توأمة الدلالة وشعرية المكان
في محاولة لإلغاء سكونية الواقع تسعى القاصة الجزائرية جميلة طلباوي إلى إعطاء دفقة موضوعاتية عبر متن قصصي متماسك مستثمرة بمهارة و تقنية عالية موجودات الواقع مرتكزة بذلك على وعي جمالي راسخ ومنهجية مغايرة لثيمات ذلك الواقع الذي يجلدنا في كل تموضاعاته وعبر زخم تراكيب لا، حدود له وبين الصراحة والرصد الواعي والجملة المكثفة يقترب النص الإبداعي عند الجزائرية جميلة طلباوي بتجريب لون من المقاربة السو سيولوجية دون محاولة لقسرها واعتسافها في فهمها فالقيم الفنية تكمن في مسارات الحدث ودفقه كون العمل القصصي هو تجربة تفرض قضايا أهمها الوضوح والالتصاق والتعبير بصدق وهو تضامن مبدئي يدعم الموقف ويوسع التجربة لأنه فعل واع من أفعال العقل يتشابك ويتداخل ليؤثر ويفسر حالة النهوض في حواريتها فالنص القصصي عندها يبدل (كفعل حكائي) من واقع يبدو استمرارا غير منقطع لما سبق، يأخذ بالتأكيد هذا الواقع بعدا رمزيا واضحا يتجاوز البعد ألاستعمالي والنفعي بوضح إلى علاقة حميمة.
يشكل التشبيه الرمزي. الزخرف القصصي المحوري الذي اعتمده النص ويقوم عليه نسيجه لما له من دلالة رمزية مكتفة تستوعب الانتماء للمكان والناس ويأتي الاستغراق في (الحوار) تأكيدا لهذه الوجهة التي طرحتها القاصة من خلال أنواتها والامتداد الجغرافي القريب إذ يشكل الشارع البنية المكانية للفعل الحكائي وخاصة في قصة (أنين الشارع) تقول جميلة طلباوي (في ذلك الشارع الطويل الممتد كقدر يلازمنا. يخلط اوراقنا يجردنا من تفاصيل الحكاية التي كان من الممكن ان يجعلنا اكثر اطمئنانا لهذه الحياة وجدت نفسي اخوض رحلة بحث عن لحظة اخرى) فهي تسخدم ضمير المتكلم بينما تحافظ على شكل الغياب في قصة (صوت من الماضي) ورغم ذلك تزدد حدة القطيعة بين المستويين فضلا عن اختلاف الاحداث والسياق وان ظل الاطار الزمني الشفيف قادرا على لفهما معا لا بالنسبة لتوالي القول في الكتابة المادية فحسب وانما فيما يتعلق بالعالم المروي قد اتاحت صيغة المتكلم للراوي ان يستثمر قدرا كبيرا من تقنيات تيار الوعي وان ترتب عليها انحصاره في نطاق الوعي القائم دون امكانية مباشرة لمشارفة عالم الوعي الممكن عبر هذا القطاع السردي الرئيسي. لكن هناك نتيجة اولية لافتة لتبني صيغة المتكلم سواءا في قصة (امرأة من ندم) او في قصة (انين الشارع) ادت هذه الصيغة لكسر قوانين اللغة القصصية العادية وتمثلت في امكانية المزج في هذا السرد الحيوي الساخن بين عدة مستويات تنهمر بتلقائية تحول دون الشعور بعدم تجانسها اذ تستمد هذا التجانس من قدرتها على الكشف عن اللحظة الماثلة في الوعي ولنأخذ مثلا مشهد الجلوس الى تلك الطاولة في قصة (امرأة من ندم) اذ تقول (كانت المرة الاولى التي اجلس فيها الى تلك الطاولة ربما رغبة مني في تجديد شيء بداخلي حتى اضمن لنفسي استمرار الحياة التي كانت ستضيع مني)
ولا اود ان اتوقف كثيرا عند الدلالات الاجتماعية المباشرة لهذه العبارات على ما فيها من تشويق لكن الجملة الاخرى تلخص الحس الجماعي لدى الراوي تقول (حاولت ان اتكور من جديد واندس في أي شيء لكنني بقيت واقفة امام طاولة اخرى في لحظة اخرى.) وعندئذ نجد انفسنا امام تقنية لغوية. وكسر لحاضر القص. وقد تمكنت جميلة طلباوي بأستطاعاتها الناشطة ان تحلينا الى حركة القص في النصوص الاخرى. واذا علمنا ان زمن القصة اطول بكثير من الزمن على مستوى الوقائع. ادركنا حجم مسؤولية السرد في تغطية قليل من الزمن بكثير من القص بعيدا عن الزوائد والافراط. فالوحدات السردية تمتد عبر سياقات الحدث. وربما لا يعتمد فيها على مثلث سردي تقليدي بل على ازمنة فيزيائية يجترها النص ورؤية السارد فينتج لنا تشاكلا ثنائيا.. تتوزع تموضوعاته على بيئة النص الفنية. كما هو واضح في تناص القاصة المبدعة مع الشارع كبنية مطلقة الحضور. وبناءا على هذا المعطى فأنه بمقدوري توأمة هذه المعطيات الدلالية للتشكل البنيوي العام للمعنى مع الوحدات السردية التي كتبها القاص العراقي زمن عبد زيد الكرعاوي فمن خلال قصة (احتراق) و (وتداعيات مراهق) و(ثلسيميا الفرح) ترتسم كثيرا من النتائج البنيوية التي تولد من تلك المشتركات فهي قصص مفتوحة نحو المكان كبنية ؤكدلالة وكذلك الشخصية عندهما مستمدة من واقع الحياة فهم ممن نعرفهم ونلتقي بهم كل يوم. فهي شخصيات مباشرة رغم انها مرمزة. وقد اعتنى كلاهما عناية خاصة برسم شخصياته فنحن نحس تماما بقلق (المرأة) سواء عند زمن عبد زيد أو عند جميلة طلباوي.. يقول زمن عبد زيد من قصة (احتراق) (واليوم صرت انا وامي وحيدتين ولكنا لم نشك ابدا من هذه الوحدة فأمي امرأة قوية وجدت لها عملا يضمن لنا الاعتماد على نفسينا. كما تقول.
اما انا فأخذت الحيرة تتسلل اليّ من مكامنها الخفية) وهذا ما نحسه ايضا حين نحاول رسم صورة ذهنية لتلك المرأة عند جميلة طلباوي – في قصة (صوت من الماضي) تقول (اخيرا بدا لها بصيص امل في تلك الصبية التي كانت تمشي نحوهما خلقت جوا اخرا هو اقرب الى الفرح بقدوم شخص غال على قلوبنا)او.. تقول (وما كانت تعلم الطفلة بأنها بأصرارها على خلق تلك المقابلة بين طبيبتها ووالدها ستعيد الماضي اعرجا بكل اوجاعه) ولم تختلف لغة الحوار عن لغة السرد لدى الكاتبين المبدعين فهي الاخرى غير متكلفة فلا نحس انها مقحمة او مفروضة على وعي الشخصيات وطبيعة حديثها فاصوات الشخصيات ظلت مالوفة خاصة عندما تتحدث الشخصيات عن تراثها الشعبي فهناك اكثر من مشهد وصفي يتداخل المأثور الشعبي مع المقاربة التاريخية فقد منح القاص زمن عبد زيد نصوصه بعدا مكانيا يتساوق مع الحدث من خلال توظيف واستخدام المفردات والاسماء والرموز التي هي من خصوصيات المدينة وهو بهذا البعد المكاني اسهم بوضوح في صنع الخصوصية المحلية والبيئية للقصة وهذه التأثيرات لا تقف عند استنساخ ونقل الواقع والصورة المكانية بطريقة تطابقية صرفة وانما تعد ذلك باضفاء بعدا دلاليا للبنى المكانية التي كونت مساحة سردية واسعة وهذا ما نلاحظه في الامكنة التي تناولتها القاصة جميلة الطلباوي (الشارع الارصفة.. الطرق.. الخ) وبهذا المقترب يتشكل لدينا رديفا تعبيريا وهو عبارة عن متقابل شيئي يستمد عوالمه من مهيمنات النص. في قصة (ثلسيميا الفرح) يتشكل عند زمن عبد زيد الفارق الرؤيوي وهو يواجه واقعا دمويا مسيجا بالموت. يقول القاص زمن عبد زيد من هذه القصة (الله يا باب المعظم.
الطلبة يرتادون الكلية بلا رؤوس زميلتي تلبس ((ربطتها)) بلا رأس) وهكذا يتواصل قصديا. مع معجمه المكاني (الكرادة.. كهرمانة. باب المعظم كلية الفنون... الخ) ولكن هذا ناتج طبيعي للسقط الشاقولي الذي تعرض اليه البناء الاجتماعي. ان القاص قدم من خلال شخوصه هجاءا اجتماعيا. لمنظومة القيم القائمة على عوامل الكف. والاستلاب والقهر. وهو اذ يشجب اخلاقيات المرحلة لم ينس ان العمل الابداعي يحمل ممكانه ووسائله التعبيرية لا كوثيقة تاريخية بل كمنجز ابداعي تنعكس فيه كل صرخات الاستغاثة لصياغة تشوف اجتماعي جديد.
وتطلع دافق نحو انسان جديد. لذلك فانه يتناص مع انساق النص بمقتربات مكانية وتاريخية وترميزات ومؤثورات ليحقق مشهدا بصريا ويقوم بدوره في تسجيل حيوات وانوات متعددة والوقوع على الملامح المائزة الكاشفة عن مواقفهم ومواقعهم. لقد تصرف زمن عبد زيد في المفردة فهو حينا يكشف في وجودها المادي الثقيل عبر مجموعة من الجمل الاسمية الاستاتيكية المتوالية التي تتراكم فوقها تلال اللحظات وتنبعث منها ابخرة الحياة. وحينا اخر ينفخها في الهواء لتطير برفق وتحط على ارض الشارع بسلام في طفولة شعرية عذبة واذا انتقلنا الى تأمل الرؤوس القصصية المحكمة التي توضع على جسد كل فصل من فصول الحياة نكتشف بتجلي وجود العلاقة المفعمة بالحس المجاوز للواقع عند القاصة الجزائرية المبدعة غير انها اكتفت من الفعل القصصي بانفراج ازمة البطلة وهذا التوازن نجده واضحا على صعيد بناء الشخصيتين الرئيسيتين في قصة (امرأ من ندم) (نبيلة ونهاد) تقول جميلة طلباوي (سرفك يا نبيلة كان مشبوها. خاصة وجود الاخر معك في نفس الطائرة في نفس المرحلة كان يؤكد بأنكما خططتما معا لكل شيء)في حين ان القاص زمن عبد زيد قد حقق توزانه الفني في الفعل القصصي من خلال المعادل الرمزي وهذا ما نراه في قصة (ثلسيميا الفرح) يقول القاص (الموتى كتبوا على لوح القبر ((هيهات منا الذلة)) كهرمانه عند مدخل الكرادة تسكب احاديثها في ايقونات العبث عن لصوص جدد لكن شهريار القرن الحادي والعشرين يقطع رأسها) ويبقى البناء المتماسك سواء عند جميلة طلباوي ام عند زمن عبد زيد سمة فنية فلم تتكدس الاحداث عندهما بمعنى ان الشخصيات لم تتحرك في اطار واسع جدا من الاحداث ولم تسر الشخصيات بخطوات طائشة بل حدد كل منهما خطواته.
وبرر هذه الخطوات وتوقع لها ردود فعل اعتيادية فلم تتعرض الشخصيات في نصوصهما الى التغريب. بل كان هناك ترميزا افحصت عنه الابعاد الفنية في قصص زمن عبد زيد – كذلك استعان كل منهما بالاخليه. على الرغم من الاحداث التي تعرضت لها النصوص التي يمكن ان تقع. فقد اطرت الواقعية الاجتماعية نسيجهما الفني. وميزة هذه القصص عند كلا المدعين ليست في مسار الاحداث وانما في مواقف الشخصيات ازاء تلك الاحداث وقد رسم كل منهما هذه الشخصيات بلغة سرد غير معقدة كما انهما تحدثا عن الشخصيات بضمير الغائب. وخاصة عند زمن عبد زيد ولم يستخدما. تقنية سردية غريبة خاصة القاصة المبدعه جميلة طلباوي. وكذلك اتسمت تقية السرد عندها بالعمق والايحاء
ان مضامين واختيارات الهموم الانسانية التي تنحاز القاصة للاعلان عنها تلح وتعلن انه انسان حيثما هو الانسان وفي النسيج المكثف تكبر العوالم من خلال تعاون ذاكرة المتلقي من الومضات الايحائية. وبهذا المعنى فأن ناتج العمل السردي في نصوصهما يولدان شعورا بالمسرودات.. والذات الساردة.. وابتداءا من (اوجاع الذاكرة) عند جميلة طلباوي و(فوبيا) عند زمن عبد زيد ولهذا بمقدوري ان اقول ان هناك مستويات مشتركة في النصوص التي اتيح لي ان اقرأها.. وان هناك اهتمامات مشتركة خلقت تيارا من الرؤى والاساليب.
