السبت ٣ تموز (يوليو) ٢٠٢١
بقلم حسني التهامي

بيان الهايكو

مقدمة:

تحاول قصيدة الهايكو اليابانية أن تشكل ملامحها وتبلورَ سماتها على خارطة الشعر العربي، على الرغم من جمود الحركة النقدية وعدم قيامها بدورها في متابعة ما يحدث على الساحة الشعرية من تجاربَ إبداعيةٍ يقوم بها شعراء العرب لإثراء المشهد الشعري. ولكي تتبلورَ سماتُ هذه القصيدة بوتيرة متسارعة، يجب أن يكون للمؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية دور في توثيق مسيرة هذا الفن وإبراز جمالياته.

لا شك أن قصيدة الهايكو التي استهوت ذائقة الشعراء والقراء في كل أصقاع العالم بما تمتلكه من فتنة الإدهاش، ومقومات جمالية تمكّنها من أن تجاور الأشكال المتعارف عليها كالقصيدة الكلاسيكية والتفعيلة والنثر، وكذا الأنماط القصيرة كالإبيجراما والومضة وغيرها، وحتما سيثري ذلك التنوع مشهد الشعرية العربية. إن رغبةَ هؤلاءِ الشعراءِ في أن يرتادوا حقولاً جديدةً تضيفُ إلى تجربتِهم الإبداعية كانت دافعاً نحو تبني لون إبداعي جديد بقيمة الهايكو الجمالية، كما أن هذا النوعَ المختزلَ والمكثفَ يتماشى مع روحِ العصرِ المتسارع الذي أصبحت تفاصيله مُكونا أصيلا لمعجمهم الشعري ومعينا لاستلهام مشاهدهم الحسية المدهشة. وبذلك يمكن للشاعر في هذا النص الموجز بكلماته البسيطة المختزلة، أن يُشكل تجربة خصبة وعميقة.
بدأتْ معرفةُ العالم العربي بالشعرِ اليابانيِ في حقبةِ الثلاثينياتِ من القرن الماضي في مصر، عندما كان يدرس بعضُ الطلاب اليابانيين في القاهرة، وقاموا بترجمةِ عددٍ من النصوصِ اليابانيةِ إلى العربيةِ، بيْد أن تلك الاجتهادات الفردية لم تقدمْ منهجاً يعكسُ حقيقةَ الشعرِ اليابانيِ، لذا لم يلتفتْ إليها القارئُ العربي.

وصلتْ قصيدة الهايكو اليابانيةِ إلى عالمنِا العربي متأخرةً عن طريق ترجماتِ نصوصٍ عن الإنجليزية، وليست عن اللغة المصدر؛ لذا قد أتت سطحيةً غيرَ دقيقة، وابتعدتْ عن روحِ النص، ربما لأن من قام بترجمتِها لم يكنْ على درايةٍ كافيةٍ بطبيعةِ هذا الفنِ التأملي القائم على فلسفةِ الزنِ البوذيةِ، بينما كان أول ظُهورٍ حقيقيٍ للترجماتِ الواعيةِ في مقالةٍ لدونالد كين Donald Keene (1922-2019)الأستاذ بجامعتي كيمبردج وكولومبيا عن الشعر الياباني نشرتها مجلةُ "عالم الفكر" الكويتية عام (1973) (المجلد الرابع، العدد الثاني). كما قام الشاعرُ السوري عدنان بغجاتي بترجمةِ نُصوصٍ من قصائد الهايكو اليابانية في مجلةِ الآدابِ الأجنبية السورية (1981)،

(رؤية شرقية أشعار الهايكو ((1974، وبستان الكرز -ترجمة أشعار يابانية -دار الأهالي)، ثم بدأتْ تتسعُ رقعةُ هذا النمطِ الشعريِ في عالمنِا العربي، ففي عام (1985) قدمتْ مجلةُ الثقافةِ الأجنبيةِ التي كانت تصدرُ في العراق مجموعةَ قصائد لباشو مترجمة عن الروسية.

الهايكو العربي:

يذهبُ شعراءُ الهايكو العربيِ مذهبين: الأول ظل أسيرا للمشهدية والموسمية والآنيةِ وغيرها من خصائصِ الهايكو الكلاسيكي، أما الثاني فقد سعى إلى التجريب بإضفاء خصوصية على الإبداع شكلا ومضمونا. في الواقع لا تكمن مشكلة الفريق الأول في اتّباع تلك الخصائص الكلاسيكية للهايكو، لكن تحدث الإشكالية الحقيقية في ترديد مفردات كـ "الفزاعة، الجدجد، زهرة الفاوانيا" وغيرها من الكلمات التي أصبحت مكرورة وباهتة، وأيضا في تكرار مواضيع وصور تناولها الشعراء اليابانيون الأوائل. لم يدرك هؤلاءِ الشعراء أن اليابانيينَ أنفسَهم قد هبتْ عليهم رياحُ التغيير ونفضتْ عنهم غُبارَ التقليدِ والمحاكاةِ خاصةً إبان الحربِ العالمية الثانية، فمع تَغير طبيعةِ الحياة في هذا البلد الذي كان منعزلا في الحقبةِ التي عاش فيها ماتسو باشو المؤسس الفعلي للهايكو، جَنح كثيرٌ من الشعراءِ إلى التجديدِ والكتابةِ عن المدينة وأحداثِها وتفاصيلِها وإلى تناولِ قضايا الإنسان، كما انفتح اليابانيون على الآدابِ والفنون الأخرى فتأثروا كثيرا بالواقعية الأوروبية. فمثلا قدّم الشاعرُ الياباني المعاصر "بانيا ناتسوشي Ban’ya Natsuishi مشروعا شعريا حداثيا أطلق عليه "هايكو العالم"، وتبناه إبداعا وتنظيرا، وهذا التصور الحداثي "يتيحُ للشعراء إمكاناتٍ أكثرَ لاستغوار النفسِ الإنسانيةِ والتقاط إشاراتِ اللاوعي، وولوج عوالمِ الحُلم والهذيانِ وغيرها من مظاهرِ الوجودِ الإنساني الأعمق" (عبد القادر الجموسي)، لكن شريطة أن يحدث كل هذا عبر مشاهد حسية مأخوذة من المحيط البيئي. وطبيعي أن نجد في شعراء العربية أنصارا لهذه النزعة التحررية التي تجنح إلى الانغماس في أحداث الواقع الحياتي وتفاصيله ودقائقِه؛ فمفهوم التحرر في الهايكو لا يعني التخلي كلية عن خصائصه المتعارف عليها وهدم أسسه التي نشأ عليها، وللشاعر أن يستبدل الطبيعة بتفاصيل الشارع والبيت والمقهى وغير ذلك مما يحيط به من عوالم تشكل مصدرا للإلهام الشعري يمتح منها الشاعر صوره الجديدة المبتكرة بلغة لها خصوصيتها وطابعها المميز، وله أن يستغني عن الموسمية التي هي شرط أساسيٌ في الهايكو الكلاسيكي، ويُبقي على أهم خاصية وهي المشهدية الحسية التي بدونها يزول عن النص مُسمّى الهايكو.

بساطة الهايكو

لعلّ ما يفسر سر انتشار الهايكو الذي يُعدّ درةَ الشعر الياباني، وتخطيه حدود الزمان والمكان عنصرُ البساطة وهو في الآن ذاته يمثّل مصدر الجمال الحقيقي، فقد استطاع الشعراء اليابانيون من خلال تلك الخاصية النفاذ إلى روح الهايكو عبر تصوير الجمال الطبيعي في الكون والاحتفاء بكل ما هو روحاني، لذا يعتمد شاعر الهايكو على حدسه في نقل الصورة بلغة بسيطة غاية في التكثيف والعمق.

تلخص الناقدة النمساوية جودرون م جرابرGudrun.M.Grabher ما يتطلبه الهايكو بشكل عام في هذه الكلمات المهمة: "لكي يأتي الهايكو إلى الوجود، يجب أن يكون الشاعر على اتصال بالعالم، من خلال أشياء وأحداث مشتركة، بسيطة وصغيرة، يستطيع رؤيتها وفهمها والتقاطها بلغة سلسلة ودقيقة وموجزة، من أجل مشاركة الآخرين الشعور الذي أثارته هذه اللحظة". يظل الهايكو تعبيرا عن لحظة جمالية تنقل تجربة إنسانية عميقة تبتعد كل البعد عن كلمات المشاعر المباشرة والتكلف في التعبير كاستخدام اللغة المجازية التي تُعد من أهم سمات الشعر بصفة عامة، فهي في الأساس لغة الخيال والجمال الشعري. لكنَّ هذه اللغة المفعمة بالخيال المجنح قد نالت من القيم الجمالية لنصوص الهايكو وأصبحت عبئا عليه، وإن كان لا محالة من الجنوح إلى المجاز، فعلى الشاعر أن يغمس فرشاته في ألوان اللغة المجازية المغرية غمسا خفيفا كي لا تصبح لوحته الشعرية ضبابية خالية من الجوهر الحقيقي للهايكو، وهو البساطة. كما يقدم لنا باشو تصورا حقيقيا للهايكو حين يصوره "كإصبع يشير إلى القمر، فكلما كان مرصعا بالجواهر، لن تستطيع رؤية القمر."

كتب باشو نصه الشهير عندما زار هيريزومي عام 1689، (محافظة إيواتي اليابانية حاليا):
أعشابُ الصيف-

من أحلام الجندي الشجاع

الجَزَّةُ الثانية.

لا شيء في ساحة المكان سوى أثر الدمار، مع ذلك تبدو حشائش الصيف يافعة في عنفوانها؛ فهي تمثل الأبدية ودورة الطبيعة، بينما كانت أحلام المحاربين بسيطة ومؤقتة. يقارن باشو بوضوح بين قوة الطبيعة الأبدية وبين الطموحات الزائلة للساسة وصناع الحروب، وقد استعار لغة رمزية تلمح إلى معان عميقة، مع ذلك لم تكن أداة إبهام تضيق زوايا الرؤية بالنص وتمنع إمكانية سبر أغواره واستكناه بهاء معناه.

تتميز قصيدة الهايكو عن أي لون شعري آخر بخصوصيتها في تناول المفردة اللغوية، "فليس ثمة حيزٌ لفعلٍ غير شعري لشدة الإيجاز اللغوي واقتصاده، وذلك يوجب على الشاعر الاختيار الدقيق لكل مفردة، وكل حرف والانتباه لمحوري الاختيار والتأليف معا انتباها بالغ الدقة ليكون المشهد المكثف التقاطة سريعة مكتنزة بفتنة البساطة"، (د.بشرى البستاني). على الرغم من ذلك فاللغةُ العربيةُ قادرةٌ- بعبقريتِها وخصوصيتِها وتنوع إيقاعاتها وبميزة الاشتقاق التي تهبها خصوصية وتفردا عن بقية اللغات- على أن تستوعبَ جماليات قصيدةِ الهايكو، بل وتُضفي عليها طابعاً عربيا آسراً ومميزاً. تلك اللغة المعروفة بقوتها وثراء مفرداتها التي مكّنت الشاعر العربي من أن يكتب نصوصا طويلة مفعمة بالخيال وأساليب البلاغة الجامحة، لقادرة على أن تروض نفسها وتكبح جماح المجاز المفرط الذي يحول دون بساطة الهايكو.

روح الهايكو

عند سماع صوت الطبيعة والكائنات البسيطة والتفاصيل الكونية يستطيع شاعر الهايكو خلق نوع من التماهي والتعاطف مع الآخر، في ذات الآن يمكنه اكتشاف الذات والولوج إلى أعماق النفس للتعرف على حقيقتها وكوامنها، فمن خلال احتضان العالم وبالأخص تلك التفاصيل الدقيقة التي لم يتم التطرقُ لها والتعبير عنها بالشعر، يفتح الهايكو آفاقا جديدة لاكتشاف العالم المحسوس، وعبر تلك الكائنات والدقائق الكونية المكتشفة، يستحدث الهايكست تفاصيل جديدة في شعره، وينفذُ إلى المناطق الخبيئة في مجاهل ذاته.

يعطي الهايكو قيمة لأشكال الحياة سواء أكانت مرتبطة بالإنسان أو بالطبيعة والكون، لكي تنطلق رحلة الهايجن إلى عوالمه الداخلية عبورا بالعالم الخارجي واستكشاف كنهه وجوهره، فعلى الرغم من قصر هذا النمط الشعري، إلا أنه يحمل في طياته روحا تأملية من أجل الوصول إلى الكمال من خلال تماس ذواتنا مع جوهر الأشياء. يقول ماتسو باشو "إذا أردت أن تتعرف على الصنوبر، اذهب إليه"؛ فليس الهدف هنا فقط رؤية الشجرة وتصويرها من الخارج، بل علينا أن نتعرف على طبيعتها وجوهرها الحقيقي. ولو تأملنا رحلة سانتوكا تانيداSantoka Tanida (1882-1940) الشاعر الحداثي، نجد أنها رحلة بحث عن الذات مرورا بالتفاصيل الدقيقة في حياتنا اليومية التي ستقود حتما إلى المعرفة الحقيقة بالعالم والواقعي الحياتي. إذن فروح الهايكو تعبير عن شعور المرء تجاه الطبيعة بشكل غير مباشر، هذه الروح الجمالية تتجاوز الشكل الياباني الكلاسيكي إلى أسلوب عام للحياة يسعى إلى توحد الذات مع الطبيعة، وامتزاجها مع العالم الخارجي بدلاً من محاولة السيطرة عليه.

مصبُ النهر-
أراهُ اليومَ أضْيقَ
بعيّْني شيخْ
(مزار الأقحوان ص 43)

يمثل هذا النص المختزل رحلة حياة ممتدة منذ الطفولة حتى مرحلة الشيخوخة لاستكشاف الذات عبر التفاصيل اليومية على ضفاف النهر. في هذه الرحلة لا يراوح النهر مكانه، لكن تتغير طبيعته عبر الزمن، فهو يرمز في التواءاته وتعرجاته إلى حياتنا المليئة بالتجارب العديدة المتنوعة، لذا تختلف نظرة الإنسان للأشياء من الطفولة إلى فترة الشيخوخة؛ فالطفل يرى الأشياء بعين المهابة والإجلال خاصة عند رؤيتها لأول مرة، وعلى عكس ذلك يرى الشيخ الأشياء الكبيرة صغيرة قياسا لتجاربه الحياتية؛ وعليه فالنهر انعكاس لحياة الشاعر وعيشها لحظة بلحظة، فعلى ضفافه الممتدة تنشأ علاقة حميمية بينهما ويتنامى الوعي باللحظة الزمنية عبر رحلة البحث والاستكشاف.

آنية الهايكو:

يمكننا وصف الهايكو الكلاسيكي بأنه بيتٌ شعري مقسم إلى ثلاثِ شطرات، تشتملُ على سبعةَ عشرَ مقطعاً صوتياً (5-7-5) موزعة كالتالي: خمسة مقاطع صوتية في السطرِ الأول وسبعة في الثاني وخمسةُ مقاطعَ في السطرِ الأخير، ينقلُ الهايكست من خلالها مشهداً جمالياً من البهاءِ الكونيِ بكائناتِه الدقيقةِ وتفاصيلِه اللا متناهية المذهلةِ بصورة تعكسُ خبرته وعمقَ تجربتِه وقدرته الإبداعية في التقاط هذا المشهدِ الآني المتفجرِ بالدلالاتِ والمعاني، فعند القول بأن الهايكو لقطةٌ آنيةٌ نعني أن الحدث الفعلي وقت التقاط الصورة يتم في لحظة عابرة، لكنها تستدعي في طياتِها تجربةً إنسانيةً ممتدةً من أعماق الماضي، وربما تستشرفُ ملامحَ مستقبليةً تُرسمُ عبر مشهد حسي مُستقى من واقعه الحياتي:

"ليستِ الريحُ ما يَهُزُ أعطَافَكِ
أيتُها الصَفصافةُ-
إنما أنفاسُ أبي
(حسني التهامي، ديوان وشم على الخاصرة، ص5)

يستدعي الهايكست عبق الماضي عبوراً بلحظةٍ آنيةٍ وهي اهتزازُ أعطافِ الصفصافة، لتمتدَ فيما بعد وتشكلَ الحضورَ المستقبلي لأنفاسِ الأب التي تمثلُ ديمومةَ الحياة والذكرى، فالمتأمل في بنية الهايكو يجد أن المشهد كان مسبوقا بشيء ما كان يحدث قبله، وأنَّ أحداثا أخرى سوف تأتي لاحقا.

الموسمية (الكيغو)Kigo:

يتضمن الهايكو الكلاسيكي كلمةً موسمية، إما مباشرة بذكر أيٍ من الفصول الأربعة صراحة أو ضمنية مثل (أوراق ذابلة - زخات مطر- أزهار - يوم قائظ)، كل هذه الكلمات والعبارات تشيرُ إلى فصلٍ معين من فصولِ السنة. تمثل الموسمية المشهد الأمامي في نص الهايكو الذي يمهد للحدث؛ إذ لا يُمكنُ تصورُ الهايكو التقليدي دون تلك الإشارة التي تُنشئ العلاقة الوثيقة بين الشاعر والطبيعة، بناءً على ما سبق يمُكن تعريف الهايكو الكلاسيكي بأنّه شعورٌ إنسانيٌ مستخلص من عوالم الطبيعة ومرتبط أيّما ارتباط بفصولها ودوراتها.

إن سر ارتباط اليابانيين بالطبيعة يرجع إلى النزعة الدينية التي ترفعها إلى منزلة الآلهة، فالزهرة مثلا عند شعراء الهايكو لا تصور جمال الطبيعة فحسب، بل يكون لها كيانٌ وجودي أيضاً؛ إنها تمثل العلاقة الوجودية بين الشاعر والكون الذي يعيش فيه ويتجاوب معه بمشاعره وأحاسيسه.

(1)
صباحٌ ربيعيٌ
قطةٌ تتمَطى
تحتَ شجرةِ "التيكوما"

(2)
شجرةُ أكاسيا-
على الغُصْنِ العَاري
تحطُ يمامةٌ
(مزار الأقحوان 37)

في النص الأول يأتي التعبير عن الموسمية بشكل صريح تارة في عبارة "صباح ربيعي"، وتارة أخرى بذكر "شجرة التيكوما"، بينما تأتي الإشارة إلى فصل الربيع ضمنية في النص الثاني في عبارة "الغصن العاري".

أحيانا يَذكرُ الشاعرُ أكثرَ من فصلٍ في نصٍ واحدٍ كما في قصيدة باشو:

"أول يومٍ في الربيعِ
أظلُ أفكر
في نهايةِ الخريفِ"

يبدو أن الكيغو الرئيس الذي يمثل خلفية النص ويحدد الجو العام للالتقاطة هو بداية فصل الربيع الذي تم فيه الحدث (التفكير المستمر في نهاية فصل الخريف).

إن الأساسَ في الهايكو الكلاسيكي الناجح هو الإشارةُ إلى الطبيعةِ والكائناتِ المرتبطةِ ارتباطًا وثيقًا بها، بينما لم يلتزم الشعراء – حتى اليابانيون- في الهايكو الحداثي بهذه الخاصية، فقد استبدلوها بعبارات تحمل تفاصيل جديدة من واقع الحياة اليومية أو القضايا الكونية.

التنحي:

على عكس ما جرى عليه الشاعرُ العربي الذي اعتمد في منجزه على الغنائيةِ، تختفي الأنا الشعرية في الهايكو، حيت يقف الشاعرُ موقفاً محايدا؛ يرتكزُ دورُه على التقاط ِالمشاهد الحسية في كونٍ لا متناهٍ، مليءٍ بالتفاصيل والكائناتِ التي تسترعي دهشته. ليست الذات محورَ النص الشعري، لكنها كائنٌ يتفاعلُ مع بقية الموجوداتِ الكونية. تقف الذات النرجسية حائلا في مسار الهايكو الحقيقي، لذا يقوم الهايكست حين الكتابة بدور المتأمل المشدوه بتفاصيل البهاء الكوني، وينقل مشاهده بطريقة محايدة، لأن تدخله حتما سيُفسد صفاء اللحظة المشعة (لحظة الهايكو)، ويحجب عن عينيه الشعاع المؤدي إلى الكمال الروحي. يتنحى الشاعر عن مسرح الحدث وينقل مشاعره عبر جزئيات المشهد الحسي، وكلما نجح في ذلك،كانت نصوصه أقرب إلى روح الهايكو.

لا يحق للهايكست الحكم على الأشياء بالجمال أو القبح، فعليه أن ينعتها بصفاتها الحقيقية، مثلا إذا وصف الشاعر شجرة وأضفى عليها صفات ليست من طبيعتها يعتبر هذا تدخلا في الحدث، لكن عند وصفه لها بالعارية، فإن صفة العري تعكس حالتها الحقيقية في فصل الخريف، على الرغم من استخدام وصف مجازي لتلك الشجرة:

غصنٌ عارٍ،
دميةٌ عالقةٌ تنتشي
تحتَ المطر
(مزار الأقحوان ص31)

لا نكاد نلمح أثرا للذات الشاعرة أو أي مشاعر مباشرة، فكل ما قام به الهايكست هو نقل المشهد الحسي كما هو، وجعل الظواهر الكونية تتحدث عن ذاتها، وإذا كان هناك أي إجراء تجريبي فإنه دون شك تجريب تنويري يحدث في حضور الذهنية الصافية التي تتأمل كل ما هو استثنائي في حركة الكائنات الكونية الدقيقة.

مكامن الدهشة في الهايكو:

الشعرُ لغةُ الدهشة، وإذا خلا النصُ الشعري من ومضاتها الخاطفة التي تبعث الحيوية فيه، يصبحُ مجرد كلماتٍ باهتة لا حياةَ فيها، فالدهشةَ ركنُ أساسي ومصدر للإمتاع في أي عملٍ إبداعي خلاّقٍ، وعليه يُمكن إيجاز مكامنها في النقاط التالية:

أ) الصورة الشعرية:

نعني هنا وصول الهايكست إلى مناطقَ تعبيريةٍ وأسلوبيةٍ من خلال التقاطةٍ جديدة ومبتكرة لم يلتفتْ إليها غيرُه من الشعراء، أو بإعادة صياغة صورة ،تطرّق إليها الأسبقون، بطريقة مغايرة ومختلفة تماما. وفي كلتا الحالتين لا يلعب الخيال دورا في تشكيل الصورة الشعرية أو يدخل في تركيبها عنصر البلاغة.

ب) فجوةُ التوترٍ الشعري.

يرى كمال أبو ديب أن مصطلح "الفجوة مسافة التوتر" شرط مهمٌ للتجربة الفنية أو الرؤيا الشعرية، ولا تقتصر فاعليته على الشعر، بل يرى أنه أساسي في التجربة الإنسانية بأكملها. تحدث الفجوة نتيجةَ إقحام مكونات غير متجانسة للوجود أو اللغة، وتطرح في سياق متجانس ومتوائم يعكس فضاء فكريا لدى المبدع ورؤية جديدة للعالم، فهي لا تتشكل من مكونات البناء اللغوي فقط، بل من تصوراتنا للأشياء أيضا، كما لا يتحقق العمل الفني في الوجود دون تفاعل فعلي بين النص والقارئ؛ أي بين القطب الفني لدى المؤلف، والقطب الجمالي عند المتلقي. والسؤال هنا: من سيملأ فجوة التوتر الشعري بالنص؟ بالطبع ستكون مهمة القارئ بالدرجة الأولى؛ لأنه عنصر فاعل في ملء الفجوات، ولا تقترن فاعلية هذه الفجوات بالمتلقي وحده، بل برؤية العالم التي تتكشف بين ثنايا النص، وبالتالي تنتج فجوة التوتر الشعري من المفارقة اللفظية التي يعتمدُها الشاعرُ من خلال المجاوزة اللغوية، أو من مجاورة مشهدين متنافرين بغية تناغمهما وانسجامهما، وهذا يحتاجُ من القارئ أن يتمعن فيما بين السطورِ، ليستكشف ما وراء الكلمات من دلالات ومعانٍ تستفزُ ذهنَه، وتدفعه إلى ملءِ الفراغاتِ التي يتركُها الشاعرُ في النص، ولأن المفارقة تجاور خارجٌ عمّا ألفناه من الألفاظ والأفكار المتناقضة وتقديم اللامتوقع، فإنها قادرة على إحداث الدهشة.

في طريقهِ إلى الحربِ
الجنديُ يفضّ شِجاراً
بينَ طفلين
(مزار الأقحوان ص67)

تأتي المفارقة هنا من حدوث اللامتوقع؛ فالجندي الذي يفض الاشتباك بين طفلين منخرطين في عراك هو نفسه ماض إلى الحرب ولا يعلم مصيره. يعكس صراع الطفلين نزعة الشر التي يولد بها الإنسان وتستمر معه حتى رحيله عن الحياة.

نص آخر تحدث فيه فجوة التوتر الشعري نتيجة تناغم الأفكار غير المتجانسة:

جنازةُ طِفلٍ–
بين المُشيعينَ يَعْسوبٌ
أفلتَ من يديْه
(مزار الأقحوان ص33)

يعتبر أطفال الريف اليعاسيب صيدا ثمينا عندما تقع في أيديهم لتكون مصدرا للتسلية واللعب، فهم يستمتعون بسماع أزيزها داخل أكياس معدة للإيقاع بها، في حين تحدث المفارقة عند تفلّت ذلك اليعسوب هاربا وسط الأجران، ثم يعاود التحليق مرة أخرى في ربوع القرية، ويحدث أن يكون من بين مشيعي جنازة الطفل ذاته الذي حاول الإيقاع به من قبل.

ج) قُفلةُ النص:

يرى نعوم تشومسكي Noam Chomsky أن من يجيد قفلة نصه هم فقط كبار الشعراء، فكلما كانت القفلةُ انسيابيةً غير مفتعلة، أحدثتْ نوعا من الدهشة لدى المتلقي، فهي بمثابة النورِ المفاجئ الذي يوقظُ القارئَ من سُباته، ويفتحُ لهُ أفقا واسعاً من التأويلاتِ المتعددة، ويفجّرُ في النصِ ينابيعَ المخزونِ المعرفي والثقافي، بذلك يتحولُ القارئُ من مجرد متلقٍ عادي إلى قارئٍ فاعل يشتبكُ مع النص، ويفك الكثير من شفراته العميقة.

مستيقظٌ في منتصفِ الليل
على صوتِ جرةِ الماء
تَصدُّعُ الجليد
(باشو)

الهايكو فن التأمل

تتمحورُ فلسفةُ الزَّنِ البوذيةُ حولَ فكرةِ التأملِ التي يكونُ فيها نوعٌ من السيطرةِ على جُموحِ العقلِ النشط، وتظهر من خلالها مساحةٌ أكثرُ للصفاءِ الذهني والهدوء، فأثناءَ استغراقِ شاعر الزن في العوالمِ التأملية، تأتيهِ من قلبِ الصمتِ نداءاتُ الطبيعةِ المُعجزة، هذه النداءاتُ المفعمة بروحِ الجمالِ والحياةِ اليافعةِ غالبا ما تكون قادمة من الفراغ، وعندما يتوحد الشاعر مع العالم في لحظات من السكون يتكشف له جوهر الأشياء بعيدا عن الإيقاعات اليومية الصاخبة، فمن قلب السكون يخرج صوت معجز يجعل الحياة فتية مليئة بالحركة.

يشير البروفيسور هارو شيرينHaru Shiran الأستاذ المتخصص في الأدب الياباني وتاريخ الثقافات بجامعة كولومبيا إلى أن "العاطفة أو المشاعر الغامرة في شعر الطبيعة عند باشو تتخذ أحيانًا شكل السابي، حيث يتم ملء المشهد -كما حدث في قصيدة الضفدعة الشهيرة- بمشاعر العزلة الهادئة (sabishisa)، هذا المصطلح الذي يبدو سلبيا في ظاهره يحمل في طياته قيمة إيجابية"؛ فغالبًا ما يصور باشو حالة وجودية تعكس تمازج الصفاء الداخلي مع الهدوء الذي يخيم على العالم الخارجي، وهي بذلك حالة قريبة من العزلة الهادئة. في مقدمة مجموعته الشعرية "تهمس البوكنفليا مثقلة بأزهارها الحمراء، يصور الهايكست محمد الأسعد شاعر الهايكو وكأنه " رسام الفراغ ذاته، أو صانع فخار علينا أن ندرك آنيته التي يصنع هي الفراغ بين جدرانها. الكلمات ليست كل شيء في القصيدة: هي كتلة الطين وما تحتويه من فراغ هو القصيدة." فـالهايكو شعر الطبيعة بامتياز، وفيها يكمن الهدوء الداخلي، وبين أحضانها يسكن الجمال والدهشة: فأغاني الطيور، حفيف الأوراق، ثرثرة القطيع، صوت الريح، خيوط الشمس الذهبية في الصباح، منظر الشفق في الغروب وإطلالة القمر في كبد السماء، وغير ذلك من تفاصيل البهاء الكوني يقوم الشاعر بتأمل حركتها، ليرصد صوت الفراغ الذي يملأ كل شيء. فبالإضافة إلى أن الهايكو شعر الطبيعة، فهو أيضًا فن التأمل والسكون.

يَهْدأُ الريحُ
من أين يأتي
كل هذا الحفيف!
(مزار الأقحوان ص 105)

قصيدة السِنْريو:

يرتبط هذا النمط الشعري باسم الشاعر الياباني كاراي سِنْرْيوKarai Senryuū (1790 – 1718)، فهو لا يختلف عن الهايكو في بنيته، لكنه يركزُ على الطبيعة الإنسانية وما يتعلق بها من مشاعر وأحاسيس، إلى جانب ذلك يتضمن الاستعارة، التشبيه، والتجسيد، على عكس الهايكو الذي يتخذ الطبيعة مسرحا لالتقاط المشاهد الحسية:

تألمتُ كثيراً
لما دستُ في غرفة النوم
على مشط زوجتي الراحلة
(يوسا بوسن)

في النص أعلاه ليس للطبيعةُ دورٌ في تكوين المشهدية، وليس ثمة موسمية سواء أكانت مباشرةً أو ضمنية، فقط تطفو الذاتية على سطح المشهد بمسحة من الحزن الشفيفِ الذي يعتلجُ نفس الشاعر، ليأتي "مشط الزوجة"، ذلك الأثرُ البسيطُ الذي يفجرُ شظايا هائلةً من الحزن عندما يدوسُ عليه في غرفة نومه، فالمشط ُوغيره من أشياء الزوجة التي أبقى عليها الشاعر في غرفة نومه، هي تفاصيل بسيطة تمثل عالماً حُلميّا وإنسانياً يعمّق الرباط الروحي بينه وبين محبوبته الراحلة.

الهايكو الهجين:

يبين جورج سويدJeorge Swede - الشاعر المؤسس لهايكو كندا- أن هناك نصوصاً تكونُ فيها عناصرُ الطبيعةِ جنْباً إلى جنبِ الطبيعةِ الإنسانيةِ بمشاعرِها وانفعالاتِها وما يدورُ في خلجاتِها، يطلق عليها "الهايكو الهجين"، والتي تعتبر الأكثر شيوعا بين النصوص المتداولة في منتديات الهايكو العالمية.

انحناءةٌ مُفاجئةٌ-
على طيِ تنورتِها
تتلعثمُ الريح!
(مزار الأقحوان ص61)

يجمع النص بين عنصري الطبيعة والإنسان، فالريح تشير إلى كيغو غير مباشر، في حين أنّ تنورة الصبيّة من صنع الإنسان، ويحدث المزح بين العنصرين، كما يحدث نوع من تجاوب المشاعر واختلاطها؛ تتلعثم الريح وتخفق عندما تتسبب في طي تنورة الفتاة، وكأنّ خفقانها خفقان عاشق مأخوذ بفتنة الجمال الحسي.

الهايكو ونظرية التلقي:

النص منتجٌ إبداعي وأساسٌ مُهم ترتكز عليه عملية التلقي من جهة، ونظم التواصل والتفاعل من جهة أخرى، إنه عملية ديناميكية قابلة للتحول والتغيير، بمعنى آخر يصبح النص قابلا لكل زمان ومكان، على الرغم من أنه كُتب في لحظة معينة وفق ظروف بيئية خاصة. تتولد حركية النص عندما يتحرر من سلطة المؤلف وينتقل إلى سلطة المتلقي، فتتم إعادة بلورته وتأويله وفقا لثقافة السلطة الجديدة ورؤيتها الجمالية للأشياء، لذا فمن الطبيعي أن نجد عدة تأويلات للعمل الواحد. ولا يختلف الحال كثيرا عند قارئ الهايكو الذي يمتلك مفاتيح قادرة على فك شفرات النص، فهو قارئٌ غير عادي، وشريكٌ فاعل في عملية البناء؛ يقوم الهايجن بكتابة نصه غالبا على شكل مشهدين متجاورين ليس بينهما تماسك، لتأتي مهمة القارئ فيقيم الاتساق والربط بين جزئيات النص. ولأن الهايكو قصيدةٌ غيرُ مكتملة، فإنها دائما تغري المتلقي بملء (البياض)، تلك العملية تحفز مخيال القارئ وتمكنه من سبر أغوار النص، وفهم مجاوزة المعنى أو ما يسمى بــ"الانزياح"، وعليه ينشأ نوعٌ من التفاعل بين قصدية العمل الإبداعي (النص) وقصدية الذات المتلقية، ينتجُ عن هذا التفاعلِ إعادةُ عملية البناء والتشكيل التي تتأتى من خلال تلك المحاورة والتجاذب بين النص الحيوي والمتلقي الواعي، فجموح النص يحرض المتلقي على إظهار ملكات إبداعية موازية لإبداع المؤلف.

في نص الهايكو يحدث نوع من تبادل الأدوار، بحيث يصبح القارئ كاتبا لنص جديد عندما يقوم بتأويله على حسب رؤيته وثقافته، ويكون المؤلف متلقيا وقارئا لعمله إثر إنتاجه، وهنا تتجسد مقولة "موت المؤلف" لرولان بارت Rolan Barthe (1915-1980) بشكل جلي في تلك القصائد الموجزة التي تتحقق فيها خاصية التنحي، يتركنا المؤلف متوحدين مع نص مسكون بتفاصيل الطبيعة والعالم. يهدف الهايكست من فعل الإبداع إلى تصوير لحظة جمالية بلغة بسيطة ورؤية عميقة، وهي عملية تحتاج إلى وعي بالعملية الإبداعية، ومن ثم تتحقق اللذة الجمالية لدى القارئ.

مختتم:

حاول هذا البيان أن يسلّط الضوء على بعض خصائص وجماليات قصيدة الهايكو اليابانية على أمل أن تحتضن الأقلام النقدية الجادة والمؤسسات الثقافية والأكاديمية العربية هذا الوافد الجديد على الشعرية العربية، فقد استطاعت هذه القصيدة بكلماتها البسيطة الموجزة وعمق أفكارها التأملية، وقدرتها على تصوير العالم الطبيعي، والنفاذ إلى جوهر الأشياء أن تستهوي ذائقة ملايين الشعراء والقراء، وتأخذ مكانها الذي تستحقه بين الألوان الشعرية الأخرى في الأدب العالمي


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى