الجمعة ١٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٠
بقلم عصام شرتح

جئت إليك يا أمي

جئت إليك يا أمي
أجر ذيل شقائي ورائي
كل سنوات عمري الضريرة
كل خناجر معاناتي
أنا الطفل الحافي الذي تعرفين
أنا الذي كنت أضحك وابتسم من أعماقي
جئت أحمل تذكرة العبور لعينيك الطيبة
وأضع جبين انكساراتي على محراب قدميك
أنا المقتول يا أمي
في كل مواسم حياتي
ما رضعت إلا المرارة من ثدي الشقاء
أعديني إلى الرحم
كرهت شكل ردائي
ولون حذائي
وقبعة الذل والانحناء
طهريني يا أمي من شقائي
كنت أتسلى بأغانيك عند الصباح
وأنتظر تمتماتك في الصلاة
ودعواتك الممسكة بالرحمات
وابتسامات عينيك الطيبة
وندى حنانك على ردائي
آه يا أمي،
ما وجدتك
غربتنا الآه منذ سنين
وأكفنا خالية إلا من الأنين
وانكسار عينينا على ناصية الأحزان

2
جئت يا أمي
من كسل الأشواق الحائرة
لألتفت إلى أناملك العذبة الرقيقة
جئت أعطر قبلاتي
بالقبلات
وألقي على شنبرك الأسود
حرقة الدمعات
آه ، تغربت كل دروبي
وانكسرت في وجعها الطرقات
وتاهت في فراقك أشلاء الخطوات
ما عدت قادراً يا أمي
أن أروض أحصنة حنيني
أو أمسح عن عيني هذي الكآبات
جئت يا أمي
أتهجى أنفاسك الطيبة
وأنفض عن غبار أحزانك
حرقة الكلمات

3
جئت ياأمي محملاً بأكف الرجاء
أتشهى حبق عينيك الطيبة
وأنتظر حبل الغسيل على العتبة
جئت يا أمي لرغيف شقائنا المقمر
على نيران الأشواق المتعبة
أحضن ليمونة الدار
وألوح على الشرفة
كفلاح يستحث تراب حنينه بعينيه
ويشوي عرق حزنه بشفتيه
إلهي
غداً تمطر
أتمطر يا أمي؟
وأعود لحضنك الأخضر
لرغيف طيبتك الأسمر
غداً
تكبرين يا أمي
وأكبر
والمناديل تلوح كأسراب الطيور المهاجرة من بعيد
هل وجهك الطريق
أم ضاع الدليل والطريق؟
هل وجهك الأفق العميق
أم حريق المسافات النائية
على الشط البعيد?
آه يا أمي،
غداً أنتظرك يا أمي
وتنتظرين
ستجدين الغياب
يحضنك عند الباب
وتحرقني دموع عينيك الطيبة
دون وداعي
يا أمي لاتغلقي الباب
سيكبر ندمي في أحضانك
ويتنامى يتمي بين يديك
كخريف الطرقات اليائسة
يا أمي لاتغلقي الباب
وانتظري
قد يأتي صوتي عند العتبة
ويتشمم عرق طيبك الفلاحي
ومسك صوتك الحنون
ولدي
جئت إليك يا أمي،
من ضنك المراكب البعيدة
أحمل تذكرة عبور لعينيك الطيبة
الشقاء أدمى مقلتي
جئت أجر خيباتي ورائي
كذيل حصان أعرج
وأخفي دمعاتي بشاربي المنكسرين
جئت يا أمي
أنا الولد الحافي الذي تعرفين
أتنفس آلامي كعجوز طريد
واستلقي على كسلي الخجول
وأكنعس في الزاوية المهملة
وأضع رأسي بين يدي
وأبكي

4
جئت يا أمي
لتنور الذكريات
لضحكات يديك وهي تعانق النجمات
تعانق العتابى والمواويل الجارحة
جئت لصيحات الديك
وهي يلاحق ندى يديك المتعبة
جئت يا أمي من ضياع الطريق
جئت من الحلم العتيق
أعانق يديك الصباحية بندى الأشواق
جئت يا أمي
أعانق شنبرك الأسود
وأعلق على وجنتيك
ضحكات عيني التي كانت
وجهي الخريفي الضائع
آه يا أمي
أعيديني إلى حضنك
الضاحك
إلى جدائلك الريفية
التي تغزلها نسائم الفجر
وعبير خطواتك الفلاحة
جئت يا أمي
أحمل صرة حزني
ورائي
وأجر خلفي شقائي
وأضحك لعينيك
هلا فتحت الباب
يا أمي
هلا فتحت الباب
لا تتركي يدي المتعبة
تلوح بعذاب
وحق أنفاسك الفجرية الندية
لا تغلقي الباب
جئت يا أمي
أمرغ أنف كبريائي
على راحتيك
لأعطر أنفاسي
وأكحل عيني بضحكاتك الصافية
وتمائمك الصباحية المنعشة
وأحضنك وأبكي"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى