الأحد ٢٣ أيار (مايو) ٢٠٢١

جمالية التكرار ودوره في بناء النص الشعري

عرجون محمد هادي

جمالية التكرار ودوره في بناء النص الشعري عند الشاعر عبد الحميد بريك من خلال المجموعة الشعرية "على كوكب وحدي"

(على كوكب وحدي) ذكرني هذا العنوان بقصة تسمي (الطرقة)، القصة من تأليف فريدريك براون، ومكونة من جملتين ومصنفة من قصص الرعب وهى: « أخر شخص في العالم جلس وحيدًا في غرفة، فسمع صوت طرق على الباب» لطالما راودني هذا الشعور منذ صغري ونفترض أن الأمر حدث فعلا ... وبشكل ما (قد تكون كارثة طبيعية أو وباء يصيب الأرض ... إلخ) ... تبقى أنت وحدك على وجه الأرض ... لا وجود لأي كائن بشري آخر فالإنسان اجتماعي بطبعه ولذلك أطن أنه سينتهي به الأمر بالجنون والهلوسة، قد ينهي حياته بنفسه أو يكملها كمجنون يعيش بمفرده على سطح الكوكب... ولكن هذه الحياة –عند الشاعر- ليست حياة مادية بقدر ما هي حياة معنوية روحية حيث يرى الشاعر أنه يعيش في عالم غريب مختلف عنه فهو المنتصر للقصيدة العمودية التي قل مريديها مع تنامي قصيدة النثر التي استأثرت بالحيز الأكبر في الساحة الشعرية التونسية حتى أصبح الشعر العمودي غريبا و الشاعر بدوره يعيش غربة صالح في ثمود.

(على كوكب وحدي) وما يضفيه هذا العنوان من الكآبة والانعزال بالإضافة إلى العزلة ومشاعر الحزن والقلق قبل أن نغوص في محتوى وكوامن المجموعة الشعرية الصادرة عن الثقافية للنشر والتوزيع بالمنستير سنة 2021 على مساحة 136 صفحة من الحجم المتوسط ضمت بين جوانحها 38 قصيدة عمودية بث فيها صاحبها الشاعر عبد الحميد بريك أنفاسه وأعطاها من روحه الشيء الكثير لتخرج لنا نصوصا تزدحم فيها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والغربة بالحلم حين يخلي سبيل الحرف بين شفاهه ليصعر خد القصيدة، ولينحت على شفة القصيدة أصوات الغياب ويشهد انتصاره للقصيدة العمودية. فهو الملطخ بمؤامرات القصيد والوطن ليبني له خيمة من عمود الشعر.

في البداية لا بد من أن ننطلق من عتبة العنوان كعتبة نصية لها دلالاتها فالعنوان لا ينطق عن الهوى بل يأتي لإثبات شيء واقع في نفسية الشاعر، فمن خلال هذا العنوان نلاحظ أن الشاعر حرص على أن تتحرك القصيدة في نطاق مكانية العنوان، وهو ما يوحي بعدة دلالات ومدى حاجة الشاعر إلى تعميق الارتباط بالمكان الذي يبحث عنه والذي يشير الى الانفراد والوحدة فالشاعر بين عالمين عالم ارضي مرتبط بالدنيا بكل مكوناتها وعالم علوي مرتبط بالسماء وهيبتها وعلوها وبين هذا وذاك نلاحظ أن الشاعر يتحدث عن الغربة غربة الشاعر في الوسط الثقافي الذي يعيش فيه ولكن هذا الوسط طغت عليه أنماط شعرية كثيرة وأساليب مختلفة فالشاعر منتصر للقصيدة العمودية التي أصبحت غريبة في هذا الزمن حتى أن هنالك قلة قليلة ممن يجيدونها و يبرعون فيها، حيث أن هناك من يقول أن الشعر العمودي مقيّد بقافية ووزن وموسيقى، بحيث تحدّ هذه الضوابط من اختراق عوالم الخيال وافتضاض مساحات الدهشة واقتحام الرؤى والتساؤلات الفلسفية التي نجدها بغزارة في قصيد النثر، لذلك يرى الشاعر نفسه أنه يعيش في عالم آخر وكوكب آخر وقد اختار القصيدة العمودية في هذا السياق ملجأ لأفكاره فهي رؤية بمنظار خاصّ جدا يخيط تفاصيلها وينسج معاني أبياته بكل تفاصيلها لتكون الكتابة عنده بمثابة (نول) منسجا للحظة حلم أو وجع أو فرح أو غربة أو أحزان، وقطعا فالمآسي والأحزان فهي الأقدر على إلهام الشاعر وجعله ينسجها قصيدا متّسما بالصدق مؤثرا لأنه يخرج من رحم المأساة.

أهمية التكرار في شعر عبد الحميد بريك:

يعتبر التكرار عند النقاد والباحثين في مختلف الأزمنة من أهم ظواهر الخطاب الأدبي التي تعتبر من أبز الظواهر الفنية والأسلوبية التي تنبين لنا أبعادا دلالية وفنية تحفز المتلقي للنظر والبحث في دلالات القصيدة ومراميها، فالتكرار يعد من الأسس الأسلوبية التي تعمل على التماثل في النص الشعري خاصة وأنه يساهم في تمتين وحدة النص وتماسكه بالإضافة إلى أنه مرتبط بالحالة النفسية للشاعر بشكل مباشر، وما يريد أن يبعثه من رسائل ومضامين فكرية. فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، كما يعتبر تكرار كلمة واحدة في أول كل بيت من مجموعة أبيات متتالية في قصيدة، أبسط ألوان التكرار، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يتكئ إليه أحياناً الشعراء في محاولتهم تهيئة الجو الموسيقي لقصائدهم، كما أن هذا التكرار لا يرتفع إلى مرتبة الأصالة والجمال -على حد تعبير-نازك الملائكة، إلا على يدي شاعر موهوب يدرك أهمية المعنى الذي يلي الكلمة المكررة في البيت ليحصل الانسجام والتكامل والإيقاع والمعنى.

هذه التقنية (تقنية التكرار) والتي عبر عنها الدكتور صميم إلياس كريم بقوله: "وتكمن شاعرية التكرار وقيمته الإيقاعية والدلالية بخاصة في أن مبدع النص/ الشاعر يحاول الاتكاء على تقنية التكرار أن يكشف لنا عن الأمور والأشياء والنوازع التي يعني بها أكثر من غيرها، فهي عباراته لأنه تشكل مرآة صادقة تعكس ما يخالج الشاعر ويعتري وجدانه"(1).

فالتكرار في ديوان (على كوكب وحدي) له أهمية بالغة، بما أن التكرار في الشعر الحديث يهدف لاستكشاف المشاعر الدفينة وتبيين الدلالات النفسية والوجدانية لدى الشاعر، ويظهر ذلك من خلال تكرار الكلمة في صور مختلفة، تتمثل الصورة الأولى في تكرار نفس اللفظ في بداية كل مجموعة من أبيات القصائد أو في وسطها أو نهايتها ويكون التكرار بشكل متتابع حيث يؤدي إلى دلالات معينة ليعبر عن همومه ولإثارة إحساس المتلقي. ويتجلى ذلك خاصة في نص (الصبح آت) بقوله: ص47:

وليسألوا الأرض فالآثار تخبرهم
ما ظل منها وما من أرضنا اختلسا
وليسألوا الله والأديان قاطبة
والأنبياء ومن منهم بها أنسا
وليسألوا الأذن والآذان منبعث
من جوف صومعة وليسألوا الجرسا

فحين يكرر الشاعر مفردة واحدة في صورة شعرية مكثفة، تكون مثل قبس من نار في ليل بهيم، يستفز المتلقي ويرشده ويبعث في داخله إحساس موسى "إني آنست نارا"، لأن الشاعر يعرف كيف يوظف التكرار في قصيدته (أترى نصدقهم) ص55:

أترى نصدقهم ونار جدودهم
عشقوا الظلام فأطفؤوا أقباسها؟
أترى نصدقهم وهم من هالهم
نور الضحى فتعمدوا إغلاسها؟
أترى نصدقهم ومبلغ حلمهم
ليل وخيل لم تضع أحلاسها

أما الصورة الثانية فهي تكرار الجملة بشكل متتابع في الأسطر الشعرية والذي يأتي متواترا أحيانا ومنفصلا أحيانا أخرى ويتجلى ذلك خاصة في قوله: ص49:

عبثا أعلله الفؤاد بوردة
لي كم شكت آثار نعل داسها
عبثا أعلله الفؤاد بوردة
وقصيدة قد أعلنت إفلاسها

ففي مختلف نصوص المجموعة تتكرر جمل ومفردات جاءت متواترة مثل (هو الحلم/ أخشى عليك/عبثا اعلله الفؤاد بوردة/ أترى نصدقهم/ ما همهم/وليسألوا/ قوموا/قالوا بأنا/ غريب أنا/ أتوق لأنثى...) وقد جاء هذا التكرار ليعبر عن موقفين متلازمين أحيانا ومختلفين أحيانا أخرى، الأول مفعم بالشدة، والثاني مفعم باللين. فالشاعر هنا أراد من التكرار، تأثيث قصيدته بأنماط منه، يكرس بناءها المقترن بعلو الصوت الشعري. كما نلاحظ في هذا التكرار، كيف يعمل على مزيد إيضاح المعنى قبل الإيقاع، ومن خلاله في تكريس موقف الشاعر من الحياة حين يلهب زفير الكلمات ويكشف عما يخالج ذاته وواقعه بسرد حالات وجدانية تلامس الواقع وتعبر عن واقع مجتمعي انطلاقا من سيرة وأحاسيس خاصة.

كما لا يخفى أن للتكرار في هذه المواضع كلها علاقة كبيرة بظروف الشاعر النفسية في أغلب المواضع وهو ليس غريبا عن المدونة الشعرية العربية حيث نجد مثل هذا التكرار في شعر المهلهل، حين كرر عبارة "قربا مربط المشهر مني"، و"المشهر" فرسه وهو يستدعيه، إيذاناً بعزمه على الحرب، ورداً على قصيدة الحارث بن عباد التي استدعى فيها فرسه "النعامة" مكرراً بدوره عبارة "قربا مربط النعامة مني".

إنه تكرار فني، يستدعي التأويل، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثر الدرامي أو من خلال استجابات القراءة، حيث ينبع من إيقاع ذاتي، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر، فتتحقق المشاركة بينهما في الوصول إلى مدلولات التكرار في النص الشعري.

كما يمكن القول أن التكرار جاء هنا بمثابة كشف عن رغبة لدى الشاعر في الغناء، تلك الرغبة التي بدأت عنده منذ الصفحات الأولى للمجموعة، لتظهر في شكل انفعالات موسيقية وغنائية، فكانت القصيدة أغنية يتكرر فيها رفض كل ما هو سلبي في الشعر وقاتم في الحياة. حيث يقول في نص (محسن وكفى) ص86:

لا لن أقول بأن الأرض قد وقفت
ولن أقول بأن الله ما لطفا
ولن أقول بأن الأرض قد كسفت
ولن أقول السماء اساقطت كسفا
ولن أقول غراب البين شتتنا
بعد النعيق طويلا ريشه نتفا

إنها صرخة الشعر التي تتكرر لنقد الواقع المعيش وما يدور في فلكه من سلبيات لمواجهة القهر بالإرادة. ليأخذنا بالشعر إلى رؤى شغلت رؤيا الشاعر الوحيد على هذا الكوكب.

فلا يقتصر الوفاء للشعر العمودي عند عبد الحميد بريك على تمثل أساليب الشعر العربي من حيث التكرار وأغراض الشعر وتمسكه بالهوية والاحتفاء به و التعبير عن عصره بلغة الخليل دون أن يقع في فخ الماضي بالتناص مع أشعار القدامى والتناص الديني بالإضافة إلى استحضار الشخصيات التراثية التي تخدم النص و تفتح أبوابه على الواقع مع إضفاء الأبعاد المعاصرة لتجربة الشاعر على هذه الملامح و تأويلها تأويلا خاصا يلائم طبيعة التجربة، أو التعبير عن هذه الأبعاد المعاصرة من خلال هذه الملامح بعد تأويلها عن طريق بث أفكار وقضايا معاصرة.

استحضار الشخصيات التراثية:

يقول الدكتور: علي عشري زايد في كتابه "استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي الحديث ": "من الطبيعي أن الشاعر يوظف شخصية تراثية فإنه لا يوظف من ملامحها إلا ما يتلاءم و طبيعة التجربة التي يريد التعبير عنها من خلال هذه الشخصية" فالشاعر عبد الحميد بريك يحاول أن يكون متفردا في نحت تجربته الشعرية بكل أحاسيسه وعمقه الشعري مدافعا عن مشروعه في كتابة القصيدة العمودية بتقنيات حديثة وبذلك يؤسس موقفا مما كتب ويكتب حتى الآن. واختار في نصوص هذه المجموعة أن يوظف شخصيات تراثية سواء كانت دينية أو تاريخية أو أدبية توظيفا غايته التعبير عن أفكار وأراء يرد بثها للمتلقي وطرح قضايا عصره.

استحضار الشخصيات التاريخية والدينية:

الأحداث التاريخية والشخصيات ليست مجرد أحداث عابرة تنتهي بانتهاء وجودها الفعلي فإن لها من الدلالات الباقية والقابلة للتجديد في صيغ وأشكال تتكرر من خلال أحداث جديدة قابلة للتأويل والتفسير. حيث نجد عدد هام من هذا الشخصيات والحداث تم استدعاؤها لبث فكرة أو لطرح قضية من قضايا العصر، حيث يوظف الشاعر الشخصيات التاريخية كشخصية (جساس/ البسوس/ كليب/سراقة...) الذين يمثلون الوجه المضيء أو السيء في تاريخنا. يقول (ص54)

جساس هذا والبسوس تحثه
في صدرها قد أطلقت وسواسها
والنار في الحيين كرها أضرمت
لما استفز كليبها جساسها

وكذلك استحضار الشخصيات من التراث الديني كشخصية ( يوسف/ موسى/ زليخة/ هارون/ عثمان/ قابيل/ هابيل/قارون/السامري/ بلقيس)، حين يقول: (ص9):

يا يوسف الصديق أدرك غربتي
السجن صار من القصيد أحبا
هذا الذي رفع الحضيض وحطني
في ناظري تبت يداه وتبا
وأحلني دارا رأوها رفعة
ورأيتها –رغم الثوابت-جبا
ووجدت ألف زليخة ووجدتني
موسى بقصر الظالمين تربى
كما يقول في موضع آخر، (ص57):

ورأوا أمية يستعيد بلالها
وإذا النصارى تشتري عداسها
والسامري بها ليخرج عجله
بذلت له نفط الخليج وماسها
قد سبحت أصواتهم لخواره
هاروننا لم يستطع إخراسها
استحضار الشخصيات الأدبية والفكرية:

اعتمد الشاعر عبد الحميد بريك في هذا الباب على توظف هذه الشخصيات (الأعشى/ عبيد / امرئ القيس/ أبو نواس ...)، وكلهم يحاور شيطان الشعر، باستثناء أبو نواس، لبث أفكار وقضايا وهموم يريد نقلها للمتلقى بطريقة مختلفة مع الإيحاء والترميز أحيانا والتصريح أحيانا أخرى حول هذه الشخصيات، فليس بغريب عن الشعراء أن تكون الشخصيات الأدبية والفكرية هي الأكثر توظيفا في شعرهم خاصة وأنها الأقرب من نفوس الشعراء ووجدانهم، إذ يقول: (ص10):

بي بشر الأعشى فأوصى مسحلا
وهبيد أوصاه عبيد فهبا
وكأنما لفظي مهمة لافظ
منه امرؤ القيس العذوبة عبا

كما يمكن القول إن توظيف الشخصيات التراثية والأدبية في شعرنا المعاصر وفي شعر عبد الحميد بريك مرده عوامل ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وكذلك عوامل نفسية ظهرت على ملامح القصائد التي أظهرت غربة الشاعر بكل ما فيها من معاناة وقلق شعري على القصيدة العمودية في ظل قلة المهتمين بكتابتها.

التناص:

لقد اعتمد الشاعر التناص الذي يعتبر من أبرز التقنيات الفنية التي عني بها أصحاب الشعر الحديث واحتفوا بها بوصفها ضربا من تقاطع النصوص الشعرية مع نص سابق عليه ليكون علاقة خاصة بين نص سابق وآخر لاحق مع حسن توظيفه في القصيدة التقليدية أو القصيدة الحديثة على حد السواء. التناص الذي تعرفه جوليا كريستيفا التناص بأنه " ترحال النص لنص سابق وتداخل نص في فضاء نص معين تتقاطع وتتنافى فيه ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى"(2)

التناص الديني (القرآني):

حيث يظهر هذا التناص في شكل مفردات قرآنية منفردة أو مقترنة بلفظة أخرى، أو اقتباس مباشر لنص قرآني ظهرت في عدة مقاطع نذكر منها:

الصفحة
موضع التناص من البيت
ص10
يا سيدي إن العجاف تناسلت ** ووجدن فاكهة لهن وأبا
ص 11
وأثرن نقعا إذا أغرن وإخوتي ** جعلوا لهم حادي الرداءة ربا
ص14
إن الملوك إذا دنو من قرية ** هم يفسدون سماءها وترابها
ص52
من كل حدب ينسلون وبعضهم ** شقت عليهم أرضنا أرماسها
ص58
أو فلتقولي ثقيل الخطو سايرني ** وارتد عني على آثاره قصصا
ص60
بنت قصورا لأحلامي التي انتبذت ** ركنا قصيا وخافت من بها ربصا
ص62
يا ريح يوسف إني عاد لي بصري ** وقص لي هدهدي مما جرى قصصا
ص72
وغدا يصير الماء غورا، أبشري ** بالجدب عند تغير الأوضاع
ص103
تقواك يا قلب خانتني فما فلقت ** بحرا –عصاي-ولا أفعى أحولها
ص125
وأنفخ في الصور، أوقظ أهلي ** أعلمهم بعض علم أتاني

التناص الشعري:

وقد ورد هذا التناص في موضوعين مختلفين حيث يقول في نص (خلقي...) صفحة(25):

وأذا رأيت من اللئيم تمردا
من بعد أن أكرمته ...أكرمته
حتى إذا كان الكريم ملكته
وعذرتني إن لم يكن وصرمته

وهو تناص مع بيت قاله المتنبي والذي يقول فيه:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وأنت أكرمت اللئيم تمردا

وكذلك في استعمال لازمة (جادك الغيث) والتي أردفها بقوله: في نص (أحلام) صفحة 34:

"كل ليل ...
(جادك الغيث) أغني ...
ثم لا غيث ...
وأرضى بالصحاري"

وهو إشارة إلى الموشح الأندلسي للسان الدين ابن الخطيب الذي يقول في مطلعه:

جادك الغيث إذا الغيث همي
يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى أو خلسة المختلس

وهو موشح يتغنى به الشاعر بالأندلس التي أقام فيها المسلمون دولة قوية عاشت لقرون، ثم انتهى أمرها بأن تكاثف عليها الأوروبيون للقضاء عليها وهو إشارة إلى تكاثف الغرب على الدول العربية والإسلامية من خلال بث الفوضى وافتعال الحروب.

وكأن الشاعر عبد الحميد بريك يخترع الصورة قبل أن تأتي إليه، فيستل المفردة من موقعها المعجمي ويمنحها وهجها الشعري المناسب لها. ليطفو على السطح حلم التفرد حين تنسل الأحلام من قلب الشاعر نلك الأحلام التي انتبذت من الشاعر ركنا قصيا لغربته وعزلة التي اختارها الشاعر ليحمل أوزار القصيدة العمودية على كتفيه كما يحمل أوزار حلمه الذي يرمي العيش فيه من خلال استجلاء للمعاني التي اعتمدها الشاعر في تجربته الشعرية والحياتية. ليرث بعض معاناة الشاعر المعاصر الذي يكتب القصيدة العمودية: (ص71)

وأراني حاملا أوزار حلمي
فوق وزري... عابرا فوق الصراط

الخاتمة:

من خلال تسليط الضوء على جملة من مميزات الكتابة الشعرية عند الشاعر عبد الحميد بريك نلاحظ أن هذه الانفعالية المعتمدة بتقنية التكرار (تكرار الكلمات) أدت دورها الوظيفي في تنامي الإيقاع داخل النص الشعري.

كما نلاحظ ذلك التماسك والتمسك بالقصيدة العمودية والتي طرح من خلالها شكواه وآلامه وغربته التي يشتكي منها أغلب شعراء القصيدة العمودية في زمن طغت عليه أنماط شعرية أخرى مختلفة لها مميزاتها في الساحة الشعرية الوطنية والعربية كما يمكن القول إن توظف الشخصيات والأحداث التاريخية مردها بث أفكار وقضايا يريد الشاعر نقلها للمتلقي بطريقة مختلفة مع الإيحاء والترميز، لما لها من قدرة على استيعاب تجربته الشعرية.

(1)- صميم إلياس كريم: التكرار اللفظي و أنواعه و دلالاته قديما وحديثا (رسالة دكتوراه)ص138، جامعة بغداد كلية التربية ابن رشد،1988.

(2)- جوليا كريستيفا: علم النص، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال، الدار البيضاء،1997، ص21.

عرجون محمد هادي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى