الأربعاء ٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٢
بقلم جورج سلوم

جريمة إلكترونية

وقال لمساعده الذي يشاركه العمل في ورشةٍ صغيرة لتصليح الهواتف الجوّالة:

 وهل تمّ إصلاح الآيفون؟

 إنه جاهز يا صديقي

 ممتاز، وأجرة التصليح تتماشى مع سعر الجهاز كما تعرف، فلا تتساهل مع الرزق الحلال وقد جاءنا على قدميه يسعى، خذ أجرةً مضاعفة

وابتسم المساعد بخبث وكان يغوص في القطع الصغيرة لجهازٍ آخر، وقال بدون أن يرفع ناظره:

 والله إن صاحبة هذا الجهاز تستأهل الإصلاح مجاناً

 لماذا؟ وهل هي زوجة أو ابنة رجلٍ مهم، بحيث تنال حظوةً بالتقرّب منها؟

وترك المساعد ما بيده، ونظر بعينيّ صديقه، وقال بهدوء:

 إنها زوجة أبي قيس الثانية، جميلة ومثيرة، ومُعاد تصنيعها تجميلياً كممثلات السينما، صوتها وطريقة كلامها عندما تحدّثك، حضورها وعطرها، كلّها قنبلة من الإثارة، أمّا سيّارتها..

وقاطعَه الشاب أيمن صاحب الورشة:

 أبو قيس العضو القديم الجديد المتجدّد المتجذّر في مجلس الشعب؟

 هو بعينه، وهي زوجته الجديدة وبعمر بناته

وقال أيمن:

 أعطني الجهاز لأتفحّصه

 يمكنك أن تشمّه فقط لتتأكّد من صدق كلامي، إنّ العطر الثقيل متعشّق في قِطَعه وغلافه بحيث أنك تتخيّل مواقع بصماتها التي احتضَنَتْه

 نعم، نعم مفهوم، إنّ الهاتف الجوّال هو توأم الجسد

 والله أنا أحسده هذا الآيفون اللعين، لأنه شريكها وينام معها ويراها كلّما تبحّرت في شاشته

قال ذلك وعاد للغوص كالصائغ في أدواته الصغيرة وتحت عدسته المكبّرة أحياناً، أما أيمن فقام بوصل الآيفون بحاسوبه عن طريق وصلة شريطية خاصة، ولم يلاحظ المساعد الساخر مدى الاهتمام الذي بدا على معلّمه الذي نجح بالدخول إلى ملفّات الآيفون المُقفَلة وبدأ بنسخ بعض محتوياتها.

أكثر من ساعة مضت حتى قال أيمن باستخفاف وهو يعيد الآيفون للخزانة خلفه:

 إن جاءت صاحبته بغيابي قل لها إنه غير جاهز ويحتاج وقتاً لاستبدال إحدى القطع، ودع الباقي عليّ

 لكنها ستأتي اليوم عصراً، ووعدتها بأنها ستستلمه جاهزاً للعمل، لا تجعلنا سنداناً لمطرقة زوجها أبي قيس، إنه قادر على إغلاق ورشتك بكلمة أو بإشارة من بنانه، وأنت تعرف!

وقال أيمن:

 أعطني رقمَها وأنا سأتصرّف، ابقَ أنت خارج اللعبة

واستمرّت الأحداث بتتابع معروف، بأنْ اتصل بها أيمن بشكل سرّي، وهدّدها بمحتويات هاتفها الفاضحة من صور ومقاطع تسجيلية لعلاقاتٍ شاذة قد تودي بها إلى الطلاق أو القتل، وقد تودي بمركز زوجها وسمعته إلى الدرك الأسفل في المدينة الفاضلة، ذلك إن قام بنشر تلك المحتويات على الفضاء الرقمي الذي سيتلقّف أخباراً دسمة كهذه.

كانت الفدية المطلوبة لسكوته أرقاماً مالية، ثم قِطعاً من مصاغها، ووافقَت على مضض. ثم طلبَ خلوةً معها تكون كافية لإسكاته نهائياً، وبالتالي حذف محفوظاته الثمينة التي يقامر بها.

كان يطلب بلهجة الآمر، وكانت تستجيب صاغرةً لعلّ الأمر يبقى سرّياً، لكن تماديه في طلبه الأخير جعلها تعيد حساباتها، ووعدَتْه بأنها ستتدبّر الأمر قريباً وقريباً جداً.

لا يمكنها طرح القضية على زوجها أبي قيس، لكنها أسرّت بمكنوناتها لصديقٍ قد يعنيه الأمر مثلما يعنيها، فقال إن نشر هذه الملفّات هو جريمة إلكترونية ويمكنها اللجوء للشرطة ومقاضاة الفاعل، ولكن هيهات!

ولم يطلْ الأمر بأيمن الذي كان ينتظر قضاء شهوته، إذ استفاق القوم على حادثة احتراق تلك الورشة الصغيرة لصيانة الهواتف الجوالة، وقالوا إنها حادثة ناجمة عن تماسٍ كهربائي، وقام رجال الإطفاء بواجبهم، ولكن للأسف كان صاحب الورشة المدعو أيمن فيها، وتوفّي بفعل الحريق اختناقاً وربّما خنقاً، مَن يدري!

ومن غير المعتقد لدى الرأي العام أنّ جريمة عادية تمّت درءاً لحدوث جريمة إلكترونية!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى