الأربعاء ٢٩ تموز (يوليو) ٢٠٢٦

بَيْنَ النَّصِّ وَالغَوْصِ

لَطِيفَة المسكيني

رِحْلَةُ تَحْقِيقِ مَخْطُوطَةِ

"بُلْغَةُ الغَوَّاصِ فِي الأَكْوَانِ إِلَى مَعْدِنِ الإِخْلَاصِ فِي مَعْرِفَةِ الإِنْسَانِ"

لِلشَّيْخِ الأَكْبَر مُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِي

كَانَ جَدِّي لِأُمِّي، رَحِمَهُ اللهُ، رَجُلًا صُوفِيًّا مِنْ رِجَالِ اللهِ، فَقِيهًا لُغَوِيًّا جَلِيلًا، تَتَلْمَذَ عَلَى يَدِهِ عَدَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ زَمَانِهِ. وَرِثْتُ عَنْهُ لَيْسَ الكُتُبَ فَحَسْبُ، بَلِ الإِحْسَاسَ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُقْتَحَمُ، وَإِنَّمَا تُفْتَحُ لِمَنْ أُذِنَ لَهُ. وَمِنْ بَرَكَتِهِ، صَارَ الطَّرِيقُ إِلَى التَّصَوُّفِ، وَإِلَى الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ابْنِ عَرَبِي، مَمْهُودًا بِالنُّورِ، لَا بِالرِّجْلِ؛ وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ يَوْمَهَا أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ لَنْ يُفْضِيَ بِي إِلَى نَصٍّ أَقْرَؤُهُ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى تَجْرِبَةٍ تُغَيِّرُنِي وَتَتْرُكُ أَثَرَهَا العَمِيقَ.

لَمْ يَكُنْ مَا حَدَثَ مَعِي فِي خِزَانَةِ القَرَوِيِّينَ سَنَةَ 2011 عُثُورًا، بَلْ تَذْكِيرًا؛ وَلَمْ يَكُنِ المَخْطُوطُ غَائِبًا حَتَّى يُطْلَبَ، بَلْ كَانَ كَامِنًا يَنْتَظِرُ أَوَانَهُ. دَخَلْتُ المَكَانَ، فِي الأَصْلِ، بِصِفَتِي مُوَظَّفَةً بِوِزَارَةِ الثَّقَافَةِ، لَا بَاحِثَةً، وَلَكِنَّنِي خَرَجْتُ مِنْهُ بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ أَكُنْ أَعَدَدْتُ لَهُ. كَأَنَّ الدُّخُولَ كَانَ وَظِيفَةً، أَمَّا الخُرُوجُ فَكَانَ بَدَايَةَ مَسَارٍ لَمْ أَمْلِكْ لَهُ اسْمًا بَعْدُ.

كَانَ يَوْمُ اصْطِحَابِي إِلَى قَاعَةِ المَخْطُوطَاتِ يَوْمًا مَشْهُودًا؛ دَمَعَتْ فِيهِ العَيْنُ وَخَفَقَ القَلْبُ مِنْ هَيْبَةِ مَا رَأَيْتُ. وَلَمَّا لَامَسْتُ بِدَهْشَةٍ عَجِيبَةٍ العِبَارَةَ الَّتِي ذُيِّلَتْ بِهَا نُسْخَةُ "بُلْغَةِ الغَوَّاصِ" (تَمَّتْ المُقَابَلَةُ بِالأَصْلِ)، شَعَرْتُ أَنِّي لَمْ أَفْتَحْ كِتَابًا، بَلْ فُتِحَ لِي بَابٌ. دَخَلْتُ مِنْهُ لَا بِمَا أَعْدَدْتُ لَهُ، بَلْ بِمَا أُعِدَّ لِي فِيهِ. دَخَلْتُ بِآلَةِ التَّحْقِيقِ، فَخَرَجْتُ عَنْهَا بِمَا هُوَ أَبْعَدُ وَأَعْمَقُ؛ تَقَدَّمْتُ بِظَاهِرِ العِبَارَةِ فَرَدَّنِي إِلَى بَاطِنِ الإِشَارَةِ. هُنَاكَ، لَا يُنَالُ المَعْنَى بِحَدِّهِ، وَلَا يُدْرَكُ القَوْلُ بِحَرْفِهِ، بَلْ يُلْمَحُ مِنْ حَيْثُ يَغِيبُ، وَيُعْرَفُ مِنْ حَيْثُ لَا يُعَرَّفُ.

لَقَدْ شَعُرْتُ أَنَّ "البُلْغَةَ" مَدْخَلٌ لِمَنْ أُذِنَ لَهُ، لا كِتَابٌ لِمَنْ قَصَدَهُ. وَأَنَّ الإِنْسَانَ فِيهَا مِرْآةٌ، إِنْ نَظَرْتَ فِيهَا رَأَيْتَ كَثْرَةَ الصُّوَرِ، وَإِنْ نَفَذْتَ مِنْهَا شَهِدْتَ وَحْدَةَ النُّورِ.

وَفِي هَذَا المَقَامِ، لَا يَقُومُ مُحْيِي الدِّينِ ابْنُ عَرَبِي دَلِيلًا عَلَى نَصِّهِ، بَلْ يَغِيبُ فِيهِ حُضُورًا، وَيَشْهَدُ فِيهِ احْتِجَابًا؛ كَأَنَّ كَلَامَهُ أَثَرُ وُرُودٍ لَا صِنَاعَةَ قَصْدٍ، وَكَأَنَّ الحَرْفَ عِنْدَهُ ظِلٌّ لِمَعْنًى سَابِقٍ، إِنْ ظَهَرَ بِهِ اسْتَتَرَ، وَإِنِ اسْتَتَرَ بِهِ ظَهَرَ.

غَيْرَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى هَذَا المَقَامِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِيًا، وَلَا مَعْزُولًا عَنْ مَشَقَّةٍ ظَاهِرَةٍ، بَلْ كَانَ يَتَشَكَّلُ عَلَى إِيقَاعِهَا. فَقَدْ تَوَزَّعَتِ المَخْطُوطَةُ فِي نُسَخٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَبْرَ جُغْرَافِيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تَتَبَدَّلُ فِيهَا الأَسْمَاءُ وَالعِبَارَاتُ، وَيَتَحَوَّلُ اللَّفْظُ، وَتَتَّسِعُ الخُرُومُ، وَيُجَاوِرُ السَّقْطُ الثُّبُوتَ. فَكَانَ التَّحْقِيقُ مُقَارَبَةً لَا إِحَاطَةً.

وَما جَرَى خَارِجَ السُّطُورِ كَانَ أَشَدَّ وَقْعًا وَأَعْمَقَ أَثَرًا. فَقَدْ كَشَفَتْ رِحْلَتِي فِي مُقَارَنَةِ النُّسَخِ أَنَّ نُسْخَةَ «البُلْغَةِ» بِالمَجْمَعِ العِلْمِيِّ العِرَاقِيِّ بِبَغْدَادَ قَدْ نُهِبَتْ سَنَةَ 2003، وَهِيَ نُسْخَةٌ تُطَابِقُ نُسْخَةَ الإِسْكُورِيَالِ بِإِسْبَانِيَا، تَعَذَّرَ عَلَيَّ بُلُوغُهَا. وَحِينَ رَاسَلْتُ جَامِعَةَ أُمِّ القُرَى رَجَاءَ الظَّفَرِ بِنُسْخَةٍ مِنْهَا، لَمْ أَظْفَرْ إِلَّا بِرَدٍّ تَعْجِيزِيٍّ مُحْبِطٍ. وَزَادَ الأَمْرَ تَعْقِيدًا أَنْ صَدَرَ كِتَابُ الأُسْتَاذِ أَحْمَدَ المَزِيدِيِّ قَبْلَ كِتَابِي، لَا تَمَاطُلًا مِنِّي، بَلْ لِمَا اقْتَضَاهُ حِرْصِي عَلَى اسْتِقْصَاءِ أَكْبَرِ عَدَدٍ مِنَ النُّسَخِ، تَحَرِّيًا لِلدِّقَّةِ وَصَوْنًا لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.

وَلَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ لِيَثْنِيَ مِنْ عَزْمِي، بَلْ زَادَنِي إِصْرَارًا عَلَى أَنْ أُتِمَّ مَا بَدَأْتُهُ عَلَى وَجْهِهِ الأَكْمَلِ. ثُمَّ تَوَالَى، بَعْدَ صُدُورِ كِتَابِي عَنْ دَارِ فَضَاءَاتٍ بِالأُرْدُنِّ، صُدُورُ تَحْقِيقَيْنِ آخَرَيْنِ لِنَفْسِ المَخْطُوطَةِ، مِمَّا زَادَ مِنْ تَأْكِيدِ غَايَتِي فِي تَفْنِيدِ الاِدِّعَاءِ القَائِلِ بِأَنَّ هَذِهِ المَخْطُوطَةَ مِمَّا دُسَّ عَلَى الشَّيْخِ الأَكْبَرِ.

وَمِمَّا أَعْتَزُّ بِهِ أَيْضًا، أَنَّ نُسْخَتِي مُعْتَمَدَةٌ فِي تَدْرِيسِ «التَّصَوُّفِ بِالغَرْبِ الإِسْلَامِيِّ» بِجَامِعَةِ بَكِّينَ، وَقَدْ تُرْجِمَتْ فُصُولٌ مِنْهَا إِلَى اللُّغَةِ الصِّينِيَّةِ، وَفْقًا لِمَا أَفَادَنِي بِهِ النَّاشِرُ. كَمَا يَزِيدُنِي اعْتِزَازًا أَنْ أَكُونَ، فِيمَا أَعْلَمُ، مِنْ أَوَائِلِ المَغَارِبَةِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا تَحْقِيقَ تُرَاثِ هَذَا الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وَهُوَ تُرَاثٌ ظَلَّ طَوِيلًا حَبِيسَ رُفُوفِ خِزَانَةِ القَرَوِيِّينَ بِفَاسَ، وَمَكْتَبَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَالمَكْتَبَةِ الظَّاهِرِيَّةِ بِدِمَشْقَ.

وَأَمَّا مَا هُوَ أَعْمَقُ فِيمَا جَرَى خَارِجَ السُّطُورِ، فَحَدِيثُهُ صَمْتٌ أَبْلَغُ. إِذْ كُنْتُ، طِيلَةَ اشْتِغَالِي عَلَى هَذَا الكِتَابِ، أَشْعُرُ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ دَائِمُ الحُضُورِ فِي مَجْلِسِي؛ لَا حُضُورَ هَيْئَةٍ تُرَى، بَلْ حُضُورَ مَعْنًى يُوقِظُ. يَمُرُّ كَخَاطِرٍ لَا يُسْتَدْعَى، فَيَلْمَعُ قَبْلَ الفَهْمِ، وَيَغِيبُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ القَبْضِ. وَإِذَا اسْتَعْصَى الدَّلِيلُ، لَانَ المَسْلَكُ، وَإِذَا انْغَلَقَ المَعْنَى، انْفَتَحَ بَابٌ مِنْ حَيْثُ لَا يُحْتَسَبُ.

شَيْئًا فَشَيْئًا، لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ قِرَاءَةً لِمَا نُسِخَ فَحَسْبُ، بَلْ إِصْغَاءً لِمَا يَتَخَلَّلُ فِعْلَ النَّسْخِ وَالكِتَابَةِ. فَخَلَعْتُ عَنِ النَّصِّ دَعْوَى الإِحْكَامِ، وَلَبِسْتُ هَيْئَةَ التَّلَقِّي؛ إِذْ لَا تُنَالُ مَعَانِيهِ بِحِدَّةِ الفَهْمِ، بَلْ بِرِفْقِ الاِنْتِبَاهِ. وَلَمْ يَعُدِ الغَوْصُ بَحْثًا عَنْ وُصُولٍ، بَلْ تَحَوُّلًا. وَكُلَّمَا تَوَغَّلْتُ، بَدَا لِي أَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ قَارِئًا لِلنَّصِّ، بَلْ مَوْضِعُ قِرَاءَتِهِ.

وَأَمَّا حِينَ خَرَجَ الكِتَابُ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِالنِّهَايَةِ، بَلْ بِبَدْءٍ آخَرَ. كَأَنَّ النَّصَّ، مَا إِنْ فَارَقَ يَدِي، حَتَّى اسْتَعَادَ حَيَاةً أُخْرَى. وَعِنْدَهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ مَا ظَنَنْتُهُ تَحْقِيقًا لِنَصٍّ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَحَقُّقًا لِي فِيهِ، وَأَنَّ تَجْرِبَتِي لَمْ تَكُنِ امْتِلَاكًا، بَلِ انْخِرَاطًا فِي أَثَرِهِ.

وَالْيَوْمَ، لَا أَرَى هَذَا الكِتَابَ عَمَلًا أَكَادِيمِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ مَسَارًا غَيَّرَنِي. تَعَلَّمْتُ فِيهِ أَنَّ مَا كُتِبَ عَلَى حَدِّ الكَشْفِ لَا يُقَارَبُ إِلَّا بِإِصْغَاءٍ يَتْرُكُ لِلْمَعْنَى أَنْ يَتَقَدَّمَ. وَهَكَذَا صَارَ النَّصُّ مِرْآةً فِي أُفُقٍ مَفْتُوحٍ لَا تَسْتَقِرُّ، وَصَارَ التَّحْقِيقُ سُؤَالًا، كَيْفَ يُقَارَبُ مَا كُتِبَ عَلَى حَدِّ الكَشْفِ بِلُغَةٍ لَا تَمْلِكُ إِلَّا أَنْ تُشِيرَ؟

لَطِيفَة المسكيني

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى