الأحد ١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٨

جودة السينوغرافيا في مسرحية(الإمبراطور)

تمهيــــد:
قدم مسرح مناجم جرادة يوم 12 أبريل 2008م بالمركب الثقافي بالناظور مسرحية تندرج ضمن الكوميك الصادم تحت عنوان "الإمبراطور"، وهي مدعمة من قبل وزارة الثقافة مركزيا ومندوبية الناظور محليا. والمسرحية - كما هو معلوم - من تأليف الكاتب الإسپاني فرناندو أرابال الذي ألفها سنة 1966م تحت عنوان"المعماري وإمبراطور آشور". وقد اقتبس المسرحية عن اللغة الإسپانية إدريس الشليحي، وشخصها كل من حفيظ موساوي وإدريس الشليحي، بينما تولى حفيظ موساوي إخراج العمل وإدارة الممثل، في حين تكلف لخضر مجدوبي بسينوغرافيا الخشبة. أما الملابس فكانت من اختصاص عيادة موساوي، في حين كانت الإضاءة المسرحية ليحي هورير، بينما المؤثرات الصوتية اقترنت بأحمد بوعقلين.

1. دلالات العرض المسرحي:

تنقل لنا المسرحية فضاء تراجيديا مقفرا هو فضاء الجزيرة بكل مقوماته البدائية التي تؤشر على فطرية الطبيعة في مقابل غطرسة العقل والتكنولوجيا. وعلى الرغم من بعد هذه الجزيرة عن المدنية وأسباب الحضارة والعمران، إلا أنها تتعرض كل مرة للعدوان البشري والموت النووي الفظيع ، وتدكها بين الحين والآخر قنابل الخراب والدمار، وتحطم كائناتها الحية الأسلحة الجرثومية التي تودي بحياة العديد من البشر.

ومن ناحية أخرى، تنقل لنا المسرحية صورة إمبراطور شاذ مستبد ومطلق في حكمه يستعبد شعبه ليشبع رغبات ذاته ويحقق نزواته. ولم يتوصل هذا الإمبراطور المستهتر المهووس بمرض السلطة إلى حكمه ، إلا بعد أن اقترف عدة جرائم في حق الإنسانية وفي حق أسرته ، ولاسيما أنه ارتكب جريمة لاتغتفر في حق أمه التي خنق أنفاسها كما تدل على ذلك أشواط المحاكمة العابثة.

هذا، وتثير المسرحية فلسفة الذعر والخوف والحذر من البطش البشري، وتدين قسوة الإنسان و تنتقد جبروته السلطوي، وتستغرب عبر مجموعة من الأسئلة المطروحة دراميا تحول الإنسان إلى سفاك الدماء وامتساخه إلى كائن حيواني مقيت. ويعني هذا، أن الإنسان فقد الرحمة والعطف والرأفة الإنسانية، وصار عدوا لأخيه الإنسان، ولاهم له سوى السلطة وامتلاك مفاتيح الكون واستعباد الإنسان واسترقاقه باسم القوة والعنف والتجبر، كما تثور المسرحية على الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية. وفي نفس الوقت تثور على سياسة الحرب العدائية ، وتستنكر المسرحية أن تدمر البشرية بأعتى الأسلحة الفتاكة التي تتعارض مع كل المواثيق البشرية، و تتنافى مع إنسانية الإنسان، وتخالف كل قرارت عهود حقوق الإنسان.

وتحمل المسرحية في طياتها سمات التراجيديا والكوميديا الصادمة والنزعة السوداوية المتشائمة ، كما تقوم كذلك على ثنائية السلم والحرب، وثنائية التسلط والحرية، وثنائية الوجود والعدم. وهذا ما يقرب هذه المسرحية من النصوص الدرامية العابثة التي تستند إلى فلسفة اللاتواصل وتجريد الوجود الإنساني وربطه باللاجدوى وعبث الجريمة وتلاشي الكينونة البشرية.

2. الجوانب الفنية والجمالية:

تتحكم الإضاءة في تقطيع المشاهد الدرامية إظلاما وتنويرا، كما تقوم المؤثرات الصوتية الصاخبة في التأشير على دمار الحرب وقنبلة الطائرات للجزيرة المقفرة باسم العقل والمدنية والحضارة. ومن هنا، تتبين لنا جدلية الصمت والصوت الصاخب التي تعكس لنا الصراع التراجيدي بين خطاب السلام والحرب، وخطاب الطبيعة والمدنية، وخطاب العقل والأسطورة.

وتؤشر الأزياء المسرحية على مفارقة ساخرة، فهناك زي الإمبراطور الذي يحيل على السلطة والغنى والقوة والرياء والترف، ويطغى عليه اللون الأحمر الذي يحمل دلالة الموت والإجرام وسفك الدماء. أما الزي المقابل للزي الأول، فهو بدائي حيواني يحيل على البداوة والتخلف والعبودية والذل والمهانة، ويغلب عليه اللون الأسود الذي بدوره يؤشر على الحزن والمأساوية والمعاناة الإنسانية. بيد أن الممثلين كانوا يقومون بأدوار متعددة ؛ مما كانت هذه الأدوار المختلفة تستوجب تنويع الألبسة حسب السياقات والشخصيات.

ويحضر اللاندماج والإبعاد البريختي على خشبة المسرح بشكل واضح عن طريق تغيير الملابس أمام المتفرجين لتكسير الإيهام الأرسطي وتقويض نظرية التطهير الانفعالي الوجداني.

وما يجذب المتفرج في هذه المسرحية هي السينوغرافيا الطبيعية المقفرة الجدباء التي استخدمها لخضر مجذوبي حيث أثث الخشبة تأثيثا جيدا معتمدا في ذلك على الدقة التاريخية في تصوير الأجواء المقفرة للإنسان البدائي من خلال استخدام إكسسوار الرمح واستعمال الملابس الوبرية الحيوانية الصوفية، وتصميم كوخ قصبي وبري بالطريقة البدائية . كما التجأ السينوغرافي إلى الاقتصاد في الديكور وتكثيف الدلالات الموحية واستعمال الإكسسوارت الوظيفية.

لكننا نلاحظ مفارقة غريبة تتمثل في تداخل الماضي والحاضر، وتقاطع البدائية الأسطورية مع المدنية المتطورة عبر استخدام الأسلحة الفتاكة والقنابل الذرية والرشاشات إلى جانب استخدام الرمح والكوخ، كما تحضر الحداثة بواسطة استخدام الألبسة المعاصرة ودولاب الثياب وأنواع الشعر الملون، ولانفهم من توظيف رموز هذه المفارقة إلا رغبة الكاتب في إسقاط الماضي على الحاضر والعكس صحيح أيضا.

خاتمـــة:

على الرغم من بعض النواقص الإخراجية التي كانت تشوب استعمال المؤثرات الصوتية والإضاءة، وما يلاحظ من هنات سلبية تتعلق بأداء الممثلين الذي حول إيقاع المسرحية المتوتر في بداية العرض إلى إيقاع رتيب طوال المسرحية ، حيث فقدت الفرجة المسرحية حرارتها الدرامية وحيويتها الركحية بسبب الحشو في بعض المشاهد ، وكثرة الحوارات اللفظية المملة ، وقلة الحركة والتنقل فوق خشبة الركح، وانعدام الكوليغرافيا والموسيقا والحركية المشهدية، فإن السينوغرافيا بمكوناتها الجمالية وعناصرها الفنية عوضت هذا الخصاص الدرامي، واستطاعت أن تحقق رسالتها المرجعية ورهانها التداولي، وأن توصل للمتلقي الراصد رسائل سيميوطيقية وظيفية. ومن ثم، يمكن القول بأن هذه المسرحية طافحة بجودة الديكور وروعة السينوغرافيا، لكنها في حاجة ماسة إلى حرارة الأداء وحيوية الإخراج.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى