وتقدمت بجواز سفري نحو شباك القادمين. ألقى موظف الجوازات نظرة على تأشيرة الدخول ثم قطب جبينه وأعاد الجواز إليّ وهو يقول:

 دخولك من "بو شبكة" وليس من هنا.

 لكن موظف التأشيرات في السفارة أكد لي أنه يمكنني الدخول من أي معبر ما دمت قد حصلت على التأشيرة، فقد راجعته مرتين للتأكد ولولا ذلك ما جئت من هنا.

 لا دخل لي. لقد سجلوا على تأشـيرتك: منفذ العبور" بو شبكة "،وعليك العودة إليها.

 كيف أعود إليها وقد ختموا جوازي في المنفذ الجزائري:مغادرة نهائية، سيطالبونني الآن بتأشيرة دخول، فمن أين أحصل عليها؟

 إنها ليست غلطتي، ولا داعي لإضاعة وقتنا في جدالك الكثير.

تناولت جواز سفري وابتعدت قليلا إلى الوراء، وأنا أحس أن الدنيا تدور بي دورانا عنيفا، وصداع يكاد أن يفجر رأسي تفجيرا، وجلسـت على الأرض وقد أسندت ظهري إلى جذع شجرة محاولا أن أستجمع قواي، وأفكرفي طريقة للخلاص من هذا المأزق.

مضى ما يزيد على ساعة من الوقت، وأنا في إطراقتي تحت ظلال شجرة الصنوبر العملاقة.

مرّ أمامي كثير من العابرين والعابرات، كلهم من ذوي العيون الزرقاء والشعور الصفراء، أوروبيون من مختلف الجنسيات عبروا الحدود بيسروسهولة، وإجراءات لم تستغرق سوى لحظات لكل منهم. و لبثت وحدي مطرقا، أسند خدي بيمناي وظهري إلى جذع شجرة الصنوبر الضخمة مقابلا لشباك الجوازات، آملا أن يرق قلب المأمور لحالي فيريحني من عناء مسيرة طولها مئات الأميال جنوبا نحو المعبرالصحراوي في"بوشبكة"، الذي خصص لأبناء الصحراءأمثالي، بينما خصص هذا المعبـر في هذه المنطقة الخضراء ليتناسب مع رقة السائحين من أبناء الشمال.

وتدافعت أمام ناظري مشاهد آلاف المجاهدين الذين كانوا يمرون من هنا ليلا و نهارا ذاهبين آيبين، دونما استئذان أو تأشيرات رغم الحراسات المشددة والكلاب البوليسية، والأسلاك المكهربة التي ابتدعتها فرنسا، وأحاطت بها نفسها لتمنع تسـللهم، صحيح أن بعضهـم كان يستشهــد هنا مبكرا، وآخرون يسقطون جرحى أو يقعون أسرى، لكن غالبيتهم كانت تمر من هنا، أو إلى الجنوب قليلا في ناحية "ساقية سيدي يوسف" أفواجا متتابعة مثل موج البحر، ملتحقة بجبهة التحرير الوطني، معتصمة مثل النسور بقمم جبال الأوراس. كلهم مروا من أمامي وخلفوني وحيدا عاجزا عن العبور.

غاب خليل السالم عما حوله لحظات، وارتسمت في مخيلته صورة فتى صغيرفي بداية العقد الثاني من عمره، يعيش في قرية مجهولة في أحد أقطار المشرق العربي، ينظم أبياتا من شعر ركيك لأول مرة في حياته، ويقدمها لمدرس اللغة العربية، أبياتا تمجد بطولة "جميلة بوحريد"، وأخرى تلهج بصمود "بنزرت" وجلاء المستعمرين عنها. فيربت الأستاذ على ظهره مثنيا ومشجعا، ويصحح له بعض الأخطاء النحوية والعروضية. ثم يجد نفسه يقف ساعات طوال في طابور طويل ليقدم طلب التأشيرة، وينتظر أسبوعين كاملين لينالها، ثم إنه يعود مرتين إلى الشـباك مستفسرا عن إمكانية الدخول من طبرقة، إذا كان منفذ العبور المسجل غيرها، فيؤكد له الموظف أن ذلك ممكن.

ما كان يريد شيئا من إطالة طريقه سوى أن يعرج على"بنزرت" التي تعلق بها قلبه صغيرا، فغنى لها أولى أغنياته، فيقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.

ويمر بالمرسى وحلق الواد ويعبر بحرالزيتون الملتف حول "خليج قابس"، لتظل هذه المشاهد حية في ذاكرته.

لم يكن خليل السالم قد شاهد أو سمع بفيلم "الحدود" لدريد لحام، وربما كانت حكايته سابقة لذلك الفلم على الأغلب، وإلا لوجد لنفسه عزاء في بطل ذلك الفيلم، وتخيل نفسه نجما سينمائيا، أولأعانه ذلك على أن يجترح طريقة للعيش تمكنه من البقاء عالقا بين شرقستان وغربستان.

حتى مخيم "مساعد" على الحدود الليبية المصرية، الذي أقيم للمطرودين من ليبيا

للعودة قسرا إلى فلسطين، الذين طردهم القذافي بعد اتفاق أوسلو نكاية بياسر عرفات، كان تجربة حديثة جدا. فقد كانت تجربة خليل السالم الذي علق بين الحدين سابقة لغيرها من التجارب التي اشتهر أمرها .

ارتفعت الشمس وتبخرت معها آماله في أن يرق لحاله أحد من موظفي معبر الحدود، ولم يجد أمامه ملاذا سوى العودة من حيث أتى، واستدار بسيارته بطيئا مهموما يفكر في الموقف المقبل:

 ماذا لو رفضوا عودته ليعبر متوجها جنوبا إلى "بو شبكة" و قالوا له:

 لا بد لدخولك من تأشيرة دخول. و من أين يحصل على التأشيرة التي لا تُمنح إلا من سفارة في عاصمة، وأنى له الوصول إلى عاصمة، وهوعالق بين الحدين .

وصل إلى المركز الذي غادره منذ حوالي ساعتين، وتقدم يائسا يجر خطاه نحو الموظف الذي ختم له تأشيرة الخروج. وعلى عكس ما توقعه من رفض الدخول، فقد خيّب الموظف توقعاته هذه المرة، وقابله بابتسامة ساخرة، كأنه بطول خبرته كان ينتظرعودته، ويعلم أن هذا المعبر مخصص لأصحابه فقط. وقبل أن يتكلم شارحا الموقف بدأه الموظف قائلا :

 ردوك إلى بو شبكة؟ أليس كذلك؟

 نعم. قالها خليل السالم وهو يكاد ينفجر غيظا وهمّا.

 الله غالب، ربما تصل مع الغروب. قالها الموظف وهو يتناول جوازسفره ويلغي ختم المغادرة.

انزاح جزء من الغمة عن صدره بالسماح له بالدخول. وتذكر أنه لم يترك معه شيئا من النقود المحلية وهو يغادر. فكيف سيتدبر أمره بقية هذا النهار. طمأن نفسه إلى أن خزان الوقود في سيارته ممتلئ، وأنه يكفي لإيصاله إلى نقطة الحدود الجديدة إذا سارت الأمور سيرا طبيعيا، ورأى أنه لا رغبة لديه في طعام أو شراب بقية هذا النهار. انطلق بسيارته جنوبا يصعد جبلا ويهبط واديا، مرورا بمدينة "سوق أهراس" وختاما بمدينة "تبسة". لكنه لم يعد يتأمل الأماكن التي يمر بها، وما عاد يشعر بالدفء والحنين كلما مر على وهدة أو ربوة من الأرض.

كانت الشمس قد مالت للمغيب عندما أنهى خليل إجراءات دخوله في معبر "بوشبكة" الصحراوي في جنوب تونس. بعد أن اجتاز المعبر بأمتار قليلة استوقفه شاب وشابة يحمل كل منهما حقيبة على ظهره، وقد وقفاعلى قارعة الطريق يشيران بإبهاميهما إلى الأعلى، علامة الإركاب المجاني التي يشاهدها كثيرا على الطرقات في بلاد الغربAuto stop توقــف خليل بسيارته أمامهما وسألهما:

 إلى أين؟

 إلى أول مدينة تونسية.

 تفضلا.

فتحا الباب وصعدا إلى المقعد الخلفي وراءه. كانا فرنسسين. سألاه وقد لمحا عليه علامات التعب والإعياء:

 هل سافرت من الجزائر العاصمة إلى هنا مباشرة دون توقف؟

 لا. وحكى لهما حكاية إعادته من" طبرقة "هذا الصباح. ارتسمت الدهشة والعجب على وجهيهما وهما يطالعان بعضهما بعضا ويسألان خليلا:

 هل أنت عربي؟

 نعم. وأنتما هل تأشيرتكما إلى" بو شبكة " فاضطررتما للقدوم إلى هنا؟

لم يجيبا بشيء بل ازدادا استغرابا وحرجا، وكأنهما لا يرغبان في البوح عن منفذ العبور المحدد لهما. و أردف خليل قائلا :

 ارتبت في أمرهما، ولعبت الوساوس في رأسي، وندمت على أنني أركبتهما معي، فقد يكونان متسللين بطريقة غيرشرعية، وماذا سيكون موقفي لو أوقفتنا دورية تفتيش، واكتشفت أنهمـا بدون أوراق رسمية، ومسؤوليتي عن حملهما ونقلهما عبر الحدود .

مضيت بعيدا في هواجسي إلى الحد الذي قررت فيه أن أتاكد من تأشيرتيهما، أو أنزلهما على قارعة الطريق في هذا المكان الصحراوي المنقطع، وقد بدأ الظلام يلف الأرض شيئا فشيئا. وبادرتهما من جديد وأنا أهدئ من سرعة سيارتي :

 لم تخبراني عن تأشيرتكما، أي معبر حُدد لكما؟

وكأنما فطنا لشكوكي، وخشيتي من حمل أشخاص يعبرون الحدود بصفة غير شرعية فأجابني الشاب :

 لقد خجلنا أن نجيبك عندما سألتنا في المرة الأولى، خجلنا أن نقول لك أننا لا نحتاج لتأشيرة دخول، ولا نحمل جوازات سفر، وأننا ندخل بالبطاقة الشخصية فقط بينما تواجه كل هذه التعقيدات! خشينا أن يجرحك جوابنا فآثرنا الصمت، ولكنك أرغمتنا علــى الجواب بمعاودتك السؤال.

وعلى أي حال فنحن آسفون لما أصابك هذا النهار، وآسفون لما أبلغناك به من تسهيلات دخولنا و خروجنا .

لزم خليل الصمت قرابة ساعة أخرى من الزمن، هي مدة المسافة المتبقية للوصول إلى مدينة "قفصة" أول مدينة تونسية .

أوقف سيارته في منتصف البلدة، ودّعه مرافقاه الفرنسيان وشكراه على الإركاب وأسفا لحاله، ولما أخبراه به من معلومات زادته انفعالا وتوترا فوق ما قاساه في هذا اليوم، الذي كان أطول يوم في حياته، وتمنيا له سفراسعيدا، وحمّلاه تحية خاصة إلى الأهرامات. نزل من سيارته يجر خطاه باحثا عن أول فندق يريح فيه بدنه من وعثاء السفر المضني، ومما كابده من عناء منذ فجر هذا اليوم .

ألقى بنفسه على أول سرير في أول غرفة شاغرة، و لم يتذكر أنه لم يذق طعاما طيلة هذا النهار. لقد هدّه التعب وغط في نوم عميق، واختلطت أحلامه الجميلة بكوابيس مفزعة .

رأى خليل السالم نفسه في المنام يجلس على كرسي خشبي صغير في مقهى قريته البعيدة في أقاصي المشـرق، يستمع إلى أغنية تنبعث من مذياع ضخم بحجم الصندوق جاثم في الركن الشمالي الغربي للمقهى فيردد معها منتشيا :

 "بساط الريح يا بو الجناحين، مراكش فين وتونس فين"

ثم إنه يجد نفسه وقد تمدد فوق بساط الريح الذي حلق به عاليا عاليا، حتى لم يعد يرى شيئا على الأرض. يتنازعه الخوف من أن يسـقط من هذا العلو الشاهق، والخوف من أن تضيع عليه الفرصة فلا يرى غزلان "المرسى وحلق الواد".

ومـدَّ رأسه على طرف البساط محاولا أن يلمح شيئا، وما شعر إلا وثقله يغلبه على حافة البساط فيهوي من علٍ ليرتطم بالأرض مهشما.

هبّ من نومه فزعا ليجد نفسه مُلقىً على الأرض قد سقط عن سريره .

 ما بين الأقواس أسماء مدن وأماكن جزائرية وتونسية.

 1974م


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى