حابيات
إنَّها الثانيةُ
ما بعدَ العاصفةِ الزرقاء،
وما زالَ سقفُ المطرِ
يُخبئُني من رياحِ الجفاءِ.. ومنّي،
أهذي تارةً مع الأطيافِ حولي،
وأبكي تارةً على حالي..
وما بينَ "التارتينِ" أرسمكِ تفاحةً مَعسولةً..
على شِباكِ مأساتي.
يا ابنةَ الريفِ الأصيلِ
مَن لي بعدكِ يجدلُ شعري،
ومَن ذا الذي يخشى على رأسي
نار الشمس،
يُؤنسُ وحشتي بحكاياتِ قبل المنام؟
يا ابنةَ الريفِ الأصيلِ
أتسمعين صوتي..
أتسمعينَ النداء؟
أنا الفراشةُ التي تحترقُ في سناكِ..
أستيقظُ فيكِ قبلَ غروبِ القمرِ،
وأغفو على جسدِكِ في كلِّ لحظةٍ وآن.
أكونُ حتفكِ إن خانتني الذاكرة
وضلّت بكِ الغربانُ في دهاليزِ الماضي..
وأكونُ استمرارك إن جادَ عليّ قلبي،
وأنارت ضحكتكِ العذبةُ في جوفِ النايِ
وفي القيثارة.
ما نسيتُكِ يوماً..
تميمةُ عُمرِي.. في كتابي.. في أحشائي،
عرابةٌ من ياسمين؛
توجكِ فؤادي اماً وحبيبة..
وسكبكِ دماً من زنابقِ حياتي في الوريد.
يا ابنةَ الريفِ الأصيلِ
انتظرتُكِ على ضفةِ النيلِ في الصعيد..
الفطيرُ والعسلُ، والماءُ من الفخارِ..
وتسقطُ مني دموعي:
"أيا قِبلةُ الروحِ.. أينَ المفر؟
كنتِ أولَ كفٍ عّمَدت صراخي بالسكينة،
وأولَ ثغرٍ لثمَ جبينَ غُربتي،
كنتِ الميزانَ الذي استقامَ عليه وجودي،
وأولَ عينٍ فكّت شفرةَ ذهولي،
كنتِ ولا غيرُكِ
عنوانُ بلادي في الذاكرة،
وعنوانُ بيتي.. وبراعمُ العنفوان.
وباتَ ريفُ مِصرَ من بعدِكِ مُوحشاً،
ومجروحَ الفؤادِ والحس..
وعادَ قلبي طفلاً يحبو ما بين الخضرةِ،
لا يُجيدُ الكلامَ.. ولا الحب.
وتطيرُ فوقي يمامةٌ بيضاءُ..
أناديها باسمِكِ،
أهديها غنوةَ أرضٍ،
تَهطلُ تَيماً.. فوقَ أجفانِكِ الساهرةِ..
وأحبك.
(يا ابنة الريف الاصيل)
تشرين الأول ٢٠٢٥
وجلسنا..
أنا والشقراءُ.. أمامَ نهرِ "الدانوب"،
بالكمانِ تُلحّنُ أُغنيتنا..
وفي سَرحي أرسمُ أهراماً.. وعيوناً كحيلة.
ويدورُ رأسي الليلةَ حولَ كلماتها المَعقودة:
"مَن تراكِ تكونينَ يا ترى..
بعيداً عن مَدارِ مِصر؟"
اخطُ حروفي.. فتتساءلُ عني:
"ألا تُجيدينَ التغريدَ إلا برحيقِ الأرضِ وخضرتها؟
ألا يقطنُ قنّينةَ الحبرِ..
غيرُ ذاكَ المَغسولِ بالقصبِ والنيل؟"
فأقول:
وما بيدي؟
فُطِمتُ من ثديِ "الجيزة"،
وعُمِّدت تُربَتي بمياهِ "الإسكندرية"..
أيامِي وعِظامي، زرعتهما أمي بدمِ الفلاحِ والفرعون،
وبدمِ الحدودِ المحروسة.
وغَرِقتُ في تيمي،
وتلوّنت ريشتي بأحمرِ "الحبيبة"،
منها وُلِدت أبجديتي..
من زبَدِ النايِ وشهده،
ومن رقصةِ "حتحورَ" وُلِدت.
لقد مِتُّ يا شقراءُ، وأموتُ كلَّ يومٍ ودقيقة،
ولا تداوي صحرائي غيرُها.. "الحبيبة"..
تحييني غنوتُها، يحتويني ياسمينُها،
ويغفو جسدي على تُرابِها مطمئناً.. عارياً،
لا يسألُها.. ولا تسألُه شيئاً.
ولعلني كما تخالين:
طيفاً يجهلُ اسمه ومعناه،
واين تسيرُ خطواته..
إن لم تكن مِصرُ الوجهةَ والعنوان.
وفي آخرِ الطريق، كنتُ كالأغنيةِ التي لحّنتِها:
امرأةً سَمراءَ ريفية، بجلبابٍ أخضرَ مُخطط،
وشعرٍ كخشبِ "الآبنوسِ" مُموج..
بذهبٍ يتدلّى على الصدرِ واليدين..
أنحتُ الفخار، وأناديكِ:
"يا بهية".
ولا تسلبني غُنوتي مَسكناً،
ولا الغربةُ أرضاً،
أحبُّكِ..
ويتسعُ قلبي لاختزالِ العالمِ فيه،
موازياً كُلُّه ل "مصر"..
هو في كفّةٍ.. وهي في الأخرى.
وليشهد "حابي" على قلبي،
أنّي أحببتُ الروحَ والخصب..
وأنّ الحياةَ في عيني كانت أرحبَ من هرمٍ وعينٍ كحيلة،
وإنما.. أصدُقُ فيهما.
(يا بهية)
تشرين الأول ٢٠٢٥
لَم أرفع يديَّ لسمـاءِ "رَع"،
ولا بللتُ سجادَ الأرضِ بدموعي.
كُنتُ حجراً بينَ الأحجار،
أحملُ أقداري كسلحفاةٍ تحملُ درعها..
أمشي في دُروبِ "آمون"،
لا أكلمُ الدنيا.. ولا تُكلمني.
حتى إذا تَبسمتِ.. أَيتها الأرض،
فابتسم الشجرُ بلونِ الزمرد،
والسماءُ غنّت بلحنِ الجوري والياسمين.
أغمَضتُ عَينَيَّ في مَركبٍ هادئ،
وقَلبي صارَ طائِراً بِجَناحين،
بَينَ ضحكاتِ البَشرِ.. وأنغامِ "السِّيستروم".
واشتَهيتُ فجأةً..
بطيخاً مِن حَقلِ الصَّعيد،
وجُبناً أبيَضَ كَلبنِ الأُمِّ العُظمى.
مسائيَّةً مسرَحيَّةً،
وحَديقَةً خَضراءَ بِأوزٍ وبَجَعٍ مُنير..
واتَّصلتُ بِعَمَّتي الصَّهباء:
"أريدُكِ في المحرفِ.. أرسُمكِ".
أيَّتُها الدُّنيا..
يا بِئراً مِنَ الحيرَة،
لا أفهَمُكِ...
لَكِنَّني أنحَني لَك.
(أيَّتُها الدُّنيا)
تشرين الأول ٢٠٢٥
على شاطئ "بولونيا" ألقيتُ بجسدي المتهالك المُبتل،
وفي تراب إسبانيا الذهبيِّ أسدلتُ جفوني..
مُتدليةً،
والشمسُ تحرقُ خلايايَ حتى النُخاع.
سكنت ذئابُ الذهن،
وهدأت ضراوةُ الحروب..
بين حفيفِ الأنفاس المحمومة،
وتيار الاحتراق المسحور.
يتغلبُ عليَّ حنيني،
فيحملني بساطٌ من وجدٍ،
أطوفُ به قاراتٍ وبلاداً، فلا أعودُ إلا خاسرةً؛
أهوي تحتَ وطأةِ أصلي، وأرضي الجبّارة،
إلى ذاكرةِ القاهرةِ العتيقة..
حاضنةِ أُمي وحبيبتِها..
وأتذكّرُها..
فليس في أوراقي سوى نبعِ حنانِها المبارك،
حنانُها الشافي السرّاق..
يسرقُني من قلبِ أوروبا،
ومن قلبِ وجودي ومكاني.
وكلُّ ساعةٍ من عُمري تزيدُها إشراقاً ووهجاً قاتلاً،
تُضيءُ أحشائي بسناءِ "رَع" المفتونِ بالأرض:
"رحماكِ يا مصرُ.. رحماكِ".
تسلبني استقراري،
كعروسٍ شرقيةٍ تتمايلُ في مَداري،
تستلُّ عقلي.. وتغمرني بجنونِ شَرَدِها،
فأنصهرُ في خيالها الراقصِ كعجينٍ يتهدّل،
وأهيمُ في غوايتها.. وسطوعُ بهائها لهيبٌ ببصري.
يستحيلُ قلبي ريحاً تخرقُ الحدود،
وقطراتِ ندىً تذوبُ في أديمِها..
"لبيكِ يا مصرُ.. لبيكِ"
خذيني روحاً.. خذيني دماً ويقيناً،
أعتِقي أسري من قيدِ الشوق،
وداوي بفيضِ نيلكِ انكساري وشجني..
"لبيكِ يا مصرُ.. لبيكِ"
وأخطُّ بنضحي تلك الرسائلَ الخاضعةَ بحُسنِ الإيمان:
"أمي.. حين تغفو الشمسُ خلف الأهرام،
وتنحني الرمالُ تحت مسير الزمان..
فلا "صولجانُ الواس" ولا نيرانُ القرابين؛
تمحو حضورها الحيَّ أو تمسُّ أعماقي.
فأنتِ وهيَ نهرٌ في صدري لا يجفّ،
وفي دفءِ يديكُما يتخمّرُ الوقت،
ويصيرُ رأسي يمامةً بألوانِ الطوبِ الآجر..
أهوى الغناءَ كما لم أهوهُ يوماً،
أهوى فجأةً حياتي..
فاطربي يا قاهرتي.. وأغزلي من شهدكِ غراماً..
ومن النشيدِ أعمدتي..
أمي.. قاهرتي.. لغتانِ لشغفٍ واحدٍ يتلقّفني.
أُحاربُ يا أمي الموت،
لأحيا أبديةً خضراء في حضنك،
وأزرعُ لكِ لوتساً لا يذبلُ على مراعي الدلتا،
وعشُّ العصفورةِ فيكِ لا أقوى بعاده.
أورثتني مصرَ كنقشٍ على الفؤادِ نابض،
أحيا به.. كعسلٍ.. كنبيذٍ.. كياسمين،
أفديها يا أمي بعينيَّ.. أفديها،
وروحي لها جندٌ.. نخلةٌ.. وكبريت.
جميلةٌ هي إسبانيا..
نعمةٌ هي إسبانيا..
لي فيها أختانِ من صُلب العظام،
تحرصانِ على هناءِ بالي،
ترعيانِ صفوي، وأُقبلُ كفّيهما..
طيباً أهديهما.
وهذا الممثلُ المسرحيّ..
أودعتُ عنده قطعةً كانت باقيةً من قلبي المُفتت،
آتيهِ كلَّ ليلةٍ..
المقعد الثاني، من الصف الثاني،
أُسلمُ نفسي لأثيرِهِ الواعد،
يختلجُ الخشبُ تحت قدميه،
وتختلجُ الألبابُ مع موجاتِ حذائهِ الأحمر،
فأضيعُ في بريقِ حسِّهِ الرهيف:
"عظيمةٌ يا إسبانيا.. دُمتِ عظيمة"...
أمي.. من جاء بي لإسبانيا؟
حلَّ الغروب، واتخذ جلدي لونَ تراب الشاطئ..
كلانا فاضَ منه الحرق، وكلانا فقد حوافَّه.. وتماهينا.
وإن فنيتُ يا أمي؛ ففي محبرتي أنتِ دائمة،
ولتُؤذّن المآذن، ولتُتلَ ترانيمُ الكنائس،
ولتزهُ الأرضُ برحيقِ إيناسِكِ الممتدِ من البعيد،
حتى البعيدِ.. البعيد...
(على شاطئ بولونيا)
تشرين الأول ٢٠٢٥
مِن عهدِ "أوزوريس"..
حتى ليالي القاهرة،
نُسلمُ ما فينا للمسرحِ،
ونتحرّرُ مِن "نحنُ"
بفتنةِ الطربِ.. وسِحرِ الحكاية.
تصيرُ الخشبةُ كوكبَنا الأبهى،
نضحكُ ونبكي في آن..
نضيعُ ونستقرُ في آن،
وما بين "الآنينِ" نتبعثرُ..
فيُشيّدُ المسرحُ فينا عُشّاً
مِن أغصانِ الحُلمِ فوقَ القلوب.
ننسى في حضرتهِ مَن نكونُ، ومَن كُنّا..
رياحٌ هي أرواحُنا .. تطايرت مع الذكريات،
نغدو موجاً صاخباً، نيراناً خامدة،
نغدو قطةً تحتَ المطرِ خائفة،
أو نمراً في الأدغالِ كاسراً.
اندِغامٌ في الكيان..
تخطو الأجسادُ على الخشبِ الـمُقدّس،
فتنتقلُ الرعشةُ مِن نبضٍ إلى نبض،
ومِن مقعدٍ إلى مقعد..
كأنها مرآتُنا أمامنا؛
من أقبحِ ما فينا.. لأجمله،
تُزيّنُها الحُمرةُ ويَصقُلُها الحنين.
نَسرحُ في الأصواتِ والرقصاتِ،
نذوبُ في رؤوسنا..
ويُسكبُ العشقُ في ابتسامة.
تاريخُ شعبٍ وحضارةٍ يُصاغُ في رواية،
في غنوةٍ.. وفي جسدٍ واحد..
نخيطُ مِن الخيالِ قصةً،
لها شكلٌ وألحان..
وعيونٌ من دبسِ التمور.
ويحيا المسرحُ فينا كنهرِ النيلِ راسياً،
لِيحيا "حابي".. ولتخضرَّ الأراضي.
وكيفَ لنا ألا نعشقَ المسرحَ؟
ومَن غيرُ سِتارهِ يُوحّدُنا؟
نحنُ الشعبَ العبثيَّ الثائر،
نتساءلُ دوماً عن موطنِ الإيمان:
أهذا الطريقُ.. أم ذاك؟
أنُفرغُ الحبَّ هنا.. أم هناك؟
لنا ألفُ لونٍ ولون،
ويخشى كلٌّ منا الاعتراف..
نكرهُ الحربَ.. ولا نحتملُ السلامَ!
ندعو لحريةِ الطيرِ.. ونخافُ تحليقَ السماء!
ولأنها في نهايةِ المطافِ "لعنةُ الفراعنة"،
تُنادينا "النداهةُ" مهما ابتعدنا،
ومهما انكسرت فينا الصور..
تبقى مصرُ هي المثوى، وفنُّها الملاذَ الأقرب..
والعيشُ مِن دونِ مسرحِها..
موتٌ بلا أسطورة.
حتى ليالي القاهرة) (مِن عهدِ "أوزوريس"..
تشرين الأول ٢٠٢٥
أقفُ على شرفتي مُعزيةً في جنازةِ الشمس،
وفي جثامينِ طمأنينتي التي تُشيَّعُ كلَّ حين.
يلوّحُ لي الأفقُ بالرحيل،
وما إن يسحبَ الغسقُ ذيلَ فستانِه،
حتى ينفرطَ عقدي..
أفقدُ ملامحي وتتبددُ حدودُ نفسي.
أطوفُ كقنديلِ بحرٍ في قلبِ الميدان،
شمالاً.. جنوباً.. ما لي بيتٍ أو حيطان،
وعلى كتفِ "طلعت حربٍ".. أستريحُ،
والمركباتُ تعومُ حولي كالأسماكِ تهيمُ،
ولرأسي في الزحامِ رباطٌ،
يدورونَ.. ويدورُ،
يدوخونَ.. وأدوخُ،
فأعتقيني يا بلادُ، وارحمي انكساري.
أتدبّرُ جسدي الهائجَ خلفَ الضباب..
غافياً على الشرفات القديمة،
تسألني السماءُ عني؛
فيستحيلُ الألمُ سكيناً،
وتبتلعني بئري البيداءُ السحيقة..
بئري الغبراءُ التي لا قاعَ لها.
أعودُ لذاتِ المفاصلِ الراخية،
ولذاتِ البنتِ الشاحبة؛
بـنقشِ "باستيت" الموشومِ على معصمِها،
تلك التي تهمسُ لها خالتُها..
كإبرةٍ تخيطُ أُذنَها بالهواجس:
"تحرسُكِ من السوء.. وتطردُ عنكِ الشرور".
باستيت.. كانت ولا تزالُ هوسَها الأكبر؛
تجمعُ لها القرابينَ من الصورِ والتماثيل،
تكدّسُها في خزائنِ "النيشِ".. وفي أعماقِ الروح.
هويةٌ تلبّستها،
لا تدركُ كُنهَ انتمائها لتلك القطةِ السوداء،
لكنها تبتهلُ إليها دوماً:
"حاربي يا باستيت جحيمي.. واطرديني من حصارِ نفسي".
مهجورةٌ مشكاتي، رثّةٌ حروفي،
وعواطفي خديجةٌ لم يكتمل لها مَخاض..
فأين أصرفُ عُملتي الكاسدة؟
وماذا يبتغي التيهُ من فؤادي؟
أجرعُ غليانَ الأعشابِ ترياقاً،
ترمّمُ هداوتها وهنَ العظام،
وتُطفئُ في صدري سعيرَ الظنون.
أُراودُ خَلقَ ابنٍ يبعثُني،
أو طفلةٍ تفتديني من صحرائي؛
لعلّ نُورَهما يرشدُني.. في دهاليزي الماردة.
أجولُ الشوارعَ وحدي:
"كم أنتِ عظيمةٌ يا مصر!
وكم أنا سنبلةٌ غريبةٌ في حقلكِ الشاسع".
بين بائعِ الغزلِ وعربةِ اللبن،
وضجيجِ العابرينَ فوقَ أرصفةِ المقاهي؛
لا أنبِسُ بكلمةٍ، ولا تلمحُني الدنيا.
أقتاتُ على إيقاعٍ حُلميٍّ باهت،
وأنزفُ ما تبقّى من نزوحِ ذاكرتي.
أطوفُ من زقاقٍ لآخر،
أجمعُ التحفَ والخيبات..
وللقططِ؛ الصوفَ والطعام.
في اكتظاظٍ يمتدُّ..
من حبيبةٍ تذوبُ في غمرةِ حبيبِها،
إلى زوجةٍ تخلعُ ذهبَها وتبكي للريح:
"جريمةٌ هو الحب.. وجريمةٌ كان عُمري".
أعرفُ أنني لن أدومَ طويلاً؛
فعقلي عاجزٌ عن فهمي، وخُزامي يكسوه الذبول.
وآهٍ من بياضِ أوراقي..
"اطرديني يا "باستيت" من سجنِ نفسي،
فأنا عذابي، وأنا جحيمي المقيم.
أنا البيداءُ يا باستيت.. وأنا بئري الغبراء،
فانثريني، اقتليني، حرريني..
افعلي بي ما شئتِ، يكفيني أن يكونَ لكِ فعلٌ؛
فبطشكِ يا جنوني.. هو طوقُ نجاتي الوحيد."
(باستيت)
تشرين الأول ٢٠٢٥
من الوريدِ إلى الوريد.. يجتاحُني غيمُ الزرقة،
وكعصفورةٍ مبللةٍ..
أعودُ إلى دفءِ حاضنتي.
أستريحُ على صدركَ تحتَ ضوءِ القمر،
ألوذُ بسكونِكَ، أستكينُ في موجِكَ الهادئ..
غارقٌ أنتَ في كتابك،
وغارقةٌ أنا في أعماقي..
بماذا أنطقُ، وأنا كالشبحِ النيليِّ بينَ ذراعيك؟
سرٌّ في قلبي، أتألمُ ولا أفهمُ "كايَّ" آلامي،
فأتأملُ عينيكَ الكحيلتينِ بكُحلِ السماء..
النابضتانِ بشريانِ الصحراءِ وفجرِ الغروب.
أُبصِرُكَ ولا تُبصِرُني،
وتعيشُ التيمَ في رياضي..
كالملاكِ الرقيق، أخافُ عليكَ من جنوني،
أهيمُ فيكَ..
وأُريدكَ قريبًا، بعيدًا.. ولن تفهم.
مُعّمدٌ بعروسِ البحرِ الحنونة،
وترابِ الأُمِّ الحبيبة..
عذبُ الروحِ، أسمرُ اللونِ، ومنحوتٌ على عظامِك.
جسدُكَ وطنٌ، أنفاسُكَ حياة،
وضَحكَتُكَ سحرٌ وسلام..
أغفو بينَ المرجان، أذوبُ معَ الريحانِ،
وأختفي في الضوء.
من وجدِ الألحانِ خُلقتَ..
ومن خصبِ بلادي.
هي بعيدةٌ قريبة،
وأنتَ قريبٌ بعيد..
وكلاكما.. لعنةُ فرعون.
(لعنة فرعون)
تشرين الأول ٢٠٢٥
يا إسكندريةُ..
آهٍ يا إسكندرية..
أضناني هواكِ، واعتصرني الشوقُ..
وما بيدي حِيلة.
أحنُّ غريزةً لشواطئكِ المسحورةِ الجنيّة،
ولروحي المدفونةِ فيكِ مُذ عرفتُكِ صبيّة..
يا حاضنةَ جَدّتي.. ويا مَدى خيالي وهوايا..
ولنسمةِ اليودِ، وأشباحِ البحارِ في عُمقِ الحواري..
أحنّ.
مَن أنتِ؟
مأسورٌ فيكِ فؤادي، ومُكبلةٌ عينايَ بكِ..
أراكِ في زُرقةِ المياهِ،
وفي الشرفاتِ الخشبيةِ.
فيكِ غوايةٌ لا أفهمُها؛
أهيَ نعمةٌ أم لعنة؟
أم أنها سِحرُ أطياف؟
حيّرتني.. فضعتُ فيكِ..
ومع كلِّ خفقةِ حيرةٍ، تسيلُ الهواجسُ موّالاً.
تدورُ رِمالُكِ في دورتي الدموية،
وأحسُّ نبضَكِ في برودةِ الريح..
تضحكينَ فأضحكُ، تبكينَ فأبكي،
ولا تغفو عينايَ إلا وأنتِ مطمئنةٌ..
"سلامٌ لصدركِ.. سلام".
ذاكرةُ المكانِ صلبةٌ..
مُوجعةٌ وبَهيّة.
أحنُّ لليالي شتاكِ..
ولِجِلدي المبتلِّ في مياهكِ الفتيّة.
أقولُ وُلِدتُ يومَ وُلِدتِ،
وسأموتُ فيكِ.. مَغفورةَ الذنوبِ هياماً..
فتنةٌ بعثرتني، ولغزٌ عجزتُ عن حلّهِ..
وأرتضي فيه ضياعي.
يا طفلةً بوهميةَ الملامح..
أنتِ عروسي..
ومآبي الأجملَ.. والأخير.
(آهٍ يا إسكندرية)
تشرين الأول ٢٠٢٥
الإسكندريةُ جِنيّةٌ بحرية،
شابةٌ لا تشيخُ، وعمرٌ لا يموتُ..
بشعرٍ مَوجيٍّ كستنائي، عينينِ بصفاءِ السماء،
وبشرةٍ زيتونيةٍ أصيلة؛
تطلُّ كإمرأةٍ رقيقةٍ غارقةٍ في الحنان..
تهوى الشعرَ، والكتابَ، والأغنيةِ العذبة.
تفوحُ بنسيمٍ من ودٍ وبخور،
تحملُ قلباً من نقاءِ الثلج، وتتمخطرُ في خُطاها على مهل..
وديعةٌ في جوانحها، تقتاتُ على فنِّ أهلها،
وتحتضنُ جمالَ الدنيا فيها.. قُربَ الوريدِ.
أجمعُ شتاتي تحتَ قذائفِ الحربِ في الغربة،
وأخيطُ لكِ كلماتٍ من شَهدِ قلبي المفتونِ بسحرِ روحكِ يا عروسي.
فيكِ يا حلوة.. ألوذُ من نفسي،
وأحيا السلامَ على ضفافِ ذكراكِ..
أحبُّكِ حتى تذوبَ الشموعُ في حُبّكِ،
وحتى ترفرفَ الطيورُ بأجنحةٍ من حنيني.
أحملُ لكِ قُبلاتي وسلامي..
ومع كلِّ قذيفةٍ أضمُّ فيها قطي الحبيبَ وأقول:
"إسكندرية!
إنَّ قلبي مِلكُ إسكندرية".
قادرٌ هو الشِّعرُ على إحياءِ الموتى..
أنتفضُ من تحتِ الترابِ، وأعودُ يمامةً رَضية.
ولكِ يا إسكندريةُ نبعٌ في رأسي..
أنتِ أجملُ سيلي، ومُلهمتي العظمى.
ألمسُ أمانيَّ في موسيقاكِ وفي المسرح..
وأجدُ روحي تلهو على شُرفاتكِ الخشبية.
تقتلني الغربةُ ويلتهمُ الفؤادَ شتاتُ الخُطى..
فلا سَكينةَ لي إلا على رِمالكِ السّمراءُ.
يا إسكندرية..
بينَ كازينو العمرِ وأمواجِ الحنين،
أهيمُ فيكِ وأتماهى..
ويبقى الورقُ شاهداً على غرامي.
(الاسكندرية)
١ أذار ٢٠٢٦
أحياناً..
لا بُدَّ للمرءِ أن يفقدَ حدودَهُ ليحيا،
أن يتماهى خِفّةً مع الريحِ والنغم،
فيكونُ هما.. ويكونانِ هو.
في الرقصِ يغدو هو النسيمَ، والسعفَ، والنخيل،
يصيرُ الحلمَ والأثيرَ.. يصيرُ أُمّاً وابنةً ورفيقاً.
يصيرُ شجرَ الدراقِ، وفراشةً في جنائنِ الزهر،
سمكةً تمدُّ جناحيها.. وتحلقُ في السمواتِ السبع،
ونمراً يغوصُ في لُججِ البحارِ.. بين اللؤلؤِ والمَرجان.
فالكيانُ في ملكوتِ النغمِ لا يحدُّهُ قيد،
ووحدها أرضُ اللحنِ تمنحُ الخطوةَ كينونةً وإحساساً؛
تقطفُه القيثارةُ من ضلوعِهِ، لتبذرهُ في رِياضِ الكون،
تغرسهُ في بياراتِ الغربِ، وتذرُوهُ فوقَ رمالِ العرب،
يسقيهِ النيلُ والسين، لِيغفو هنيئاً.. تحتَ ضياءِ القمرِ الأبيض.
ولأنني الآن.. في جُحرِ الحرب،
في ضيقِ مكاني.. وقلبي المَفطور..
لا يسعني إلا الرقص!
أرقصُ لأنني أضعفُ من آلامي ومن أعدائي،
وأوهنُ من الصمودِ على حدودِ بلادي..
أرقصُ لأنَّ أحلامي مبعثرةٌ،
ولأنني "لا شيءَ" يُهدى لهويتي.. ولا للقضية.
أرقصُ أخيراً..
لأنهُ الفعلُ الوحيدُ الذي يحترمُ حياتي،
ويُقدّسُ الروحَ القابعةَ في قوقعتي.
وفوق تُرابِ مِصرَ.. ترقصُ حافيةَ القدمين،
تُناجي الحرية: "صدقيني.. ما صدقتُهم،
ما صدقتُهم حينَ ألقوا بدمي ولحمي إلى الجحيم..
إنني أعرفُ يقيناً..
أنني أنا الميلادُ.. وأنا السلام".
(في ملكوتِ النغم)
آذار ٢٠٢٦
نحنُ بخيرٍ.. نحنُ في أمان،
أنا وأنتِ.. وقارورةُ التاريخِ الموصدة،
لنا بيتٌ، وريشةٌ، وذخيرةُ حُبٍّ لآتٍ بعيد..
فاقتربي يا فراشتي البيضاء،
لكِ عيني، وذراعي، وأعيادُ الأفراح،
اقتربي.. أسقيكِ سُلافَ الكرزِ والياسمين.
أنا وأنتِ في سكونٍ تام،
كتفاحتينِ استراحتا فوقَ مروجِ الهناء،
كيمامتينِ وادعتينِ في مَوسمِ الحنين..
سأغني لكِ حتى يطرقَ الحلمُ أجفانكِ،
فهل ترقصين؟
وهل تحلمين؟
أنا وأنتِ في طمأنينةٍ قصوى،
قادرانِ على ممارسةِ الابتسام،
قادرانِ على الكلام.. واقتسامِ رغيفِنا بالعفو.
وكلُّ قلقِ الماضي.. صارَ سراباً،
غاباتي الموحشة، وعقاربي، وسُمُّ الأفاعي،
تلاشت كأن لم تكن قط..
فوق رمالي الباردة.
نحنُ بخيرٍ..
ابنتي هنا.. قمرٌ يغفو على صدري،
كزهرةٍ ذهبيةٍ تتوسّدُ الشمس،
كسوسنةٍ في الرّوابي، تنعمُ بالسلام..
أحملها في مكنونِ أنفاسي..
ولم أعد أخشى عليها من وهني، ولا من عثراتِ الضعف.
لن يوقظها دويُّ قذيفةٍ غادرة،
ولن يطرقَ أبوابها الغرباء..
نحنُ في سلامٍ مطلق،
فأخبرينا يا سماء.. هل تصدّقيننا؟
(نحنُ بخيرٍ)
آذار ٢٠٢٦
أما أنا.. فوحدي سأقامرُ هذا القدر،
بومةٌ لا تدركُ لغةً.. ولا تفقهُ أبجدية،
مُجبرةٌ لا مُخيّرة، في خوضِ هذا السفر،
فإمّا أن أكونَ.. وإمّا الانتهاء في تلافيفِ الحكاية.
استوطنت ذاتي الأساطيرُ دَهراً،
حتى حيّرني الوجودُ والزمان،
فما جنوني، ودمعي، وكلُّ هذياني..
إلا أنشودةٌ غابرةٌ سَبقت ميعادَ الخليقة.
أَسيلُ بما نزفتهُ أمي.. فوقَ مسارحِ "القاهرة"،
وننزفُ كِلانا ما أراقتهُ جدتي في حواري "الإسكندرية"،
إبّان صباها الرهيف..
هو الطعمُ ذاتُه: انكسارٌ، وخيانةٌ، واغتراب،
وانفطارُ القلبِ في ليالي الصقيعِ.. وتلكَ لعنةُ القدماء.
...
خُذينا بكفّيكِ يا "تفنوت" إلى بلادِ النوبة،
لنعتصمَ بالجبالِ والكهوف..
فاللبؤةُ الهائجةُ تسكنُ رُوحَ كلِّ امرأةٍ فينا،
تُبدّلها من ربةٍ للنَّدى.. إلى وحشٍ مقتضى.
لا يخرجُ الإنسانُ من رَحمِ أمّهِ خاوياً،
بل محملاً بآثارِ الأجدادِ وأسرارِ ما قبلَ التكوين،
فلا تخافي يا تفنوت..
القلوبُ لا يُتقنُ خفقُها الانعتاق.. إلا في حدودِ "الأرضِ السوداء".
وحين يقصُّ علينا "بابون" حكاياهُ عن جلالِ "كيميت"،
سنعودُ والروحُ مَغسولةٌ بمياهِ "فيلة" المقدسة..
يا تفنوت، الحبُّ غايةُ الطريق..
وقد خُلقنا لنُهزمَ أمامه، فلا مفرَّ من سطوةِ الهوى،
إنها تعويذةُ الحياةِ في عروقنا.. وفي فؤادنا الأبيضِ المعذّب.
...
منقوشةٌ قصّتنا على جدرانِ الكونِ وردهاته،
مسحورةٌ أجسادُنا.. لها ألفُ طيفٍ وطيف،
ولا ندري في متاهةِ الأطيافِ مَن نكون!
اعتنقنا الهوى ديناً، ومضينا..
أريدُ الفناءَ في النغمِ والورق،
أريدُ أنا القيثارةَ.. والقلم.
حفظتُ يا تفنوتُ قلبي عن ظهرِ غيب،
حفظتُ قلوبي جميعاً: مداها، وأمسَها، وماضيَها البعيد..
وكلَّ ما يختلجُ بينَ الضلوع،
حفظتُ قلبَ الليلِ، والهلالِ، والبدر..
قلبَ عروسِ البحرِ، ونخيلَ الغربةِ المُثقلِ باللؤلؤ،
حفظتُ رعشةَ الشتاءِ القارص..
وقرفصةَ العظامِ كحلزونٍ يختبئُ في قوقعته.
وأخافُ أنا يا تفنوت الرعد..
أخافُ، أيتها اللبؤةُ العظيمةُ وسيدةُ الرطوبة..
أخافُ الرعد!
ولا يسعني إلا الاختمارُ على وترِ الأشجان،
في حضرةِ العودِ أختمر،
وفي غوايةِ الهيفاءِ المتمايلةِ أثملُ..
حتى منتهى الخمرةِ، ومنتهى العقل.
حفظتُ يا تفنوتُ وحدتي.. ولونَ الأشباحِ في صَحوي ومَنامي،
حفظتُ حروفي المنكسرة.. ونبراتي المرتجفة.
وأخافُ أنا يا تفنوت الرعد..
فضميني يا بلادي.. ضميني.
أحنُّ لأمي..
أحنُّ لذاتي، ولحبيبتي،
فضميني يا بلادي..
بعنفِ هذا الوجعِ.. ضميني.
(خمارة الأشجان)
أذار ٢٠٢٦
نساؤنا يرقصنَ عرايا تحتَ ضوءِ القمر،
بينَ الأشباحِ القمريةِ يرقصن،
وفي غاباتِ القمرِ الشبحية.
بفضلهنَّ،
اعتنقتُ اسمي ورؤاي، وأدركتُ كُنهَ الهوية..
واستطعمتُ لأولِ مرةٍ طعمَ الذات، ولذةَ الأنا واليقين.
بفضلهنَّ،
أسرجتُ خيولَ الحرية،
فعدونا طويلاً فوقَ شواطئِ البحارِ العاتيةِ،
وما مسَّنا نَصَب.
علّمنني أنَّ الكرامةَ تكمنُ في القلم،
وأنَّ العاطفةَ أسمى النعم،
علّمنني كيف أغفو يمامةٍ في غصونِ الشجر،
وكيف أختفي غيمةٍ في رحابةِ السماء.
…
هناك.. خلفَ الميناءِ، شَهِدتُ ميلادي،
وعرفتُ أنَّ الخلاصَ لا محالةَ آتٍ،
وأنني سأقضي العمرَ أحبو، سائلةً عن الإسكندرية..
اسكندرية التي استوطنت كياني قبلَ التكوين،
وأشدو بحنانِ فتنتها صبابةً:
"أنتِ مسقطُ قلبي.. وأنتِ الروحُ في محبرتي،
وهبتِني فقهَ الهوى،
وتركتِني في قيثارةِ حيرتِكِ إلى الأبد".
…
أدينُ بحقي لكلِ امرأةٍ حرة..
أدينُ بربيعي، بياسميني، وبقشِ أحلامي،
لكلِ امرأةٍ استباحتني بجزالتِها،
فأرسَت للكلمةِ حقَّ الوجود
وجدارةَ أن تتمرد.. وتُهاب.
أدينُ بحديقتي لكلِ امرأةٍ حرة،
أحبّت بصدقٍ، وعاشت بصدقٍ، وكانت..
لكلِ امرأةٍ لم تنحنِ يوماً لسلطان،
ولم تخفض رأسها أمامَ سيفِ الشرائع،
أو وهمِ الجحيم..
ذلك الدب المتعطشِ لدمِ الإناث.
…
متعبةٌ أنا يا إسكندرية..
حزينةٌ بلادي.. وبقدرِ هذا الحبِ يغمرني الألمُ..
لو أنَّ النساءَ يُتقِنَّ سحرَ القلم،
لو يُجِدنَ الرقصَ كما كنَّ ذاتَ زمن،
عرايا.. تحتَ ضوءِ القمر.
(عرايا تحت ضوء القمر)
نيسان ٢٠٢٦
تغشى حروفَها مرآةٌ من الخوى،
فتراها تميلُ للاجترار.
ضاقت بقلمِها ذرعاً..
وعادت لتسأمَ عقلَها، وإحساسَها،
وتضيقَ بكل بساطة من فكرةَ أن تكونَ ح يّ ة.
فتاتُنا اليومَ مُهاجرة..
تحملُ خريطةً شديدةَ الزرقة.. وقلباً بالحمُرةِ يتفجر.
على متنِ قاربِها السادسِ والتسعين.. تُجدفُ صَوبَ المجهول،
تهوي بعيداً في وجهِ الأنواء، وتُشهِدُ المِجدافَ والبحر:
"دوماً عكسَ الريح..
غدارةٌ هي الريح.. جبارةٌ هي الريح."
تهوي بعيداً..
عاتيةً في هربِها من حَرَج المَنزل،
ومن تيهِ الصحراءِ الحبيسةِ في قنينة:
"هناك.. في مروجِ النرجسِ سأقضي عُمري،
هناكَ سأحيا..
بمنأى عن خَوَرِ الأشجار،
وعن جحيمٍ يسكنُ كَنَفي،
ويجري في شراييني.. وبينَ رمالي الثائرة".
…
" يا شمساً زغبيّة..
حملتُ إليكِ روحي لتبتهجَ بها السماء،
فتقبّلي قرباني واحفظيه من الفناء،
لترقصي بها رقصتكِ الوثنيّة.
خذي مآقيَّ وما استقرّ فيها من ماء،
ولا تقطعي وصلي..
خذي عيني التي بدمعها أنالُ النورَ والشعاع.
احتفلُ اليومَ ب "ابنِ الشمسِ الذهبي"،
احتفلُ اليومَ بقلبي المقطوفِ مني..
"سيزر"..
يا قطاً من ياقوتِ الأيام؛
عيناكَ يا صغيري مِدفأتان،
شمعتانِ في شتاءِ الأحزان.
تنهملُ المسرّةُ في عروقي،
كالعسلِ.. فيهنَّ الشفاء،
وتضيعُ المواجعُ في عقاربِ الوقت؛
فأنسى كأنّي ما عرفتُ يوماً نصباً،
ولا اجتاحَ صدري خوف."
فتاتُنا اليومَ مُهاجرة..
تحملُ خريطةً شديدةَ الزرقة.. وقلباً بالحمُرةِ يتفجر.
على متنِ قاربِها السادسِ والتسعين.. تُجدفُ صَوبَ المجهول،
وتخطُ الحبيبَ في نايِ الأوراق..
تخاصمُها الأوراقُ تارةً.. وتُصالحُها،
تحنُّ إليها طوراً.. وترفضُها،
ويظلُّ هو.. عِمادَ زهوتِها
" انتظرني عند أرضِ النرجس،
سآتيكَ قريباً..
كلُّ عامٍ وأنتَ فرحي،
الحادي عشر من نيسان.. مباركٌ لنا نيسان".
(فتاتُنا اليومَ مُهاجرة)
نيسان ٢٠٢٦
يا عُمراً أحمرَ كدُبِّ باندا صغير..
موحشاً في الغسقِ وليلِ الجليد،
نائماً على أغصانِ الأشجار..
نائماً على أغصانِ الحياة.
وحيداً اخترتَ عَقدَكَ..
بينَ الخُضرةِ والمحبرة..
وحيداً نزفتَ جراحَك حيثُ تدفنُ رأسَك،
رأسَك الغريبَ عنك.
لا تَعرفُ انتماءً.. ولا رفيقاً يُؤويك،
خُنتَ يا صغيري فؤادَكَ.. وماضيك،
لا تنتمي لنفسٍ.. ولا لقاربٍ أو نخيل..
رميتَ بياسمينِكَ في مَصَبِّ النهر،
ونثرتَ الحبَّ في صحاري الخريف،
لم تسأل عن ذهبٍ.. أو عن قدر،
لم تفتش إلا عن كاسيتٍ قديمٍ وقلم،
ولم تُرِد من السماءِ.. إلا الشِعرَ والنغم.
خُنتَ يا صغيري فؤادَكَ.. وماضيك،
خُنتَ أسودَ العينين.. صاحبَ البسمةِ الياقوتية،
الطاووسَ الراقصَ على أوتارِكَ القرمزية..
خُنتَ يا أميري.. أميرَكَ الوحيد.
بعدما أنشدَ لكَ شوقَهُ في ناي،
وبعدما قطفَ كلَّ الجوريِّ والبرتقال،
حتى كادت تخلو الحدائقُ.. لأجلِ عينيك..
خلفتهُ يا أليمُ خلفَك..
وبكيتَ على حلمِ القبلة:
"آهٍ.. لو تأخرتَ ساعةً.. أو اثنتين".
قُلتَ:
"رِيشُهُ فتّانٌ ومُلوَّن.. وأنا لستُ إلا باندا صغيراً"
قُلتَ:
"يُجيدُ الرَّقصَ والابتهال.. وأخافُ أنا على قلبي الضَّعيف"
خُنتَ يا صغيري فُؤادَكَ.. وماضِيك..
قُلتَ: "وحشيٌّ جُنوني.. ومجنونٌ تيمي.. فليبتعد عني"
"فليُحلِّق بعيداً بسلام.. لن أؤذِيَهُ.. ولن أضيع"
وحيداً اخترتَ عَقدَكَ..
بينَ الخُضرةِ والمحبرة..
وحيداً نزفتَ جراحَك حيثُ تدفنُ رأسَك،
رأسَك الغريبَ عنك.
تخطُّ الحروفَ وتنام..
تكادُ تفقدُ آمالَكَ وذكراك..
من يقرعُ الجرسَ؟
ومن يزور؟
"سأكتبُ حتى تفرغَ اللغة،
حتى يشهقَ النَفَسُ الأخير..
أنا الريشةُ.. وأنا الأزرقُ السائلُ على الورق،
بكاملِ معنايَ.. ورقة،
إنه قدري.. مصيري ومأواي".
تكادُ تفقدُ آمالَكَ وذكراك..
من يقرعُ الجرسَ؟
ومن يزور؟
(باندا)
نيسان ٢٠٢٦
قاعة الحقيقتين
اثنان وأربعون قاضياً..
"لم أقتل،
لم أسرق،
لم ألوث نهر النيل".
(أنوبيس)
القلب في كفةٍ من الميزان،
وريشة "ماعت" في الأخرى..
ما بينَ "أوزوريس" و"عمعم"،
ما بينَ ابديةٍ وفناء.
يقفُ "حورس"،
وتدونُ "تحوت".
"لم أقتل،
لم أسرق،
لم ألوث نهر النيل".
…
يستوطنُ سريري، يغفو فوقَ رأسي،
يشيدُ طقوسَه، ويهذي بمماتي كل ليلة.
غرابٌ من بارودٍ يقتحمُ خيالي،
يغزوني حتى الوريد،
تصرخُ عصافيري وتبكي.. ولا يلين،
يكتبُ الهدهدُ، ويرقصُ النحامُ الورديُّ.. ولا يموت.
غرابٌ من بارودٍ يلتهمني بهدوء،
يمتصُّ دمي ومياهي.. وما ملكتُ من موسيقى في عِبّي،
يُحرقُ أشجارَ غاباتي، مدني ومينائي..
وتقفُ منارتي وحيدةً، زرقاء،
تنتحبُ قدومَ الغراب،
تستنكرُ النبوءةَ السوداء.
والمرجانُ رمادٌ يلتهب،
والهاربُ مقطوعُ الأوتار؛
في جبالي، في عمقِ دهاليزي.. سقطَ التينُ والرمان،
وغفت شقائقُ النعمانِ مسلوبةَ الأنامل.
بأيِّ حقٍ أُحاكم؟
أوهموني بأن حياتي حياة.. فبأيِّ حقٍ أُحاكم؟
…
نولدُ والموتُ مكتوبٌ علينا،
أقربُ الأقدارِ إلينا وأكثرها وهجاً وجنوناً،
وما كتبُ الإلهِ إلا تاجٌ فضيٌّ لهذا السلطانِ الجاثم المسمى بـ "الموت"؛
تخيطُ كفنَه الحضاراتُ قبل الأبجدية،
قبل أن تعرفَ زنابقَ الماءِ أو رغبةَ الإنسان؛
تلك الشمعة الذهبية في أوردتنا وأعماقِ محيطاتِنا،
تلك السيدةُ المشتعلةُ في أغوارنا القاتمة..
التي ما تلبثُ أن يحاصرَها "السلطان" بأنيابِه،
يقتادُها أسيرةً تحتَ قدميه،
فلا تتمايلُ إلا على قرعِ طبوله،
ولا يسيلُ حِبرها إلا تمجيداً لحضرتِه..
حضرتهُ: الدخانُ الممدود،
مِدادٌ.. مِداد،
فلا نورَ يلبّي لهفةَ العيون،
ولا سماءَ تظللُ الرؤوس..
ما نحنُ إلا آسرى في أرضِ الغربان.
…
مهووسٌ كلُ صانعٍ، وشاعرٍ، ورسام..
مهووسٌ كلُ فنانٍ بالفرارِ نحو الخلود.
مهووسةٌ هي أرضنا بالإرث،
تخشى الفناء، فتسقي آبارَها من غيمِ السماءِ القديم،
وتزرعُ بذورَ الأجدادِ في ذاتِ التراب.
نحتفلُ بالحياةِ كل صباحٍ مع "عروسنا الشمس"،
نرقص، نغني، ونتماهى في حضنٍ واحد:
"نحنُ النبعُ الجاري، نحنُ الدوام، والربيعُ في ذروةِ أُرجوانِه".
وما إن يحتلَّ بلادنا "القمرُ العظيم"،
بفستانِه الخلّابِ اللامتناهي، بفستانِه المعتمِ الجبار،
يعتكفُ كلٌّ منا فراشَه القابعَ في قرارةِ الليل،
متوسطاً وحدتَه وفراغَه،
يستحضرُ قسراً مقابرَه وتوابيتَه،
تماماً كما يُحضرُ الدجالُ تعاويذَه.
نضيعُ في مياهنا.. نسائلُ المعنى،
عن الأيامِ، وعددِ الأنفاس،
نغدو حكاماً وجلادين لأرواحنا..
سياطاً للتاريخِ المختوم،
ننبشُ في العشاقِ، والنزواتِ، والخطايا..
نصيرُ مع النجومِ ميزاناً، ومحكمةً عليا.
…
قاعة الحقيقتين
اثنان وأربعون قاضياً..
"لم أقتل،
لم أسرق،
لم ألوث نهر النيل".
(أنوبيس)
القلب في كفةٍ من الميزان،
وريشة "ماعت" في الأخرى..
ما بينَ "أوزوريس" و"عمعم"،
ما بينَ ابديةٍ وفناء.
يقفُ "حورس"،
وتدونُ "تحوت".
"لم أقتل،
لم أسرق،
لم ألوث نهر النيل".
(قاعة الحقيقتين)
نيسان ٢٠٢٦
لَسنا بحاجةٍ إلى سقفٍ،
فجسدُكَ يا وجدي ظلالٌ واسعة..
غاباتٌ بريةٌ تحيطُ بسريري البارد،
أشجارٌ خُضرٌ، وببغاواتٌ ملونة،
فراشاتٌ ونمورٌ فاتنة..
وعيناك هما الشمس.. شمسي الصيفية.
إن شاءَ حِبرُ المدائنِ أن يمضي مع الريح،
وأن لا يعودَ مهما طالَ الحَال،
فليكن إذاً الرحيل؛
سأخيطُ أنا تاريخنا بنضحِ هواك،
وبغنوةِ أريافنا و سنابلِ قمحنا الذهبي..
ومن دواعي سروري.. سأنساك!
سأنساكَ وأنسى ارتمائي بين أغصانِكَ الرومانية،
سأنسى وجهكَ الأسطوريَّ الحائر..
وأنسى معهما نفسي؛
أُسقطُ آلامي، وعذابي، وما عبرني من أفراح.
أيها الفارسُ العُذريّ،
غمرتني كما الساقية؛
فحبوتُ خلف ضوءِ البدر،
وفي أوردتي فيضُ الشجون.
الحُبُّ..
الحبُّ يا وجدي أصلُ كلِّ عُمرٍ.. وحضاره،
الحبُّ زهوُ نرجسٍ في الخريف،
غزالةٌ في ريعانِ الفصول.
لستَ الأولَ ولن تكونَ الأخيرَ..
سأنساكَ كما تُنسى الأمطارُ في القيظ،
وكما تُنسى الشواطئُ في الليالي الشتائية.
يا أيُّها الوَجد..
أحبَّتكَ ذاتَ يومٍ سنونوةٌ صغيرة،
جاءتكَ من صقيعِ المَنافي،
تفرُّ بجناحيها نحو شمسِك،
فتنتَها بعروبتِكَ..
وفصاحةِ لسانِكَ المَصقولِ كالسيف.
هادئٌ أنتَ وحميم..
أقنعتَها بأنَّكَ أرضٌ مشرعة
تفتحُ ذراعيها لكلِّ لاجئٍ ومغترب
ولكلِّ لونٍ وثقافة.
وبعينيكَ الصحراويتينِ وشوشتَ لها:
"كوني حبيبتي.. كوني ليَ العيد..
صدري وطنٌ دافئ،
يمتصُّ من ريشِكِ عُقرَ الشتاتِ وزمهريرَ الجليد."
وما إن ألقت بمرساةِ رُوحِها..
وحملت أحلامَها من أقاصي القاراتِ
إلى نَواةِ فؤادِكَ..
حتى استحالت وعودُكَ قضباناً، وأقفلتَ دونَها الأبواب!
وما كانَ يَوماً سِحراً يستغويك.. غدا اليومَ ذنباً لا يغفرُه ضجرك!
كُنتَ سجيناً لا يرى النورَ إلا من حروفِ "كتاب"،
وكانت هيَ من خلفِ نافذتِكَ..
انفجارَ الحياةِ الذي يعجزُ عن احتوائهِ رفُّ المكتبات.
ولأنَّها لم تجثُ أمامَ صنمِ "كتابِك"،
ختمتَ على جَبينِها باللعنة،
وأقمتَ في إثرِها جنائزَ الوداعِ الحمراء.
قلتَ بزهوِ الواثق: "مَن لا يُجيدُ السجودَ للسماء،
يظلُّ أُمّيَّاً في أبجديةِ الإنسان".
رجمتَها بالتيهِ واللاإيمان..
فردّت عليكَ بذاتِ النَّصلِ والاتهام؛
قالت: "أنتَ مَكفوفُ البصيرة"..
وقلتَ بكبرياءٍ أصمّ: "لن أُبدّلَ الكتاب".
من منّا حقاً لا يجيدُ الانحناء؟
لقد نُفِختِ الروحُ فينا وأصلابُنا مُنحنية..
في ضيقِ الأرحامِ بدأنا، وهكذا بَقِينا.. بنو البشرية.
إنَّ الحياةَ سلطانٌ.. ونحنُ حريمُها الضعيف
نرقصُ لسطوتِها.. ونتعرّى،
نخدمُها طوعاً.. لِعظمتِها.
لستُ أنا.. ولا أنتَ
إلا حريمٌ في قصرِ "السلطانةِ الدنيا"
السلطانةِ العظمى!
أنا يا وجدي من عبدةِ الدنيا..
هذهِ الغجريةُ الساحرة
ينتصرُ عليَّ جمالُها في كلِّ حربٍ،
خضتُ ضدَّها عشراتِ الحروب..
باسمِ أمي.. باسمِ بلادي
ولأجلِ دوامِ حكايتي الزهرية..
حكايةِ غفوي على صدرِ الفارسِ العربي
وغنائِهِ "التيمَ" على العود..
أموتُ أنا.. ويحيا العودُ وأوتارُه الشجية.
سقطتُ ضحيةً لذاتي..
أعلنتُ السلامَ.. وأعلنتُ الاستسلام
باسمِ قلبي.. باسمِ عقلي.. وحنيني.
أحنُّ بدمي للحرية..
لحريتي المذبوحةِ على نصلِ القيود،
إنَّ الجمالَ ترياقٌ يُحيي الموتى،
وحريتي تبدأُ حينَ أصدقُ أعماقي:
أنا الغيمُ الأبيضُ..
أنا من لا دينَ لهُ غيرَ نَفسِه
اعتنقتُ فؤادي.. ولم أسأل!
"ما أعظمكِ يا دنيانا.. شرقاً كنتِ أم غرباً"
قلبي تفاحةٌ في كفِّ الفنّ
يُقلبُه كيفما يشاء..
يميناً.. يساراً.. جنوباً.. وشمالاً..
ويقضمُ منهُ متى يشاء.
الفنُّ هو مولدي.. وهو مماتي..
وهو الأبديةُ الوحيدة.
(حريم السلطانة الدنيا)
نيسان ٢٠٢٦
في صباحٍ ناعمٍ كهذا،
بينَ سحرِ "الفيوم" الفاتن..
نخيلِها، وخزفِها، وفنونِها الآسرة،
لا أريدُ إلا أن أكونَ فراشة..
فراشةً بنيةً فاتحة.
أشقُّ شرنقتي،
أنبتُ جناحينِ من صفاءِ نسيمِها،
وأطيرُ بزَهوِ إحساسي..
فوقَ "بحيرةِ قارونَ" وبينَ غلالاتِ الذاكرة،
أجوبُها عُمقاً ووريداً، وأنسى فيها شقائي..
أريدُ أن أستنشقَ الحياةَ وهي تتفتحُ
كـ "لوتسٍ" أبيضَ في صدري.
سأمكثُ هنا.. في المَرسم،
من وجهٍ لوجه.. ومن جسدٍ لجسد..
سأقضي أيامي في "تونس" الصغرى،
بينَ القماشِ المجدولِ وبريقِ "بُنّيها" الدافئ.
لا أريدُ إلا أن أكونَ فراشة..
فراشةً بنيةً فاتحة.
تروقُ لي اللحظةُ.. وتُدهشُني أعمالي،
يغمرُني الرضا بسعادةٍ زاهية.
كان الأمسُ صعباً،
وأمسُهُ أصعب،
ولكنني اليومَ بخير؛
لا أمقتُ فُرشاتي.. ولا أُخاصمُ لوني.
قبّلتُ طفلةً تلهو في الترابِ الواسع..
عينُها كحَبّةِ قمرٍ،
وضحكتُها لؤلؤٌ وياسمين،
منحتُها قلبي.. هديةً صغيرة.
هذا كلُّ ما أرجو؛
أن تسمحَ لي الدنيا بقبلةٍ على خديها،
بأن أُحَبَّ كما أُحِب..
وأن أعيشَ هنيّةً بلا خوف؛
أنسى ما مَضى.. وأُقدِمُ عُمري لربيعٍ قادم،
وتحيا مِصرُ.. وتدومُ بنا.. حضارةً وفناً.
(سكينة فيوميّة)
نيسان ٢٠٢٦
يا دنيا، كم فيكِ من بهاء
وكم فيكِ من جمال..
فما بَالُ الصَّحراءِ في صدري؟
صحراءٌ لا أعرفُ لها مطراً..
يحملني الصباحُ من تحتِ ذراعيَّ،
يُعيدُني لصباحاتِ صباي..
أذكرُ جيداً ريحَ الإحساس؛
ذاكَ المزيجُ الحائرُ من التيهِ واللذة..
نشوةٌ في أحضانِ الشمس،
وقلبٌ مُرهف، إما مَفطورٌ.. أو مَفتون.
أذكرُ صبيةً في الثانية عشرة،
تخافُ الرعد.. ويطاردها المحيطُ الأزرق في الأحلام..
كم صارت تَهذي بزرقتهِ اللامحدودة:
"محيطٌ يطاردني.. متوحشٌ خَلّاب..
ما مراده من وجودي؟ ما مراده من دموعي؟
إنني لا أُجيدُ العوم.. لا أتقنُ النجاة."
ولا أملكُ لها إلا أن أقول:
"لا أزالُ أجهلُ السباحة..
لا أزالُ أخشى الرعد..
ولا يزالُ يطاردني ذاتُ المحيط..
إن وسائدي مبلولةٌ يا صغيرة، أبللها بدمعي كل ليلة."
أذكرُ صبيةً في الثانية عشرة،
تفيقُ في العتمةِ على عزفِ نايٍ بعيد..
تفيقُ مَجنونةً بحنينها.. مَذعورةً من الحياةِ الكامنة فيها..
تركضُ على أطرافِ قدميها، تُهرولُ إلى المكتبة..
تفتشُ عن مُسكّنٍ للألم، عن ورقةٍ وقلم..
تخطُّ الحروفَ برعشةِ يديها ولا تفكر؛
لا تفكرُ في جسدها المنقلبِ ضدها،
ولا في أنوثتها المطعونة..
لا تفكرُ إلا في فيضِها المَسكوب..
لا تفكرُ على الإطلاق.
أمي.. يا راعيةُ الروح، نزيفُكِ شمسٌ محترقة،
تَسقينَ جراحي بأريجِ اللوتسِ الذابل..
وأنا طفلتُكِ التي كُتبَ عليها التيهُ في الرمال،
أنزفُ حنيناً إلى رَحمِ الدفءِ المفقود.
أذكرُ صبيةً في الثانية عشرة،
لا تزالُ حروفُها "فولكلوراً" في أبجديتي..
ولا تزالُ عيناها في مرآتي..
وصوتُها يترددُ في مَسمعي:
"أريدُ أن أُهدي مِصر حُبي..
أريدُ أن أمسكَ بيدها إلى أعالي السماء..
أريدُ أن أرقصَ فوق تُرابها.. أن أُقبلَ شفتيها..
أريدُ أمي."
أخطُّ حروفي.. ولا أفكر،
عن جسدي المنقلبِ ضدي..
عن أنوثتي المطعونة..
لا أفكرُ إلا في فيضي المسكوب..
لا أفكرُ على الإطلاق.
أخطُّ حروفي،
أُقاوم عبثي..
وأسيرُ بها نحو حبيبتي:
"أنا يا مِصرُ ابنتكِ الضالة..
أحملُ في أحشائي عنوانكِ،
وفي فؤادي.. أعذب الأغاني."
(أذكرُ صبيةً في الثانية عشرة)
نيسان ٢٠٢٦
كسحرِ نايٍ في قاعةٍ خالية
عند مطلعِ السُّهاد
أترقّبُ اثيركِ الموارى خلفَ ستائرِ النسيان..
وتتسللُ كيمياؤكِ المعهودةُ..
فُلٌ ورمان،
تتسللُ في الحيزِ الضيقِ بين الخيالِ وتنهيدي..
على زورقِ الوجدِ المبجّل..
أستحضرُكِ بملءِ الذهول،
مغمضةً.. بذاتِ النشيدِ الشجيّ،
وبذاتِ الحُسنِ في عينيكِ الجنوبيتين.
يا أجملَ ما أنبتت جزيرةُ اللؤلؤ..
لا يزالُ صوتُكِ في شريطي،
أثمنَ ما جادَ بهِ البحرُ والخليج.
مُصانٌ صِباكِ في ممالكِ الذكرى،
ومُخلّدٌ شداكِ في موالِ الشذى..
لكِ بصدري عُشٌّ جُدِلَ من جدائلِ الحنين،
أعتى من الريح، وأرسى من الطودِ العظيم،
تحيينَ فيه.. سلطانةً يتوّجُها الحب.
أستولِدُ من محبرتي زهوراً تقتفي أثرَ عينيكِ،
وأخطُّ في فلكِ هواكِ فيضَ هُيامي..
بِكوثرِ الروحِ الذي يضطربُ في أعماقي،
وحدودي التي تتلاشى.. وتقطرُ مع كلِّ حرف..
مَن لي يُخبرني:
أينَ ينتهي الجسدُ.. وتبدأُ أطيافُكِ؟
يا سمراءُ..
تشهدُ الدنيا بحنجرتك.. آيةً من الفردوس،
يا ملاكي الضالَّ عنّي.. منذُ دهرٍ وسنين.
مِن يدايَ كنتِ تأخذينني..
تغزلينَ الدربَ غناءً،
وتمضينَ بي في الطرقات..
لا تنظرينَ لعينَيَّ.. بينما أختلسُ النظرَ لعينيكِ،
يدايَ في يديكِ حتى منتهى طريقي..
وأقسمُ أنَّ الجنةَ كانت هناك.. غافيةً في حُجراتي.
(لطيفة)
نيسان ٢٠٢٦
يُخيطني الحِبرُ قبل أن أَخلقَه،
يخيطني المحيطُ الأزرقُ الهادئ؛
ذاك الكامنُ في حُجراتي...
اسيرةٌ في محبرة..
أُقيمُ فيها مَراسمَ الميلادِ والفناء،
ويبقى الحرفُ فلاحاً يحرثُ ترابي.
أفيقُ ليلاً على قرعِ طبولٍ شجيّة،
أخطُّ بِيَدٍ مرتعشةٍ جنوني..
وكلما ختمتُ سطراً؛
فاضَ الحنينُ من مَساربي، وغرقتُ في أعماقي.
مَن ذا يُقنعني الآن:
بأنَّ قدمايَ على اليابسة،
وبأنَّ قلبي لا يزالُ في صدري..
ولم يلتهمهُ بعدُ.. حوتُ يونس؟
في جَوفِ الظلماتِ الثلاث،
وحدكِ يا أوراقي تروينَ عطشي،
ومعكِ وحدهُ.. أقبلُ غَرَقي بسلام.
أنتِ الجرّاحُ.. وأنا المريضةُ بين يديكِ البيضاء،
أنتِ الأمُّ الملاك.. والطفلةُ الملاك؛
فأجمعي شتاتي،
وأَحكمي رَبطَ مفاصلي،
وانفخي فيَّ الرُّوح..
روحي التي ضلّت طريقها منذُ سنين.
أذكرُ هَمسَ الفرنسيِّ الحزين في أُذني:
"مَن يخافُ المحيط.. يخافُ العيش،
ومَن يخافُ المحيط.. لا مكانَ لهُ على الأرض".
ولكن.. هل أخافُ المحيط؟
"لستِ بوهيميةً أو فنانة،
أنتِ عصفورةٌ ضائعة.. عصفورةٌ مريضةٌ يا حبيبتي".
وهل أخطأ؟
فقدتُ عُنواني حين فقدتُ أحضانَه،
وخسرتُ ذاتي حين سلبَ بالرصاصةِ حياتَه.
الرابعُ من نيسان؛
ولا أزالُ أُجدّف.. أُجدّفُ ولا أدري يميني من شمالي،
فقولي لي يا أوراقي.. هل أخطأ؟
يُخيطني الحِبرُ قبل أن أَخلقَه،
يخيطني المحيطُ الأزرقُ الهادئ؛
ذاك الكامنُ في حُجراتي...
مِن لحمٍ ودمٍ إلى محضِ صوتٍ وريح،
لم أعُد أذكرُ مَن أكون..
شبحاً عارياً في البلاد!
كلُّ الأسئلةِ تهوي إلى الفراغ،
وكلُّ النصوصِ انتحارٌ في الغيب،
أعترفُ الآن: أن القصائدَ لا تقودُ إلى سماء،
وأن الشاعرَ كائنٌ خياليٌّ.. لم يُوجد قط،
لكنني، رغم التلاشي، أُدركُ حتميةَ الخلود.
فالشعرُ كالوردِ والنبيذِ
يستوطنُ رُوحَ كلِّ امرئٍ وحيد؛
وتحت أشجارِ الوجدِ الوارفة،
نغرسُ جميعاً من نبضاتنا نبضةً،
لتحيا الأرضُ من بعدنا..
خضراءَ، شاسعةً، وصادقة.
(لتحيا الأرضُ من بعدنا)
نيسان ٢٠٢٦
يا سماءُ اشهدي..
ولِمَن يبتغي في السُّهادِ ملامتي قُل:
كيف يزورُ النومُ عيناً
وشرارُ الوجدِ بين جوانحها يُورى؟
يُؤرّقني مقامي في مغاني النأي والغربة،
وغدت نارُ الأسى للقلبِ تُربة
وموطنٌ.. جُرحت فيه عذراءُ الحرية!
هذا الطائرُ الأبيضُ الوديع
الشادي كالعندليب..
قتلوها بِمَشارِطِ السيوفِ والكتابُ باصر،
واستعبدوها بأغلالِ الحديد،
حتى باتَ اللسانُ عن عذبِ النطقِ بالهوى..
مبتوراً.. محروماً!
وغرفتي.. بلا بابٍ للنجاة،
يُمزقني فيها وعيٌ لئيم
بأنني لا أنتمي.. ولن أنتمي!
وأنّ مُكثي في غير أرضي جناية
أقترفها بحقِّ النَّفسِ، وبحقِّ قلبي الظامئ لغديرها،
وا أسفاه..
أرى ذبولَ روحي رأي العين
كما تذبلُ الروضةُ وقد جَفَّت مياهُها،
وأشعرُ بأطواقِ الحديدِ..
تلتفُّ خانقةً حولَ عُنقي!
أحنُّ لـ "أمِّ الدُّنيا"..
أحنُّ لمِصري؛
فما للمرءِ من كرامةٍ في أرضٍ غريبة
ليست بأرضه..
ولا سماءٍ تُظلّه كسَمائها
إما أن تكونَ البنتُ في حِمى وطنهِا شهيدةً للحرية..
أو لا تكون!
يُؤرّقني حالي..
فماذا عسايَ أعرفُ عن "البتراء"؟
ولماذا تُطبعُ ظلالُ آثارِها الوردية على صُحفي؟
وماذا أعرفُ عن ذاك المدعي.. "أبي"؟
ولماذا كبّلوا اسمَه في ديواني وسِجلي المعتم؟
تُرى.. ماذا يعرفُ السِّجِلُّ المُصمتُ عن هذا الرجل؟
عن أرضٍ هجرها منذ سنين،
وعن أطيارٍ ذرّ عظامَهم في هجير البلاد..
بلا سؤالٍ.. بلا حضورٍ.. أو سلام!
بأيِّ حقٍّ ينسبون ملامحَه الشاردة إليّ؟
بأيِّ حقٍّ يورثونني إرثه المُتَهالِك؟
ماذا يعرفُ الورّاقون عن خيطِ البدءِ الأول؟
ماذا يعرفون عني؟
عن اسمي.. عن منبتي الأصيل.. وحنيني المُستباح؟
إنهم لا يعرفون.. ولن يعرفوا!
ما داموا يُعلون في المحافلِ سهمَ الذُّكورة،
ويُقصون من علياءِ الوجودِ.. الأنثى!
سأخبركم مَن تكونُ أمي:
أنا ابنتُها.. ووريثتُها وحدها لا غيرها،
لا حاجة لي برواسمِ مطابعكم،
ولا بأرقامِ سجلاتكم؛
فقد نقشتُ اسمي باسمِها في مَنابِعِ النَّفس،
ورسمتُ شموسَ الأهراماتِ وشماً خالداً
على كلِّ أوراقي التي تعترفُ بي،
أكونُ أو لا أكون..
وحدي أعرفُ مَن أكون،
وحدي أملكُ سرّ غدي؛
أعرفُ مَن تكونُ أرضي الخصيبةُ..
ومَن هي حبيبتي!
لا أنسى واحةَ منبتي..
ولا أيُّ شمسٍ دافئةٍ، وأيُّ مياهٍ عذبةٍ قد سقتني،
لا أنسى مَن حملتني رضيعةً بين ضفافِ خُضرتها النضِرة،
وفطمتني من ثديِها المُبارك الودود..
مَن غمرتني بحنانِها،
وكانت ضحكتُها السَّمحةُ هي فؤادُ حياتي.
وفي المقابل..
لا أنسى اغترابي القسريّ خلفَ أسوار جزيرة اللؤلؤ،
أذكرُ سفنَها الراسية على المرافئ،
ونخيلَها الباسقَ الشاهق،
وأذكرُ أيضاً بأسى..
كيف كانت ذراعاها مضمومتينِ شُحّاً
ضائقتينِ بوجودي..
تأبى احتوائي كأنني غريبةٌ على حِماها!
لقد تعلّمتُ الشغفَ العذريَّ والرفضَ الأبيَّ معاً:
لا كرامةَ للمرءِ في أرضٍ ليست بأرضه..
فإما أن يحيا شهيداً للحرية..
أو لا يكون!
(يُؤرّقني حالي)
نيسان ٢٠٢٦
لماذا أعود لأمقتَ كلماتي؟
أعودُ إلى رَحِمِ العَدَم.. إلى رَحِمِ الصفر،
إلى البدايةِ المطلقة.. البدايةِ الحتمية.
ما بالُ نفسي ما عادت تُطيقُني؟
على قَدرِ حُبّي.. أمقتُها،
أرثيها حزناً وعزاءً،
وعلى قَدرِ حنيني.. أحِنُّ إليها،
إلى "تلك" التي أبحثُ عنها منذُ الزمن،
منذ الصرخةِ الأولى..
منذ النَّفَسِ البِكر.
...
الحبُّ لكَ.. والموتُ لي
توضَّأ بدمعي، وقُم للصلاةِ
فروحُكَ في العشقِ طاهرة..
أخطأتُ حين تعهّدتُ بقلبي،
قدّمتُهُ لكَ قرباناً على طَبَقٍ من ذهب،
بذلتُهُ ولم أسأل..
لم أسأل عن كُنهِ الهوية:
من أكونُ؟ ومن تكون؟
أتُحرقني شمسُكَ الذهبية؟
أم يلتهمُكَ غولي الأزرقُ الغارق؟
لم أسأل.. أأكونُ أنا الجحيم،
أم تكونُ الدنيا جحيمَنا؟
أخطأتُ حين وعدتُكَ بالحب..
وعدتُكَ بالمستحيل،
وبالإثمِ العظيم.
كُنتَ كوكباً من الدفءِ يلتحمُ بالفضاء،
كوكباً سكنتُه بما أحملُ في جسدي من روح..
كم استهوتني الحياة، وانصهرَ جِلدي في التراب،
عشتُ طائراً حراً في السماء؛
يجوبُ الشرقَ والغرب.. يطوفُ العالمَ بما سطع،
عشتُ سمكةً تسمو في المحيط
وقلتُ: "لكَ أنتمي"..
أنتَ نَفَسي وسلامي،
وقلبي ليسَ إلا ابناً بارّاً برمشِ عينيك.
زرعتُ الدارَ قمحاً، بردياً وبطيخاً..
وشيدتُ القصورَ في رحابِ غرامك،
رافعةً أعلامَ استسلامي،
تنشدُ فيها الأرواحُ وتتغنى طويلاً
بعذوبةِ خَلقك.. والأقصرُ في وجدانك،
تخدمُك وترعاك..
كياقوتةٍ نادرةٍ لابد من حمايتها..
من وهجِ الشمسِ ومن الشر،
من عصفِ المطرِ ومن الغَير،
ونقشتُ الحضارةَ بلونِ عينيكَ الكحيلتينِ بالزرقة،
فلتحيا أيامي على رجعِ نبضك،
ولتحيا حكايتُنا بين الجنةِ والموج،
سأظلُّ أرسمُك في كلِّ لحظةٍ:
نخلةً عميقةَ الجذور،
راسخةً أقدامُها في جوفِ التراب،
وشامخاً رأسُها في أعالي السماء.
آهٍ.. لو كنتَ في أصلِ تكوينكَ نغمٌ وخيال،
ولم تكن رجلاً من عظمٍ ودم،
يحكمُه الفؤاد.. ويقيدُه العقل.
آهٍ لو كنتَ طيفاً من أُلفةٍ وحنين،
ولم تكن إنساناً يُرهبه الظلام.
أخطأتُ.. حين احتضنتُكَ في صدر القمر،
وتبقى خطيئتي الأنقى.. أنكَ لعمري الحبيب.
...
نأكلُ، نحبُّ، ونكتبُ..
هذهِ هيَ الحياة.
"يا رع.. يا من أشرق في السماء،
فليكن شروقك من أجل الملك "ونيس"!
يا سيد كل شيء، فليكن دوماً كل ما هو لك،
ولروح (كا) الملك "ونيس" كل شيء له،
كل شيء!"
نأكلُ، نحبُّ، ونكتبُ..
هذه هي الحياة.
...
ابريقي جمرٌ يتجمد،
ونسيانُكِ يا "أنا" صَحوٌ من الضحكات،
في جبالي، في نواة المتاهة،
أزهرَ الشتاءُ في القلوب الباكية..
جفافُكِ يا سيدتي أحياني..
وجليدي أظلمَكِ.. رَمَّدَكِ عميقاً،
جعلَكِ أكثر انطفاءً من منارةٍ هجرها البحر.
ما كان ينبغي أن تكوني هنا،
فلا مخرج لكلينا تحت الطوفان؛
إما أن نموت سوياً.. أو تنجو إحدانا.
قد قُطع حبل الوريد،
ذاك الذي يربطني بالبحر وبالغابة،
ذاك الذي يشتعلُ منذ سنين.
الأشباح السوداء استوطنت مملكتي.. استوطنت رأسي..
صدري الشريد وأحلامي المذعورة.
ما كان ينبغي أن تكوني هنا؛
فالأشباحُ كأنيابِ مصاصِ دماء،
كمخالبِ نمرٍ ثائر.. نمرٍ هائج..
وماذا عساي أن أفعل؟
وجودكِ جرعةُ "أنسولين" يومية لجسدٍ لا سكرَ فيه،
وجودكِ مغناطيسٌ فريد.. للعوالمِ السفلية وللمقابر.
لا مخرج لكلينا تحت الطوفان..
ونسيانُكِ يا "أنا" صَحوٌ من الضحكات،
صَحوٌ من الأعياد الزائفة.
لكن لماذا؟
لماذا أعودُ لأمقتَ كلماتي؟
لماذا أرتدُّ إلى رَحِمِ العدم.. إلى نُقطةِ الصفر؟
إلى البداية المطلقة.. البداية الحتمية.
لستِ "تلك" التي أبحثُ عنها منذ الأزل،
ولستِ وجهاً شَكّلهُ خيالي..
لستِ الطفلةَ السمراء الغافيةَ على شرفاتي،
التي تمرحُ بين حدائقِ النرجسِ وأنهارِ البجع.
عمن إذن أبحث؟
ولأيِّ عنوانٍ أخطُّ رسائلي؟
ماذا أريد؟ وما القريب؟
آه.. لو لم يكن عظماً ودماً،
آه.. لو كان طيفاً من حنين!
أخذتُه أسيراً في قمري، وتركته وحيداً..
فالتهمه غولي الأزرق الغارق،
غولي المقيم في جميع أقماري.. في بدري وهلالي.
لم أحتمل الشمس؛
أحرقتني شمسه الذهبية،
وتعذبني نفسي فجراً وعشياً.
مضيتُ وجثته خلفَ أقدامي،
أشلاؤه مبعثرة في بقاع قاراتي..
وأين "إيزيس" لتعيد جمع الحبيب وتنفخ فيه الروح؟
لا مكان في أرضي لحبيب؛
إن البلاد حربٌ وضياع.. استعمارٌ وإبادة.
لِتغفُ بسلام أيها العاشق المسكين،
لن أنساك.. سأنساني أنا..
وستبقى نفسي تعذبني فجراً وعشياً..
إلى أن أنساها.
(كا.. المنارة المهجورة)
أيار ٢٠٢٦
مِصرُ.. دائي ودَوائي
حكايةُ غرامٍ..
وموسيقى تسري في الوَريد
أنتِ الشريانُ.. وأنتِ الحَبيب.
إن كانَ التشرُّدُ يا حبي أقبحَ أقداري..
فأنتِ أبهاها، وأشدُّها زهواً.. وحناناً.
أحبكِ حتى يفرغَ الحبُّ من سمائه..
وتستريحَ الروحُ في منتهاكِ.
أنا..
ابنةُ "حابي"..
ثمرتُكِ الضالةُ من شجرِ الحبِّ المحرّم..
أشركتُ بكِ "البتراءَ".. واحترمُها،
وعشتُ غريبةً في "أرضِ الفردوس"..
أرضِ الحياةِ..
حيثُ رسمَ مَلِكُ أوروك "جلجامش"
نُدوبَ خُطاهُ.. بحثاً عن سرِّ الخلود.
يا مِصرُ..
وإن أورثَتني أُمي قلباً غيرَكِ..
وإن لم يَفطمني ثديُكِ..
وعمَّدَتني شواطئُ الإسكندريةِ،
وما كنتُ ابنتَكِ في الأصلِ..
فباقيةٌ أنتِ.. حبيبتي..
أنتِ عشيقتي.. كُنتِ لي أمّاً أم لم تكوني،
وما أجفَّها من حياةٍ.. إن لم تكوني.
أنا..
بنتُ حابي،
جئتُكِ اليومَ بالشموعِ والزنابقِ..
جئتُكِ بقلبي المغرمِ.. الرهيف،
أغتسلُ بأنهاركِ الشافيةِ..
وأُصلي فيكِ صلاةَ عشقٍ وانكسارٍ،
ودموعُ الشوقِ تبللُ الترابَ.
جئتُكِ بقلبي المفتون..
أُهديكِ إياهُ قرباناً..
قرباناً لسلامكِ العظيمِ..
لسلامةِ صدركِ.. وسلامةِ عينيكِ..
أحبكِ يا محبوبة.
…
آهٍ.. ماذا تعرفُ الدنيا عن طَرَبِها؟
عن مَسرحِها.. عن قلمِها وريشِ محابرِها..
ماذا تعرفُ الدنيا عن ريحانِ معناها..
عن أريجِ بهجتِها، وسِحرِ حكاياها،
ماذا تعرفُ عن مذاقِ القبلةِ الحلوةِ من شفتيها؟
خُلِقَ الفنُّ لها، وخُلِقت لتكونَ الميلاد.
وما الحضارةُ إلا أرضٌ مزروعةٌ.. حبّاً وفنّاً.
(بنت حابي)
تشرين الثاني ٢٠٢٥
تستحضرني العرابةُ الخرساء،
تحومُ في داخلي.. من الرأسِ حتى الأطراف،
تنفثُ في أذني صوتاً كصريرِ القصورِ المهجورة:
"أيتها الراقدةُ في الظلامِ تحتَ التراب،
لا شيء بانتظارك!
كُفّي عن النبشِ في أحشاءِ الإسكندرية،
كُفّي عن الغوصِ في أعماقِ النيلِ العظيم؛
فما تبحثينَ عنه ليس سوى لؤلؤةٍ كاذبةٍ
تقتاتُ على عُمركِ النازفِ.. حريقٌ للأيام.
ستعبرينَ طويلاً، يا سيدتي، الحاراتِ الموحشة،
وطريقُكِ طويلٌ.. طويل،
تجرينَ خلفكِ حقائبَ الغربانِ والخفافيشَ العمياء،
تجرينَ جسداً بُترَ منه القلبُ والبصيرة،
وستمشينَ ليلاً ونهاراً..
في نواةِ الصحراءِ وأعالي الجبالِ الزرقاء..
ولن تبلغي من مَرادكِ شيئاً.
فلا الريف يمنحكِ السكينة،
ولا الحياةُ المدنيةُ تُداري نُدوبك اللامنسية.
مطلبكِ مُحال.. والروحُ في تِيهِها حائرة..
كجروٍ ضلَّ طريق العودة في ليلٍ
لا يغيبُ عنه القمرُ ولا يرحم.
تسكبينَ دمكِ حبراً..
وتخطينَ الدمعَ حروفاً على الورق،
تتوهمينَ أن تلك الصفحاتِ البيضاء
هي الجنائنُ التي تمنحكِ الغفران،
وأنها وحدها تفهمُكِ وتُحييكِ،
وحدها تعترفُ بحقِّ الحرية،
لا تُعاتبكِ ولا تُؤذيكِ..
لكن، وأسفاه!
ألم تلمسي سوادَ نصلِها بعد؟
ألم تسألي عن ماهيّتِها؟ عن أصلِ هويّتِها؟
عن هذا الصنمِ الذي تعبدينه؟
أهو لهيبٌ يلتهمُ العقل، أم صقيعٌ يُجمّدُ العظام؟
أعِناقُه شفاءٌ.. أم سُمٌّ دُسَّ في كأسِ النشوة؟".
تستحضرني العرابةُ الخرساء،
تحومُ في داخلي.. من النخاعِ حتى القرار،
تزفرُ في روعي آباراً من الريح:
"أيتها الراقدةُ في الظلامِ تحتَ التراب،
ألقي بقلمكِ اللعين..
انحي الدفاترَ عنكِ دقيقة،
وانظري حولكِ.. للبشرِ وللأثاث،
تأملي لونَ الرخامِ البعيد..
أهو قرمزيٌّ كما تتوهمُ عيناكِ،
أم أنَّ حُمرتَه تنبض بالشباب؟
أنتِ لستِ غريبةً عن المكانِ فحسب..
بل أنتِ لحمُ الاغتراب،
أنتِ المنفى وقد صار امرأة،
أنتِ وحدكِ ولا غيركِ:
الجحيم.
هيا.. اهبطي يا صغيرة إلى طينِ العالم،
تذوّقي مرارةَ الجمالِ الفاني،
ولتزهو عيناكِ في حضرةِ الخُضرةِ الزائلة،
فلتَرقصي مع قطيعِ البشرِ والوحوش،
على أنغامِ كمانٍ ينوح..
فكلكم، يا سادة،
جثثٌ مؤجلةٌ في وليمةِ الزمنِ الكبرى...
دنيتكم يا سادة فانية.. وأنتم قبلها فانون.
…
القلبُ قنينةٌ..
وقنينةُ الأنثى خمرٌ من الجروح،
تمتدُّ جذورُه في ذاكرةِ الألمِ ووعيِ الفجيعة.
من الغانياتِ الراقصاتِ فوق لوعاتهن،
إلى الأميراتِ الحبيساتِ في قصورِ الوهم،
من العشيقاتِ الثملاتِ إلى الأمهاتِ المرضعاتِ للترح..
كلهنَّ أوعيةٌ لجوهرٍ واحد، لعينٍ واحدةٍ ترقبُ القمر:
شهوةُ الجمالِ الكامل.. ذاكَ الدبُّ الذي قتلَ صاحبه.
عاشوا كأشباحٍ تحترقُ فداءً لزهرةٍ ذابلة،
في عالمٍ لا يحكمُه سوى الوجد، ولا يسوسُه إلا الشجن.
هناك، حيثُ الطربُ والموسيقى هما الخلاص الوحيد،
وحيثُ الأنثى هي البيداءُ وعرائسُ النيل،
هي الفنُّ والإخلاصُ في آنٍ واحد.
ذاك هو عهدُ القلبِ الملعون..
أبديةٌ من التوقِ المستحيل،
والحبُّ؟
الحبُّ هو أولُ خطوةٍ نحو الهاوية،
وأجملُ مَرسىً للغرق".
(تستحضرني العرابةُ الخرساء)
أيار ٢٠٢٦
تُبكيني حروفي.. وتُحييني،
وحدها تفهمني، وتحويني،
تمنحني طقوسَ الحريةِ المطلقة،
لا تُعاتبُني..
ولا تؤذيني.
…
ولأننا في عصرِ الصناعةِ الصمّاء،
في مدائنِ المعدنِ والكهرباء..
ما بينَ المواطنِ الآلي والطاقةِ النفاذة،
كان لا بدَّ من صرخةِ: "أنا"..
فعلٌ يردُّ للذاتِ حقَّ الوجود،
حقَّها في أن تكونَ روحاً، قلباً، وعقلاً،
أن تفيضَ فكراً، ودمعاً، وشجناً..
ألا تُنكرَ حقيقتَها،
ألا يُهمَّشَ ميلادُها.. وألا تُدفنَ ذكراها.
أنا أكتبُ.. إذاً أنا حقيقة،
إذاً أنا إنسان..
حرٌّ، باقٍ، وأقاوم،
إنه حقُّ الإنسانيةِ المهدور،
حقُّ الحضارةِ والوطن،
حقُّ الأنثى والذكر..
حقُّ الإيمانِ الغافي في نواةِ أفئدتنا.
…
يُحكى.. أنه كان يا ما كان،
في قديمِ الزمان،
يمامةٌ بيضاءُ تجوبُ الشرفات،
تنتقلُ من دارٍ إلى دار،
تُنشدُ دارها:
"أيا شجرةً سنيّةً.. ردّي النداء،
لينتفضَ شوقي في أغصانكِ،
وتضمني قشاتُكِ الذهبية."
ويهدلُ جَنانُها المكلوم:
"أتذكرينَ بستاننا وخضرته الوارفة؟
كم كان يشعُّ بريعانِ الشباب،
وفي أوجِ العنفوانِ والنشاط!
تُرى.. أضاعت من أيدينا الخريطة؟
أم أننا.. خسرنا الوطن؟"
ما عساها تفعل؟
تعودُ كلَّ ليلةٍ إلى غربتِها،
عند واحةٍ صحراويةٍ نائية،
تبيتُ ضيفةً لدى الهدهد،
ومليونِ حشرةٍ وحشرة.
كانت بخير..
يسيّجُها النخيلُ ويحميها،
لا مطرَ يبللُها، ولا قلقَ يمسُّها،
إلا ذاك القادمُ من فوهاتِ البنادق،
من نيرانِ الصيادين.. وسمومِ كيميائهم..
من أدخنةِ المصانعِ القصيّة،
وقذائفِ الحروبِ المباغتة.
كانت بخيرٍ..
والقمرُ هلالٌ، والريحُ وادعة،
وعيونُ أحبتِها في حُجراتها محفوظة.
الليلُ ساكن..
بَدا لها أزرقَ على غيرِ العادة،
لكنها.. بخير!
تتعلمُ التواضعَ أمامَ جلالِ الزرقة،
وتحترمُ أحزانَهُ وآهاتِهِ المكتومة:
"لعلني زرقاءُ مِثلهُ.. وريشي كاذبٌ في بياضِه،
فأنا أيضاً.. لا أنام،
وأنا أيضاً.. بخير".
…
بأيدينا.. صغنا حتوفَنا..
ولأنَّ رئةَ الأرضِ استعمرها الدخان،
والبواخرَ ملأتِ البحار..
تعدَّينا على طهرِ الطبيعة؛
مسحنا أخضرَ الشجرِ،
لوثنا الشطآن،
وحقنّا في وريدِ السماءِ كبريتاً وكربون..
فكان لا بدَّ أن نهجرَ جلودَنا!
كنا نملكُ عهدَ السلام..
لكننا اخترنا غوايةَ الآلات،
ثمّ، في ذروةِ خيبتِنا.. اخترنا الاستغناءَ عن أنفسنا!
وخلقنا بَشراً من كهرباءٍ ومعدن.
خلقنا الإنسان السامي..
ذاك السكوني الذي لا يمتصه جوعٌ ولا يقتله ظمأ.
صدرٌ حديدي لا يعرفُ ارتعاشةَ الدمعِ،
وجسدٌ لا يتقلبُّ تحت أغطيةِ الفصول،
لا جنونَ يهددُ العقل،
ولا ذئابَ تعوي، ولا أفاعيَ تتربص.
كائنٌ لا تعمّده الشمس،
ولا تلمسُه عدوى الضحكات المقدسة،
لا تشغلُ بالهُ ولا تعيدهُ طفلًا في لحظات.
إنه الكيانُ الذي لا يشمُّ عطر الزهرةِ من لونها،
لا يحسُّها بنظرةٍ.. ولا ينحني لرقتِها.. لأُلفتِها،
لا يفهمُ العيونَ.. ولا سلطانَ لها عليه،
عسليةً كانت أو غجرية،
جنوبية، شرقية، حالمةً أو جبارة..
هو ببساطة.. لا يفهمُ العيون.
كائنٌ بلا فؤاد..
يترفعُ عن فوضى الحب،
لا يغرقُ في رغبةٍ أو شوق،
لا ينهشُ عظامه التيم،
لا يعشقُ.. ولا يثور.
كيانٌ متجمدٌ فوق الكراهية..
فلا هو يكره، ولا يغار، ولا يشعر.
والأدهى.. أنه لا يملكُ ذاكرةً خضراء تحنُّ لما ذبحناه،
لا ترتعدُ أسلاكه من شظايا قذائفنا،
ولا تتسربُ الدماءُ إلى تروسه الفضية.
هو لا يخشى الميزان.. ولا يصافحُ القدر..
إنه الخلود في تابوت!
لا يموت.. ولا يحيا،
كم هو إنسانٌ أعلى!
ويا للمفارقة..
كم هو باردٌ، ومثاليٌّ، وموحش..
هذا الذي أسميناه: "المستقبل".
(المستقبل)
أيار ٢٠٢٦
كرحيلِ الموانئِ القديمة..
أرحلُ عن ذاكرتي،
أنجرفُ بعيداً عن متناولِ يديّ،
وتدورُ الغيماتُ فوقَ عينيّ،
وحنجرتي تتحررُ من قيدِ عُنقي.
أشعرُ بقدمايَ تغرقانِ..
إمّا في المحيطِ.. وإمّا في أتونِ الجحيم.
ماذا عسى لفتاةٍ في مكاني أن تفعل
وهي الراحلةُ قسراً عن أرضِها؟
ماذا عسى للسمكِ أن يفعلَ خارجَ الماء؟
وماذا للأسدِ أن يصنعَ وهو رهينُ التراب؟
لا تطلبوا مني المستحيل..
ولن أطلبَ منكم حتى البسيط.
…
الريحُ باردةٌ.. باردة،
والليلُ طويلٌ لا ينتهي،
والزرقةُ تعومُ.. وتعوم،
بلا مبتدأٍ أو مآل،
تعومُ.. تعومُ.. وتتخطى المُنتهى.
…
أخطو في حواري إسكندريتي..
أسمعُ خرخرةَ الشاطئِ، وأحسّها في أحشائي،
في الحياةِ الكامنةِ تحتَ جلدي، وفي شهيقِ أنفاسي.. أحسّها.
على شاطئ "ستانلي"،
وتحتَ ضوءِ القمرِ المرهف..
تمتدُّ أطيافُكِ على وسعِ السماءِ المتلألئة،
وعيناكِ.. تلكَ الصَّحراويتانِ الغائرتانِ في السَّرح،
أخذت برقةٍ تُشعلُ موجي وحنيني.
أبحرُ طفلةً في رحابِها.. طفلةً تسكنُ شريطي العتيق.
هناك، أنسى شتائي وأنيني،
أنسى لِمَ كانت دموعي..
ويعزفُ الكمانُ أنغامَهُ، والعودُ شجيٌّ.. شجيّ،
يسيلُ طرباً للكحلِ الأزرقِ الراقدِ تحتَ الرموش،
لمملكةِ البحرِ وجنياتِها الغجرية،
لسماءٍ أسرت ناظريها.. وفتنت زائريها.
تُحلّقُ روحي على أجنحةِ النسيم؛
نسيمُ الإسكندريةِ الذي يسافرُ عبر القاراتِ،
ليستقرَّ في نواةِ فؤادي..
يغسلني حتى العظام.. حتى النخاع،
فأخيطُ من صفائهِ وشاحاً يُظللني.. حتى آخرِ العمر.
…
النغم..
النغمُ جنةٌ من جنائنِ الدنيا..
شفاءٌ للصدورِ، وترياقٌ لجنونِ العقول.
النغمُ سلامٌ وحبٌّ غيرُ مشروط،
به نخترقُ الجدرانَ، ونهدمُ الحواجز..
نضيعُ في الجَنان، والسكينةُ تغمرنا.
نسقطُ ضحيةً لذواتنا..
ضحيةً لهذا الجمالِ الرفيع.
تتدلّى الدموعُ من مآقي الفرح،
تزهرُ الروابي من عمقِ السنين،
ويزهو القلبُ بريعانِ الشباب..
يشعرُ فتفيضُ منهُ الأحلام،
يشعرُ.. فتشعُّ الروحُ في جُحرها،
تؤمنُ أنَّ الموسيقى هي أصدقُ الأفعالِ..
وهي أطهرُ إحساس.
(ذاكرة مبللة بالشوق والنغم)
أيار ٢٠٢٦
إنهُ عُمرٌ من الخريفِ الثَّمِل،
عُمرٌ من البرتقالِ المحروق،
من النحاسِ الغافي في أطباقِ النيشِ المُحرَّمة.
أيتها الشمسُ، يا صاحبةَ العرش،
يا أمَّ البهجةِ وجوهرُ الحياة:
لِمَ كلُّ هذا الابتعاد؟
أمدُّ يديَّ.. فلا أطالُ شُعاعكِ،
أمدُّ جسدي بكلِّ ما أُوتيتُ من مَدٍّ.. فلا يَصِل.
يا شمسي.. اقتربي،
أنا ابنتُكِ المطيعةُ، والمؤمنةُ بنوركِ،
اقتربي ولا تخافي..
فصدري دافئٌ لن يؤذيكِ،
صدري الذي لا حولَ لهُ ولا قوة، إلا بكِ.
اقتربي.. وكوني حليفتي في معركةِ الحب،
حبِّ الحضارةِ، والفكرةِ، والأنا..
أبتهلُ إليكِ أن تقفي في صفي،
فنصري رهنُ رضاكِ..
رهنُ الضحكةِ المصريةِ الصافية..
والأعيادِ الفرعونيةِ العتيقة،
وكلُّ الوجودِ في دُنيانا.. كلُّ الحياة.
يا شمسي.. أجيبي وصاياي،
فحبيبتي راقدةٌ.. وأحسُّ شبحَ كيانِها يحومُ حولي!
لا تحيةَ تقدمُها، ولا عتاب.. لا سؤالَ يمدُّ جسراً، ولا رسالة.
رأسُها على الوسادةِ يحاذي رأسي..
أتأملها وتتأملني.. أحِنُّ وتحنّ،
لكنَّ ثلجاً بيننا فاقَ حدودَ الريبة:
"قُومي يا حبيبتي.. لتزهرَ الأرضُ بقدومِك،
قُومي.. ليغنيَ النيلُ أغنيةَ الخلود".
من حليبِ النخيلِ ودمِ قلبي سأسقيكِ،
ومن وترِ حنجرتي سأهبُكِ روحاً؛
كي تشرقي ثانيةً.. كإلهةٍ صِيغَت من ياقوت.
يا حبيبتي
صوتي بعيدٌ.. بعيد،
وعيناكِ قُرصٌ من ذهب.
كدعسوقةٍ وحيدةٍ في البستان..
تقتفي أثرَ العشبِ، وترتحل،
تدركُ أنها تفقدُ الذاكرة،
وتعرفُ أنها ما زالت بعيدة.. بعيدة،
وأنها مهما خطت أو حلّقت.. يظلُّ الدربُ قَصياً.
لكن.. ما إن تلمحَ عيناكِ الذهبيتين،
حتى يتجمدَ اللسان،
وتُضرمَ النيرانُ في لُبِّ الفؤاد.
هناك.. تغفو جفوني، ويغلبني الشاطئُ الهادئ،
في صباحِ تشرين الذي يسري برعشتهِ في أوصالي..
فأسمعُ غناءَ الكناريا في قفصي،
أحفظُ التغريدةَ عن ظهرِ قلب،
عصفورةٌ.. عصفورة، عصفورٌ.. عصفور.
…
ما عادت الكوابيسُ تفجعني،
ولا السحاليُ اللامتناهيةُ تزحفُ نحو سريري،
أو تنمو في أحشائي..
الخريفُ اليومَ وادع.. مسالمٌ ووديع.
فلا أدري حقاً ما الذي يغرسُ القلقَ في بالي؟
ما الذي يشغلني..
رأسي ممتلئ.. يعصفُ بما لا يُحصى،
وإنما لا أفهمُ شعوري،
لا الحنينُ يزخرُ فيَّ.. ولا الوجعُ يفيض.
سواءٌ عُدتُ أو لم أعُد،
سواءٌ رحلتُ أو بقيت..
فلا حضورِيَ جليٌّ،
ولا لعينَيَّ انعكاس.
حبيسةٌ في بيانو،
وعلى نغمةِ المفاتيحِ يبسطُ شريطي ريشَه،
يرقصُ الباليه بخفةٍ بفستانه الأسود،
يدفنُ من ذكرياتي ما يدفن.. ويحنطُ ما تبقى..
تابوتاً.. تِلوَ تابوت.
…
فنجانُ الصباح..
فنجانُ الشايِ الأخضرِ بالليمونِ والزنجبيل،
تأخذني رشفةٌ منهُ أربعينَ عاماً نحو الآتي،
إلى امرأةٍ عجوزٍ في شُرفةٍ سكندريةٍ تالدة،
تتأملُ الشارعَ الذي ما عادت تذكُرُ ملامحَه..
تَعرفُ فقط تلكَ الشجرةَ الرابضةَ هناك،
تستحضرُ طيفَ المبنى القديم.. ولا يُرضيها الجديد،
وتسألُ عن وحشةِ الدار..
"دار.. يا دار".
لا جداولَ تنسابُ بين الحروف،
لا أنهارَ تجري في سنِّ القلم،
ولا مجرّاتٍ تلطمُ فضاءَ العقل.
أيها الحب..
أيها الطفلُ الغجريُّ، ما الذي أسكتَك؟
أشعلتُ شموعَ المعابدِ كُلَّها،
وأضرمتُ النيرانَ في غاباتِ روحي ومزارعِها.
أفواهٌ وأرانب.. أفواهٌ وأرانب!
أشعلتُ وريدي، وأحرقتُ الصوامعَ والجوامع،
أما الفراشةُ الشريدةُ.. فقد أطلقتُ سراحَها:
"طيري بسلامٍ يا جميلة..
طيري نحو حدائقِ الأحلام، وعجائبِ الدنيا الغنية،
حُرَّةٌ أنتِ يا صغيرتي.. حُرَّةٌ بسلام".
وكلما حاولتُ أن أكون.. كان السَّرحُ والدمعةُ الزرقاء.
مسرحي فارغٌ.. ينهارُ من فرطِ خلائه،
وصوتي بعيدٌ.. بعيد،
لهُ عشراتُ الصدى.. وآلافُ الرنين.
اقرئي نجومي يا حبيبتي،
اقرئي قهوتي الليلية.. وفجرَ المذابح،
اقرئي طوفانَ الفصلِ الرابع،
واقرئي عنواني في بطاقاتِ الوطنِ..
وعنواني المنسيَّ في ملفِّ الصحاري.
…
أيها الحب
في فمِ الحبيبةِ تُفاحة،
وفي يدَيها سلةُ ياسمين..
وأمامها محيطٌ برتقاليٌّ يلوثُه الرماد..
وقد رَسَت فوقه سفينة؛
سفينةُ جنوني البتراء.
أضلاعُها من أغصانٍ زغبيةٍ هشّة،
أخافُ لو لمستُها أن ينهارَ استقراري،
فأعومَ وحيدةً في بحرٍ لا يحدُّه مَد،
أحبو تارةً.. وأغرقُ تارات.
لا أريدُ الموتَ الآن؛
فَمِشواري على بُعدِ ميلَين،
وخارطةُ كُنوزِي.. مَنقوشةٌ على ظَهري.
أشتهي الدهشةَ، أشتهي زهرَ النرجس،
ولا أعرفُ اللهفة، لا أعرفُ التمرد.
"فافترشنَ بجواري أيتها الباحثاتُ عن الذات"،
لأُسمعكُنَّ عصافيرَ قفصي،
وأنشدَ لَكُنَّ خريفي على نايٍ أزليٍّ..
من غابرِ الأزمان،
حيث كانَ يا ما كان.. بَرٌّ، ومياه، وجريمةُ قبطان.
(خريفٌ ثَمِل.. وجريمةُ قبطان)
أيار ٢٠٢٦
مِن عهدِ أمنحتب الرابع.. وصولاً إلى نواةِ اللحظة،
ما ماتَ إخناتونُ فينا؛
فعيناهُ لا تزالانِ محفورتينِ على قرصِ الشمسِ الذهبيّ.
إن كان قد اختار أن يكون ابناً للشمس،
وآمن بهذه الحقيقة.. فله ما أراد.
دُمتَ أيها الملكُ ابناً باراً لأتُون..
ودُمتَ أديباً عظيماً يُلهمُ الأجيال.
…
أعرفُ طائراً كرواناً،
غافياً في رصيدِ القرويين،
خبأتهُ شجرةُ برقوقٍ يوماً في أحشائها قرب القاهرة..
هناك، حيث يشدني الشتاءُ كل عامٍ لأقاسمَ أسرتهُ الوفيةَ رغيفَ الذاكرةِ والزهر.
تحتَ ذلك الظلِّ الوارف،
يتركُ لي عشراتِ الرسائل،
نصوصاً من نتاجهِ السماويِّ اللامعروف؛
فأقضي الليالي في ترجمتِها كباحثةٍ في متونِ الحضاراتِ الغابرة.
أسكبُها بيديَّ فوق بياضِ الورقِ..
ورقي الصحراويِّ الثملِ بعبثِ التيه،
يفيضُ هوساً، وينثرُ جنونَه شرقاً وغرباً..
لا يسألُ عن حبٍّ أو نور..
ويكفرُ بكلِّ قيدٍ أو انتماء:
"يجب أن يتدفق كالسيل،
بلا حيزٍ لأي غريبٍ فيه..
إنه تيار نهركِ الخاص،
إنها حقيقتك أنتِ..
قُبحكِ أنتِ، وشريطكِ الوحيد."
…
الشتاءُ معركةٌ خاسرة..
أشعرُ ببحرٍ أسود، مجهول الهوية،
يجرفني إلى أقاصي الغياب.
تتكررُ الحكايةُ ذاتُها في ليلتي السابعة والتسعين؛
الغربةُ تطعنني بالسكين ذاتِها، وفي الساعةِ الملعونةِ نفسِها.
لم يتغير مشهدُ الاغتيال.. ولم يتبدل حالي البائس..
حتى أصبحتُ أحفظُ لونَ الحديد، وعمقَ الجرح، وفصيلةَ النزيف.
أسيرةٌ في سفينةٍ ترتجفُ من الحركة،
تمقتُ الفضاء.. أو لعلها لا تؤمنُ به.
لم أفهمها قط؛ فنظراتُها خائنة،
وملامحُها تُقرأُ كالفنجان.. كخرائطَ حائرة!
أجهلُ منذ صبايَ فنّ النجاة:
تُرى أين تكمنُ الحياة؟
وأين تقطنُ الدنيا لأضربَ معها موعداً على العشاء؟
في مسرحٍ، أو دارِ أوبرا.. لا يهم،
المهمُّ أن يلينَ قلبُها، وتتحننَ أغصانُها..
لتصالحني أنا وسفينتي، وتضعَ للحربِ حداً.
يا كرواني.. أتعرفُ شيئاً عن أحلامي؟
إنّ أقصاها يُختزلُ في غفوةٍ عابرة،
في ليلةٍ هانئةٍ بحلمٍ أستعيدُ فيه وجودي؛
هذيانٌ يهزمُ الواقع، وخيالٌ جبارٌ.. عنيد.
أروي عطشي، وأُشبعُ جوعي،
أبسطُ جناحيَّ حتى أطرافِ مداهما..
أعومُ.. وأعومُ، ولا أغرقُ مهما استطالَ المحيط،
ومهما غارت أعماقُه،
ومهما توهّجَ القمر..
وضاعَ الكيانُ في غمرة المدِّ والجزر.
آهٍ يا عصفوري..
كم أنتَ كروانٌ باذخُ البهاء،
وكم لكَ من قلمٍ صيغَ من ذهبٍ خام!
يا مَن يضطرمُ صدري بلهيبه؛
علمني يا أمير.. علمني صنعةَ القلم.
خُذني ابنةً تحتَ ذراعيك، أو طالبةً أضناها السَّهر،
أو حتى جاريةً لا تبتغي فضةً ولا مالاً..
أحتاجُكَ من أغوارِ صميمي؛ فكن لي أباً، معلماً، أو سيداً أعلى.
كن ما تشاء.. فشمعتي رهينةٌ لنارك.. ولسناك.
يا أميري..
تتمردُ عليَّ حروفي؛ عاصيةٌ.. عاصية،
والمشاعرُ طوفانٌ يربو على احتمالي.
تنينٌ استحالَ ترويضُه.. واستعصت مُعاشرتُه،
وعقلي كأسٌ من زجاجٍ هشّ.. لا يعكسُ إلا هَوجَ التنين،
ونفثَهُ من الدخانِ والبارود..
لا يعكسُ إلا عينيهِ الخضراوينِ المفترستين.
إنّ الفكرةَ نبتة،
لكنني أنسى دوماً أينَ أودعتُ بذوري؛
أنسى أقاليمي، حدائقي، والمزارع..
أنسى غايتي من الحبرِ والريشة،
بل وأنسى حقيقةَ فنائي.
ولكنني.. وعلى الدوام..
أحضرُ عروضَ الأبجديةِ الراقصة،
أحتسي القيثارةَ حتى الثمالة،
أُفرطُ في الهوى..
ولا يشغلني.. إلا ما يشغلني.
يمرُّ العمر.. وتتبدلُ الفصولُ من شتاءٍ لصيف،
والأوراقُ من ذبولٍ إلى رواء.. ومن موتٍ إلى خلود.
أما أنا.. ففي شرفةِ الإسكندريةِ حيةٌ أُرزق؛
أرعى نفسي بنفسي،
أصوغُ كلماتي الرضيعة، وأتقرفصُ في حضرةِ الصبر.
أتساءلُ فقط: متى يحينُ الإفراج؟
متى أستردُّ حقَّ الإرادة..
فأفتحُ القفصَ لحمامتي المشردة؟
طيري بسلامٍ يا مخلوقتي الكسيرة.. يا حبيبتي العزيزة،
لكِ مدائنُ العالمِ بأسرها، ولكِ الأمان.
لكِ حقُّ التعششِ في الصدورِ والنفوس؛
قشةً تلو قشة.. ترفعينَ عُشَّكِ في ممالكِ الروح،
في الجداولِ والأدغال.. في الجنوبِ كما الشمال.
ما يشتهيهِ جسدُكِ الغضُّ هو لكِ..
استحققتِ المقامَ؛ وها هو يمدُّ لكِ يديه،
فعيشي وانعمي بالخيرِ والجمال.
لن تُحرمي بعدَ الآن، ولن تخافي أبداً؛
يقبّلُكِ اللوزُ والخُزامى..
ويحتضنُكِ الغيمُ، يضمُّكِ إلى مرجانِ السماء.
أنتِ خادمةُ النجمةِ العظمى؛
أخلصتِ لها فتعذبتِ..
وهي أمُّكِ الحنون.. تمسحُ عن وجنتيكِ الدموع.
ما ماتَ إخناتونُ فينا.
(ما مات إخناتون فينا)
أيار ٢٠٢٦
أشهدُ على عينٍ في جُحرِ عقلي،
وعلى النيرانِ في دهاليزِ المرجان.
السماءُ البيضاءُ.. الشاسعةُ.. اللامحدودة،
تلاحقني بعتابِها المُسترسل:
"ما بهاؤكِ إلا جشعٌ محمومٌ للكمال،
كمجنونِ النرجس..
غارقةٌ أنتِ في فتنةِ الانعكاس؛
في صفحةِ الماء،
في زجاجِ المرايا،
وفي تواترِ الأذهان.
نبشتِ ترابَ التاريخ،
سبرتِ غورَ الآدابِ والملاحمِ والحروب..
تتوهمين أن العقلَ جسرُكِ نحو الخلود،
وأن الثقافةَ يدٌ ستنتشلكِ من عاديتِكِ
نحو عُلاً.. لا يبلغُ سقفاً أو نهاية.
تسهرين الليالي، تُطاردين الفكرة،
يغتالكِ القلمُ وتغتالينه..
صراعٌ مَحتدمٌ تخرجين منه خاسرةً تارةً،
ومنتصرةً تارةً أخرى..
حين تفيضُ منكِ نشوةُ الروحِ وتهتفينَ:
(كتبتُها.. كتبتُها!)
ولكنكِ يا ابنةَ حواء..
لستِ في البدءِ والمنتهى إلا ابنةً لحواء.
مصيرُكِ مَخطوطٌ في قَصصِها الأولى؛
سواء كنتِ فلاحةً تبذرُ الأرضَ،
أو أميرةً نائمةً في القصور..
سواء كُتبت حكايتُكِ.. أو بقيت طيَّ الكتمان.
مات "تولستوي" وهو ينتحبُ سؤالاً بلا جواب:
(لكن الفلاحين.. كيف يموت الفلاحون؟)
ويموتُ الفلسطينيون على ثرى أرضِهم،
يولدون ويغادرون..
ولم يذوقوا طعمَ الحريةِ منذ الأزل.
سقطت التفاحةُ من الشجرةِ أم لم تسقط،
خاتمتها واحدة؛
سواء سلكت طريقَ الذبولِ تحت الظل،
أو عُرضت للبيعِ في زهوِ الأسواق.
لستِ شيئاً يا ابنةَ حواء، ولن تكوني..
مهما اتسعَ علمُكِ، أو خَلقت يداكِ،
مهما تجاهلتِ نعيقَ البومِ وفحيحَ الأفاعي،
مهما غضضتِ الطرفَ عن سوادِ الغربان،
وعن العواصفِ الرعديةِ التي تضربُ جدرانَ الغرفة،
منبئةً باقترابِ الساعة.
تهبُّ الريح..
تغسلُ الآثار،
وتجففُ الدموعَ المصبوغةَ بحِنَّاءِ الأجداد.
الريحُ العاتيةُ ذاتُها.. تمحوكِ.. تفنيكِ..
فلا قوةَ لصراخِك،
ولا فعلَ لثورانِكِ أو انهيارِك.
مثلكِ كمثلِ تلك التفاحة؛
سيّان لدى الوجودِ إن أسعدتِ طفلةً يوماً أم لا.
ومثلكِ كمثلِ الشهيدةِ الفلسطينية؛
ضحايا لخيانةٍ كونيةٍ لا يدَ لكِ فيها.
ومثلكِ.. كمثلِ ذلك الكاتبِ الروسيّ العظيم؛
مهما بلغت ذروةَ بيانِك،
ومهما خلّدَ الحبرُ اسمَكِ..
لن تسعدي يوماً."
...
أرتدي معطفَ القطبِ الشمالي،
وألتحفُ قميصَ الغيمِ الأسود،
أرسمُ العيونَ.. كلَّ العيون..
البحريةَ، والقمريةَ، وحباتِ اللؤلؤِ والدراق.
أسامرُ قريني ويسامرني،
يغمرني بالحياةِ كما الرمادِ.. وكما التراب،
وألفتُ موتي كألفتي لأنفاسي؛
الشهيقِ والزفيرِ.. والنبضِ المستقرِ.. والمضطرب.
فيا سمائي ويا مُعذبتي..
رفقاً بعُنقي.. بوهني.. بياسمني،
رفقاً بهوايَ.. وباليمامة.
...
مِن شجرةٍ لِأخرى تتنقلُ الفراشة،
تُحلّقُ كعادتِها.. بجنونِها الخلاب،
مترعرعةً في حِضنِ الحدائق،
تَعشقُ الزهرَ.. وتنفضُ عنها الديدان.
وأنا.. صدري اليومَ فراشة،
جَناحي وَلِهٌ طائشٌ مِن وَلَفي،
لا أسمعُ ولا أتكلم..
أُثرثرُ ولا أقول،
وأقولُ فلا أُسمَع.
وعلى شرفاتي أنتظر..
وحدي عند الشباك،
وعلى الأبوابِ أنتظر.
...
النَّصرُ لي.. وللجميعِ الانكسار،
أحملُ سيفاً ودرعاً من حديد،
لن تبكي أوراقي الليلة.. ولن تنامَ بعد الآن طفلةً رضيعة.
النَّصرُ لي وحدي.. والخيبةُ لكم جميعاً،
لِتغرقوا في زُرقتِكم.. فلن أبالي،
أوراقي مُتوَّجةٌ بالياقوتِ وبالضياء..
أوراقي علياء،
عدساتٌ صافية ونهرٌ أصفى،
تحملُ في جسدها جِناني، بيدائي وغاباتي..
تحملُ صيفي وشتائي،
دمعي ودمي وآهاتي،
تحملُ روحي وأطيافي..
مَملَكَةٌ من الجنياتِ والأقزام،
وأرانبُ تَشدو، وغيلانٌ راقصة،
كمانٌ ونايٌ من غابرِ الأزمان..
أوراقي لا يحدُّها حدٌّ ولا مَواقعُ النجمات،
لَستِ أنتِ يا سماءُ، ولا براكينُ الأراضي،
أوراقي حُرَّة.. لا فرقَ عندها بينَ تابوتٍ وفراش.
وأخافُ موتي.. كخوفي من أنفاسي..
فرفقاً بي يا بيدائي.. ويا أوحشَ الغاباتِ،
العمرُ لحظةٌ.. وعمري قد فلتَ من يدي،
يُحلّقُ كومضةِ برقٍ نحو بعيدٍ.. لا أعرفُ عنه سوى كلمة.
قيلَ: بَعيدُنا أسود..
أسودٌ.. مَخمورٌ في سوادِه،
كعباءةِ راهبةٍ.. كَوَبَرِ ذِئابٍ..
كظلمةِ الجفون.
...
ألمحُها في السابعِ من كلِّ شهرٍ..
أُبصرُها ورأسي غافٍ على الوسادة،
تظهرُ دوماً مع سطوعِ القمرِ.. وغناءِ الجنادب،
(تجلي وباني.. عليكِ الأمان)
وعبثاً أبتسمُ لها.. عبثاً تسترخي في رجائِها عيناي،
تعاتبُها.. تُغازلُها.. وتَهِيم.
أُدركُ عصيانَ مطلبي..
وحبيبتي لا أرتجيها من أحد،
حبيبتي لم أفقدها يوماً.. لأخسرَها الآن،
تضُمُّني لِكيانها.. ولا أسأل،
وتَركضُ بي الأفلاكُ كالمهووسةِ.. فأُسَايِرُها.
حبيبتي لا أطلبُها من أحد..
موميائي سأعتقِها قريباً من بين عظامي..
لِتسمعَ نبضي المخبوء.. لِتقرأَ فنجاني،
فلا برزخَ الليلةَ بين الشَّبَحِ واللحم..
فمَن ذا الذي يفصلُ بين عاشقَين؟
ومَن ذا الذي يَجرؤُ على إعلانِ الحرب؟
...
من خريفٍ إلى خريف..
أهذي بلا استقرار.. أترنّحُ في مهبِّ الطَّرَبِ،
يخترقني لثوانٍ.. ويهجرني لسنوات.
أترى تذكرينَ يا "أنا" مَن أكون؟
مَن تكونُ أمي؟ وأينَ يقعُ الدارُ..
مسقطُ أوهامي الدافئة وحقيقتي الوحيدة؟
سأنسى.. سأنسى أنَّا ما فاتَ من الشَّريط،
وعلى المدرجِ الطويلِ سأخطو خطواتي البِكر..
والشمسُ تشرقُ أمامي.. أظنُّها تُحبُّني.
أظنُّني عبرتُ إلى الجنة..
أتحسّسُ الربيعَ وهو يزهرُ في قوقعتي،
ألفٌ.. باءٌ.. ومن أولِ السطرِ نَبدأ.
(في مَهبِّ الطَّرَب)
أيار ٢٠٢٦
يعيشُ الورّاقون بنصفِ قلبٍ على جَسدِ "جَب"،
والنصفُ الآخرُ مُعلّقٌ بينَ حضنِ "نوت"؛
تُنيرُه شمسٌ في عينِ حورسَ اليُمنى،
ويجلوه قمرٌ في عينِه اليُسرى.
…
حبيبتي..
تكتبُ رسائلها وقتما تشاء،
تكتبُ إليّ باستمرار..
عَن شِتائِها الغَريبِ في باريس،
عَن بَريقِ المياهِ في نَهرِ السّينِ البارِد..
وَعَن طَبيعَةِ الرِّيحِ الَّتي تُحيطُ بِها مِن كُلِّ جانِب.
عن شابٍ هامَ في غرامها..
وَآخَرَ راقَصَتهُ حتى مطلع الفجر،
عن شوقِها تكتب..
عن وجدٍ يقتلها، وفرحةٍ تغمرها،
عن بجعةٍ ونمر، عن الكرزِ والليمون،
عن حكايا قاهرتها الثرية، وعن رمالِ "دهب" السحرية.
تكتبُ عن ليلةٍ لم تغفُ لها جفنان،
وعن ليلةٍ عاث فيها الجنون وعربد بشراسة..
عن مأدبةِ طعام، عن سوءِ تفاهمٍ بسيط،
تكتبُ عن عشقِها للأحمر الداكن،
عن شغفها بالفنون الاوروبية،
عن قطةٍ تبنتها، وعن كلبٍ ألمانيٍّ ذكرها بوالدها..
عن ذكرياتِ طفولتِها تكتب، وعن أغوار الأحلام.
تجرّدني من نفسي... وتسكن روحي جسدها،
جسدَها أينما كانَ على الخارطة،
والكمانُ الأخضرُ في صدري يعزف ألحاناً... ألحاناً.
تضمني إليها.. فأكادُ أسمعُ جريانَ دمِها، أسمعُ الوريدَ ينبضُ بخفةٍ مذهلة.
كالطفلةِ أركضُ مرحاً خلفها في حقول الخزامى..
وهي تناديني.. تهطلُ عليَّ بغيماتِها الماطرة، وبنسيمِها الهادي الأليف.
تُحضرُ لي باقةَ زهورٍ.. ونشيداً نقياً،
تتمايلُ على أوتاري.. بينما أطيافها البيضاء والزرقاء
تطفو من حولي كقناديل البحر الفتية.
تهديني قلباً.. تهديني عتاباً،
قبلةً وخصاماً.. تهديني يوماً وفكراً ولهيباً..
تهديني ما تهديه..
تُقلّبني بين نقيضٍ ونقيض..
فتارةً تجعلني حملاً وديعاً
ينامُ بسلامٍ على حجرها،
وتارةً ثوراً هائجاً،
يحاربُ الانتقامَ.. غارقاً في غضبه،
ومرةً عصفورةً مبللةً.. ومرةً فراشةً مذعورة.
تجعلُ مني ابنتَها الصغيرة.. وجدّتَها العجوز،
تخبرني بأني من وحي خيالِها، وبأني في الأصلِ جنيةٌ بحرية..
في البدء، كنت دميتَها الحورية،
والآن، بعد أن نُفِخَ فيَّ الروحُ، بات بمقدوري أن أحاورها..
هي السيدةُ.. وأنا الخادمُ المهرج.. أنا الوزير المطيع.
…
يا حبيبتي..
ها أنا ذا أُصارعُ لأكتبَ إليكِ..
ورقتي الثانية عشرة بعد المئة.
علميني يا سيدتي..
يا ملكةَ مصرَ العليا والسفلى،
كيف يحبُّ المرءُ وكيف يكتب،
كيف يَهبُ قلبَه الحكمةَ والبلاغة.. وكيف يشعر؟
كيف يصوغُ هذا الحسَّ الماورائيَّ العجيب،
كإحساسِ الروحِ تحت طربِ العندليب،
وظلالِ فيروز، والست، وداليدا.
كإحساسِ الروح في عتمةِ الليل..
واجفةً بين الحلم والحقيقة،
بين الشهوةِ والحنين.
لا أكترثُ أبداً بنوع الإلهام..
سواءً كان ملاكاً إيطالياً،
أبيضَ الجناحين..
لا يعرفُ خيراً ولا شراً.
أو كان قمريّاً إغريقيّاً..
من عطايا ربّات الشعر التسع،
ينفخنَ من أنفاسهنّ في فمي..
فأنفضُ عني الدنيا وأغنّي،
أو يغنّينَ.. فأرقص!
أو كما وصفتِ الإلهامَ الإسباني:
"شيطانٌ قرمزيٌ كالورد..
ممزوجٌ روحيّاً مع الموت، والدم، والحبّ".
وقلتِ: الإلهام العربي ساحرةٌ كحيلة.. وخيولٌ جامحة،
جوقةٌ من الغاوياتِ يتمايلنَ عرايا في غاباتِ الشجن،
يذُبنَ في السُّكر.. ويلدنَ الناي من آهاتهنّ المنتشية.
وأنا.. أريدهم جميعاً!
فعلّميني..
اكتبي لي دوماً،
ولا تقطعي عني الوصل.
علميني البصيرة..
ثَمَّ عينٌ في أحشائي لا بدَّ أن أفتحَها..
أن أشقَّ لحمي، وأنظرَ من خلالِها..
أنظرَ.. وأكون..
أفتسمحينَ لي أن أكون؟
(رسالة إلى ملكة الأرضين)
أيار ٢٠٢٦
تَبتلِعُ "نُوت" الشَّمسَ كلَّ ليلةٍ
لتَلِدَها نهاراً..
هكذا تقول الأسطورة،
وهكذا يُصدِّقُ الغزالُ النَّبيّ.
...
غزالةٌ نبيَّة..
تَجوبُ البريّةَ الخضراءَ بدفاتِرها،
تَدورُ في المتاهة،
تَعرفُ أنَّ الافتراسَ يتربّصُ خلفَ العشب،
لكنَّها تمضي وحيدةً في الليل..
غيرَ آبهةٍ بذئابٍ تعوي في رأسِها وتُغوي.
يَشهدونَ أنَّ الجُرحَ قريرُ عينٍ منها،
ولكن.. ماذا يهم؟
ليسَ العالمُ بخير..
لا فلسطينُ حرّة، ولا صدرُ بيروتَ مُطمئنّ،
مِنَ النيلِ الملوثِ.. حتى جرائمِ الحروب،
البقاعُ كلُّها تَنزف.
وماذا يرجو الغزالُ من حياةٍ لا سلامَ فيها،
واليمامُ الأبيضُ مخدوشٌ في قداسته؟
دوَّامةٌ غدَّارةٌ جُبِلَت من الجحيم،
يعششُ الخوفُ تحتَ أغصانِها،
وينامُ المرءُ فيها مُثقلاً بوهنِه.
فيها.. تُصارعُ الجنةُ بمَن تحملُ من وجود،
تُصارعُ لمجرّدِ أن تكون:
زهرةً فوَّاحة..
حبَّةَ لوزٍ تُشبهُ عينَ الحبيبة،
أو ضحكةَ طفلةٍ تَمرحُ في الفيء..
وإلا.. فليستِ الجنَّةُ بشيء!
أُبصِرُ الجحيمَ يَشتعلُ في عقلي،
صُداعٌ كونيٌّ يَفتكُ بالذاكرة،
كأنَّ الشرايينَ ضلَّت مَجراها،
أو خَللٌ أصابَ التَّكوين.
لا النَّومُ يُداويني، ولا الصحبةُ، أو الشرفات..
أهلكَني هذا الألمُ الأبديُّ وهو يَسلبُني الأبجديَّة،
ويَسرقُ من يدي المِحبَرةَ والقنينة.
وفي هذا المَحو..
تنامُ أمي مُتعبةً كعادتِها،
بقلبٍ مُفتَّتٍ كرُمَّانٍ مَسحوق،
وعقلٍ صاخبٍ ضلَّ العنوان.
وأنا.. دانيَةٌ منها،
أستمعُ لعمقِ أنفاسِها وآهاتِ جسدِها،
ويعتصرُ قلبي بلوعةِ مَن لا حِيلةَ له..
كفراشةٍ خُلِقت بلا جَناحين،
أتساءلُ عن غايةِ الخَلق،
فلا أذكرُ من حياتي سوى عذابِ أعزِّ ما أملك،
وعجزيَ التَّامِ عن إنقاذِ أيِّ شيء.
ولكن.. مِمَّ خوفي؟
سأفرشُ أنا أوراقي..
أُدوِّنُ عبثي.. أُدوِّنُ مأساتي،
وأتخيّلُ أنَّ الدنيا تَتَّسعُ لمحيطيَ الهائجِ والخامد.
وإن حَدثَ وعشتُ اللحظة..
فسأكتبُ، وآكلُ، وأرقصُ على أنغامِ الموسيقى،
وماذا يفعلُ الإنسانُ غيرَ ذلك؟
آهٍ من "السيستروم" و"الهارب"..
آهٍ من وقعِهما.. أصلِ الحياةِ فينا!
يا "نُوت".. بارِكي الراقصةَ الريفيّة،
فمِن تُرابِكِ وُلِدت،
ومِن سعفِ النَّخيلِ غُزِلَ قَدَرُها.
لولاها.. ما عَرَفَ الفؤادُ مَعنى البَهاء،
ولا تَنَعَّمتِ الأجسادُ والأرواحُ مَعاً.
هي الحُسنُ إذا تَجلَّى،
وهي العِشقُ إذا تَنَسَّم..
أحِبِّيها يا نُوت.
وسلامٌ على الخِفافِ العابرينَ في أَثَرِها،
عُراةً من السَّيفِ والتّبَعِيّة.
تَزرعُ أرضَها حُبّاً، غِناءً ورَقصاً،
وتَضمُّ الجهاتِ الأربعَ
بإيمانِ غزالٍ.. نبيّ.
((الغزال - النبي
أيار ٢٠٢٦
أتراكُم ترونَ ما أرى؟
أتراكُم تلمسون ما أشعر؟
هذا القمرُ الأحمرُ ليسَ عابراً.. ليسَ عادياً،
إنهُ قوّةٌ فتّانةٌ تفوحُ بالغُربةِ والوَجَف،
أبصِروه.. تأمّلوه.. إنه الشيطانُ في صورةِ صخرة،
مَغمورٌ بالدّمِ واللهَبِ والدموع،
مُشِعٌّ بروحٍ بدائية.. متوحشةٍ ودافئةٍ في آنٍ معاً.
القمرُ الأحمر...
ما فَقِهتُ وَجسَهُ يوماً.. ولا غَفَت لي تحتَهُ جفون،
لم أفهم ارتعاشةَ قلبي في جلالِ حضورِه..
لم أدرك مُرادَهُ، ولم أبلغ أغوارَه.
أهيَ عينا خالتي البِكر؟
إنّي أذكرهما صميماً.. دوناً عن غيرهما،
محفوظتانِ في أعماقي.. متبلورتين..
عيناها البنيّتانِ المهيبتان..
بلمعتِهما القرمزية.. وطاقتِهما الكهرومغناطيسية..
دوامةٌ هما.. وريبةٌ لا تحدُّها حدود.
لم أفهمهما يوماً.. وعجزتُ عن قراءتِهما،
عيناها لا تمنحانِ الوضوح..
لا تتألفانِ مهما طالتِ العِشرةُ والسنين،
ملتحفتانِ بالأسرار.. وبالستائرِ المعتمة،
لستُ أدري.. أأمنحُهما التصديق؟
أأطمئنُ إليهما وأُسلِّمُ قلبي المسحور؟
أم تراهُ يعودُ مجروحاً..
يتركانِهِ خلفَهما كقطةٍ شريدةٍ مكسورة؟
نهرٌ من الغموضِ لا قرارَ له.
كلاهما.. خالتي والقمرُ الغارقُ في الحُمرة،
يقفانِ بعيداً وقفةَ قصرٍ شامخِ القوطية،
والغِربانُ تحومُ.. والغيومُ ترعدُ بصخبٍ حاد،
يرقُبانِ في صمتٍ مُطلق.. دونَ أن ينطِقا،
يرقُبانِ بدقةٍ ثاقبة.. يبعثانِ الهواجس..
يتخللانِ لأعماقِ الوريدِ.. لأعماقِ الوجود،
ارتباكٌ باطنٌ هامس.. مُقلقٌ ومُبهم،
يسلبُ المرءَ تركيزَهُ وحِكمتَه...
وتبدو الرمانةُ أمامي كجمجمةٍ ستبتلعُني،
وأينَ أُحيلُ بنظري؟
يحيطانِ بجهاتي الأربع..
تحتَ قدميَّ وأعلى الرأس.
لا مفرَّ من حُمرتِهما الطاغية.. لا مفرَّ من العذاب..
هذهِ الحالةُ الكونيةُ الكابوسية.
ولا يختلفُ الاثنانِ إلا في أنني أنظرُ للخالة،
ولا أقدِرُ على مدِّ رقبتي لتراهُ عيناي طويلاً..
القمرُ الأحمرُ..
أخافُ منهُ عليهما.. وأخافُ على فؤادي المسكين،
والروحِ القابعةِ كالدُّرَّةِ في محارتِها الباردة.
في رسالةٍ عبثيةٍ عزيزة،
كتبت لي مرةً راقصةٌ غجرية:
"إنّ روحَكِ زرقاء..
تماماً كالطفلةِ في عرضِ الباليه..
حائرةٌ أنتِ..
تمتزجُ في نواتكِ الفوضى بالهدوء،
فلا ثورتُكِ تندلعُ، ولا روعُكِ يصفو...
لا تشتعلينَ.. ولا ترسو لكِ سفينة،
يا لَكِ من بجعةٍ بائسة!"
أتأَمَّلُ تِلكَ الزُّرقَة..
روحي البَجَعيَّةَ الحَزينة
كم اعتادت بُطءَ الوتيرة!
يُنفخ النّاي بأخفّ رِقّة ممكنة،
والمسافات شاسعة بين نغمة بيانو وأخرى،
وعقلي مفرط في هذيانِه..
وتجتاحني المشاعر كلّها؛ نشوةٌ وشوقٌ ووَجد،
غير أنّ الجسد ساكن.. والفم مكتوم.
لا أعرف كيف للإنسان أن يكون في موقفٍ كهذا،
مَن ينتشلني ويثور نيابةً عنّي؟
مَن يهزم هذا المستعمر الأجنبيّ.. القمر الأحمر.
يا فؤادي.. ليس على هذه الساحة فرسانٌ سوانا،
سواء أكنّا فرسانًا أم لم نكن..
نحن الوجود الوحيد في صحراء هذا الكون:
"لتنصهر في ضيائه يا فؤادي..
ما عدتَ ذاك الغزال الصغير،
صارع لتفهم..
عُمرك واحدٌ، وإهدارُ الليلِ في الظلامِ خسارة،
مِن حقّك أن تُسبرَ مَن يُسبرك..
فافتح عينيك أرجوك،
لا تتركني اهيمُ وأضيع فيه ولا أعود".
يؤرقني أنه لا يتجلّى في الأحلام،
أغفو على وسادتي.. فأسافر الكونَ
من أوج فضائه إلى قاع بحاره،
ولم أُبصِر أيَّ صخور يزيّنها شعاع الشمس،
لا في الفيافي العشبية، ولا عبر نوافذ الجنان الزهرية.
المأساة أننا مواطنانِ في الوطن الإنسان،
حيث ينسكب المجهول جنوناً،
ويجلب عشقنا الدفين ليلتهم مخاوفنا..
ذاك الأرنب الذعور في حفرته العميقة.
هالة ضبابية من الانجذاب..
وأمشي خلف القمر أميالاً وأميال:
"لبيك يا سيدي لبيك".
ولكن.. هل أجرؤ على محادثته؟ على مراسلته أو مناجاته؟
إنني في المقام الأول لا أملكُ أيّةَ حروفٍ لأقدّمها،
لا مدّ يحملني ولا جزر يحرّك سواكن أبجديّتي،
لا شيء يشُدّ عضدي في هذا الفراغ.
كل أعضائي تسرع إلى خيانتي،
لأبقى بمفردي في المتاهة،
وحدي أُعافرُ لفكِّ شفرةَ لغزي.
ما الكلماتُ إلا قلائدُ لؤلؤٍ ننثرها في الريح..
في الخَواء المتموّج الهزيل،
الكلماتُ رسومٌ بشريةٌ قاصرة..
لا تفقه رجفتي، ولا تدرك حنيني وولهي،
لا تلمس ما يختلج في الكبد.. في الأحشاء.
عاجزةٌ تمامًا عن استيعاب معضلتي،
وعن ملامسة قضيتي والإحساس بلونها وشكلها وملمسها.
اللغة لا تدرك برزخ التناقض بين الجنةِ والغول.. بين الخيالِ والثلج،
لا تعي هديرهما، خواطرهما وغديرهما،
جاهلةٌ بارتباطهما بالشجن وزهر الجوري.
فكيف لها أن تصوغَ ما يعجز الإنسانُ نفسُه عن صياغته؟
إنَّ اللغةَ محضُ ثقافة،
والإنسانُ هو جذرُ الثقافاتِ كلِّها،
ومِن ثَمَّ.. فإنَّ كائنًا بلا حروفٍ هو كائنٌ عَدَميّ،
يقتصرُ وجودُه على لحظةٍ مجرَّدة..
خاليةٍ من الذكرى، والإيمانِ، واليقين.
إنَّ الوجودَ في جوهرِه أرحبُ من الثقافةِ وأعمقُ من أصلِها،
إنه معضلةُ الإنسانِ الأزلية،
حيثُ الكينونةُ والأبجديةُ.. خَطَّانِ قلَّما يلتقيان.
آهٍ من غواية الخسوف..
ومِن تلك الحُمرة الزائرةِ من حينٍ لحين،
كم أتعرّى في حضرتها من كل هويّةٍ انتحلتني أو انتحلتُها!
كم أنا نشيدٌ تائهٌ ومبعثر،
لا اسمَ أعرفه لنفسي.. ولا زفرةٍ أذكرها،
نُطفةٌ منسيّةٌ، سابحةٍ في سواد اللامحدود.
غيرَ أنّ القمرَ يظلُّ دومًا قمراً،
عاصَرَ ملايينَ السنين والقرونِ دون أن يتغيّر،
تتبدّلُ الأرضُ، تفنى وتُولدُ الكائنات،
وهو باقٍ في صمته صامداً بلا شريك،
لا تعوزُه أرضٌ، ولا شجرةٌ، ولا فراشةٌ تؤنسُ خلوتَهُ..
ولا يطلبُ منّا حبًّا أو صلحًا..
بينما نحنُ مَن نرجو منه الأمانَ ونستجدي الضياء..
كي يحفظَ للمياهِ مدَّها وجزرَها،
ويهبَ الإناثَ خصوبَتهنّ المعلّقة بدورته،
لتستمرَّ الحياةُ بالتدفّق على هذا الكوكبِ الهزيلِ المُستبَاح.
من مادّةِ القمرِ الأولى وُلِدنا جميعًا،
ولولا رَحِمُه.. لما انبعثت البشريّةُ،
ولا كان للشِّعرِ والموسيقى والشهوةِ.. هذا اللسانُ المؤنّث.
لذا..
اخترتُ أن أستسلم،
أن أهبَ كليّتي للساحر القمر،
استسلام العارفين الذي لا رجوع بعده،
وليجرّدني كما شاء..
يسرقني، ينتزعني من نسيجي، أو يذيقني لوعة الفناء..
فما الاتحاد به إلا التحامٌ بالمدى الكوني،
وبكوامن الوجود في أصفى صُوَرِها.
جوهر الكينونة أن نتحلّل في العشق،
أن نستجيب للجاذبية السفلية.. وللطاعة المطلقة؛
حيث لا أبجديةَ.. ولا ذاتَ.. لا مِصرَ ولا إسكندرية.
ليرقد كل شيء في الموت حتى تستيقظ الحقيقة،
ويستنير العقل الطارق ويبصر الفؤاد،
ويبرقَ ذلك النورُ في دهاليز الأجساد اللحمية والنباتية.
ذاك هو الدرب الأوحد للحرية العصيّة..
وكما تغوي الندّاهة، تغوي الأكوان،
وتومئ الأجرام والكائنات والأشياء:
مزرعة بندق..
وعواءٌ منسابٌ لقطيع ثعالب،
أو قمرٌ مهيبٌ، يتغرّب في حُمرةٍ جبّارة.
(القمر الأحمر)
أيار ٢٠٢٦
الدنيا ميراثٌ للأحياءِ فقط،
وليست لكَ يا ابنَ آدمَ الميت..
الدنيا لمن يجيدون الرقصَ على أهوائها،
كطيرِ النحامِ في ربيعه.. وكالببغاء،
لمن يتآلفونَ فيها بروحٍ بَحريةٍ نَبيلة،
ووهجٍ بدائيٍّ خالص..
لمن تغمرهم دهشةُ البداياتِ دوماً،
مهما طالَ العمرُ وابيضَّ شَعرُ الرأس.
فإما أن تجري الحياةُ ملءَ جسدكَ حمّىً واندفاعاً..
أو أنكَ لستَ سوى دفينٍ، ينتظرُ التراب.
…
ماذا أقول؟!
إنه غيثٌ من الجمالِ الفريد،
وحقلٌ خصبٌ حدّ الخيال..
مفعمٌ بغزارةٍ شديدة،
وفيه سحرٌ من دنيا العجائب؛
سحرٌ آسرٌ من البريةِ الغريزية..
مزيجٌ من أروع الكائنات:
جسدٌ فهديّ، ونظرةُ نمرٍ ثائرٍ
في هدوءٍ حليم..
رقةُ بجعٍ ولهان، وخفةُ يمامةٍ بيضاء..
كبرياءُ عُقابٍ، وزهوُ طاووسٍ مَلكي.
ملتحمٌ يتناغم مع روحِهِ الشتائية والصحراوية؛
بطلٌ وديعٌ في ملحمته.. جامحٌ في سكونه..
تتأملهُ السماءُ وتشهد: "ابني العظيم".
يا أيها الشبق المتصل مع الموسيقى قلباً ونسيجاً،
أيتها النظرة المشرقة.. المستشرقة،
كيف لنا أن نعرف الراقصَ من النغمةِ
من الأنا؟
…
لقد أعطيتُ كلي.. سكبتُ كلي..
وتدفقتُ حتى تسرّبتُ مني..
أتساقطُ كالمطرِ.. زخاتٍ زخات،
أتساقطُ، ولا أريدُ لهذه النشوةِ من نهاية.
يا موطني،
ما دامَ بيتُكَ أخضرَ…
تبقى السَّماءُ بيضاء،
ويبقى الأطفالُ يماماً للسلام.
لم يبقَ في العُبِّ كلمة..
لم يبقَ لي من نَفَسي.. شهقة..
وماذا أريدُ؟!
إنه أسطورةٌ فينيقيةٌ عذبة،
فليحيَ الأحياءُ.. ولأمُت أنا،
بنتُ آدمَ الميتة.
لا تطالبوني بأن أمزّق كل الأقنعة،
بأن أخطَ حقيقتي..
أُشيعها كما يشيعها راقصُ الباليه،
بأن أكونَ كما يكونُ.. كما يكونون!
تريدونَ أن تنتزعوا منيّ أقلامي التسعة،
تريدونَ سلبي أكاذيبي وأبوابي وسوري العظيم..
ولكن، عما تبحثون؟..
وعلامَ تطالبونني بالوضوح؟
(راقص الباليه)
أيار ٢٠٢٦
قبل اقتحامكِ يا حبيبتي،
كنتُ أؤمنُ بالمادةِ وبالجسد،
ولا أفهمُ دوماً ما يختلجُ خلفَ العظام،
أو ما يدورُ ويجري في الوريد..
ولكنكِ جئتِ كفرسٍ من سابعِ الدنيا،
وعلّمتني ما لم أكن أعلم..
وقبلةٌ واحدةٌ منكِ.. كانت كافية.
تعلمتُ كيف أراقصُ الضياءَ الأحمرَ اللامع،
كيف أغفو على أوتاره.. فلا يجتاحني الليل،
تعلمتُ الاستحمامَ في زنابقِ التوليب،
وكيف أهيمُ وأعيشُ بين الغيمات،
أمشي وقدميَّ حافيتانِ طائفتانِ،
لا تلمسانِ البلاطَ أو الشارع.
كيف أغردُ مع العصافيرِ دون ملل،
وكيف أتعاملُ مع عينيكِ..
بعنادهما الصدفيِّ المتورد،
واللهبِ الهائلِ الذي يحتويانه..
ما عادَ شيءٌ يخيفني!
صوتُكِ الغريبُ والبالغُ الهشاشة،
أظنني أفهمُ نغماتِهِ..
صوتُكِ الجارحُ الغموض..
إنني لستُ جاهلةً كما قد تعتقدين.
إنني فقط أنتظرُ الحبّ،
لبّ حياةِ الأنثى وجوهرها..
ما عدتُ أتخبطُ ما بين التمرّدِ والنخبوية،
ما بين الشرقِ والغرب.. والأمسِ والغد؛
هذا لأنني عثرتُ عليكِ، وبملءِ فتوني
وبملءِ ضياعي استسلمتُ... ولن أبتعد.
لتكوني ما تكونين..
فإنني بكاملِ فؤادي وحذري لا أهتم،
إذ أريدكِ بعنادٍ أطغى من عنادِكِ،
ولن أرحلَ فارغةَ اليدينِ..
أو فارغةَ الروح.
يقظةٌ أنتِ وداكنة،
لكِ وجهٌ يشبهُ وجهَ طيرِ البومِ الجارح،
وألمسُ في عينيكِ داخلاً بنفسجيَّ العمق،
داخلاً مغموراً بجنون..
بالقلقِ والسحر.. بالعنفِ والمكرِ الخلّاب.
معكِ..
رفرفَ جناحي كما لم يرفرف من قبل،
معكِ..
عثرتُ على خريطتي العتيقةِ
إلى جنائنِ العشقِ وجنةِ القلب.
معكِ..
ألقيت بجسدي في المحيطِ الثائر،
ولم أسأل.. لم أنبس ببنتِ شفة،
إذ تجري النشوةُ في عروقي..
تشيعُ في باطني كالعدوى.. كطاعونٍ لذيذ،
كالطاعونِ المباركِ العظيم.
أحبكِ..
وكتبتكِ لي حبيبةً.. شئتِ أم أبيتِ،
واقعاً كان حبّنا أم أوهاماً يخيطُها الخيال..
إني أرتضي في حبكِ كلَّ الصورِ والأشكال.
فهل تحبينني يا سيدتي؟
وهل تسمحُ سيادتكِ.. إن طرقتُ الباب؟
(حبيبتي الشبق)
أيار ٢٠٢٦
إني لستُ حرةً كما تخالينَ نفسكِ أوقاتاً
يا أنا..
كما تتوهمينَ لوهلةٍ عند احتفالكِ مع الفلاحينَ بنضج المحصول،
أو كما تتوهمينَ لحظةَ استرخائكِ عاريةً في الجدول المائيِّ منتصفَ الليل.
يا تفاحتي ويا شقائي المُقدَّر..
إننا ذبابةٌ في علبةٍ بلاستيكية.. كئيبٌ مظهرنا وتعيسةٌ أحلامُنا..
قُبحنا مشاعٌ حدَّ الاشمئزاز.. ودنيانا ملوثةٌ غابرة..
أبصريها يا أنا، تأمليها بملء جَوارحكِ.
كانت العروبةُ لعنتَنا الأولى،
وكانَ التخبطُ فيها أبشعَ ما فيها،
اعتقدنا أن الهجرةَ ممكنة.. وأن طلبَنا للجوءِ سَيُقبل بسلام..
ولكن أين أخطأنا؟!..
قصصنا الأوراقَ جميعاً.. ولم نَقدِر،
قد فاتَ الأوان.. والتحمَ جلدنا في القوقعة،
والحنينُ طافحٌ بغزارة..
نلمه يميناً فيتسربُ يساراً..
وهل كانت في المبتدأ قضيةَ زمنٍ وسنين؟
ولمَن أشكو؟
تعرفينَ يا أنا كم سقطنا ضحايا حبٍّ للعروبةِ المضطربة..
بقلبِها الفروسيِّ.. وعُذوبةِ بسمتها،
بهجةِ ألوانِها وحريرها.. وعشقها الدفينِ للحكاية..
رؤوسها الممتلئةِ بالخيالِ والعجب،
تماماً كحباتِ رمانها الياقوتية.
وبعدكِ يا أنا كانت العروبة هي قدري،
وهل أقولُ: أشدَّ أقداري ولعناتي؟
لا بدَّ أن يشعرَ المرءُ بالحديدِ في جِيده،
حتى يفقهَ معنىً للرياحِ، وللشهوةِ والرغبةِ والحرية،
ليُعيد تركيبَ ذاته كالأحجيةِ بيديهِ وحدهما..
ويصافحَ قرينهُ الخام.. ذاكَ الذي عاشَ ينكرهُ،
ولم يصدق أنه قد يكونُ يوماً حقيقة!
ليفهمَ بعمقٍ كعمقِ خندقِ ماريانا.. ما معنى أن تُسلبَ الحرية،
ويُقيدَ الفكر.. وتورثَ المعتقداتُ اسماً وفعلاً وممارسة.
يا أنا..
نحنُ حربُنا، وموتُنا، وبعثُنا، ورسالتُنا الوحيدة،
الحريةُ هي أن تُقدَّمَ لنا ورقتنا ناصعةَ البياض،
خاليةً من نقاطهم وأسطرهم.. نرسمُ فيها ما نشاء،
لا سيفَ على أعناقنا ولا منفىً ينتظرنا،
الحريةُ هي أن لا نَخافَ فكرَنا وأجسامَنا وأصواتَنا..
الحريةُ هي أن لا نَخافَ على الإطلاق،
وأن نكتبها بأقصى وضوحٍ ممكن:
"من حقي أن أختارَ قيودي،
وأن أتحررَ من جميع قيودكم،
حرةٌ في قراءتي.. في قلمي.. في كلماتي،
من حقي أن أعرفَ حقي...
أخطُّ ذاتي وأتخذُ قراري،
أنا حرةٌ، كما نطقتها أمينة بلحمها وأعصابها.. "أنا حرة"".
باغتنا الموتُ؛
فماتَ كل ما يحيطُ بنا.. وبقينا نحنُ..
نسألُ عن الوطنِ.. عن أصلِ الشِّعر والسينما وحِزمةِ الأغاني.
يا حلمي الوردي القاطنُ في أراضي المستحيل،
أما آنَ لكَ أن تلين؟
أن تنزلَ على البلادِ نزولَ الملاكِ النبيل،
تحييها من قبورها.. تنفثُ فيها الروح،
تعتقها من عصرِ الحجارةِ والأفعى..
تعتقها من شرِ أنفسها؟
وأنا على استعدادٍ لإحراقِ كل شيءٍ من أجلك،
مستعدةٌ للتفاني في محاكاتِكَ.. لتكريسِ جهودي لقدومك،
يا حلمي الوردي..
تستحقُ أن تثورَ لأجلكَ الأعضاءُ والأحشاء،
وأن تُهدمَ كلُّ الحواجزِ.. وتُقترفَ المذابح..
أنا التي تدوخها قطرةُ دمٍ،
وتقتلها شهيدةٌ فوقَ ترابها...
أهديكَ نفسي البالية وحنجرتي الصماء.
أنا وأنا خسوفٌ من الهذيانِ.. ومن الوجس،
وكسوفٌ من ملاحِمَ حمراء،
فيها مِنَ العشقِ ما يُصهرُ ألفَ إنسانٍ وطائرَ طوقان،
ومِنَ الرجفةِ ما يزلزلُ مدينتين ومزرعتين وهرماً مصرياً في ريعانِ شبابه،
ومن اللهفةِ ما يجذبُ هلاكي،
مُدَّ فقط أنتَ يديكَ وسنُحدثُ أمراً.
إنني على بيّنةٍ من أمري؛
كم يحلو لي الهرجُ أحياناً،
وأهوى دورَ المهرجِ الهزلي..
أتوارى في كُلِّيَّةِ التماهي.. لئلاّ أَبُوحَ بكلمةٍ،
وأزهو ربيعاً بضحكاتِ الغرباء.
وعلى بينةٍ أكبر بضجركِ يا أنا من حركاتي،
ونزوعكِ لشيءٍ من الجديةِ على المسرح.
ولكن، عما سلفَ وَدَان،
بماذا تطلبين؟
أصدَّقتِ بأننا متعلمون؟
بأننا قد ننتمي لمجالس النبلاء، مترفعينَ عن حياةِ التشرد؟
أصدَّقتِ فينا النخبوية؟
بلاطَ القصورِ عن رصيفِ الشارع؟
لا يا أنا.. لم نطلب يوماً الثراء،
ولم نتمنَّها يوماً.. الأرستقراطية.
لا تنسَي أن لساننا مجروحٌ.. ضعيفٌ.. ومجنون،
فإما أن تَهَبي الطفلةَ بعضاً من القهقهة،
أو فلا داعي للوجود.
وليسخرِ الساخرونَ كما يشتهون،
لا نُخبِّئ شيئاً خلفَ الأبواب..
هذا كلُّ ما نملك:
شذراتُ حروفٍ.. وجسدٌ صامت.
(تفاحتي.. وشقائي المُقدَّر)
أيار ٢٠٢٦
أهطلُ كرقصةِ "الشرفةِ"
فوقَ أحضانِ اللوتسِ.. وأغفو،
ومعي طيفُ حبيبي وحشرةُ دانتيل.
جسدٌ معذبٌ بقصةِ حبٍّ مستحيلة،
مغلولٌ بعاطفةٍ تفوقُ احتماله..
ولهٌ ووجدٌ باردان، وزرقةٌ منهمرةٌ جياشة،
تتسربُ سيلاً واندفاعاً ولا تنتهي،
موسيقاها متصاعدة..
وحركاتها.. فيها شيءٌ من الأحلام،
من الاحتفاليةِ العزائية.. من التناغم المطلق.
أتراكَ يا حبيبي كما أراكَ هنا بجانبي؟
إن الحبَّ يتحدى الموت.. كليوباترا وقيصر،
وحده الفارسُ الذي يرفعُ السيف،
ويعلنُ الحربَ مهما كان.. يعلنُ الصراعَ المحتدم..
يا حبيبي الطافيَ في الهواء،
محفوظٌ أنتَ في قلبي أرعاك،
مُخلدٌ ومغناةٌ حياتك..
مرتبطٌ جسدي بجسدك..
لا يحدّنا طينٌ أو عظام..
أيها الملاكُ الحارس..
اغفر لي خطاياي، واغفر لي أحزاني.
…
حبيبي..
له جسدٌ ممتلئٌ بالإوز.. طافحٌ بزهورِ الهندباء،
جسدٌ حافلٌ بأرهف الأغنيات..
جنياتٌ قمرية، وعرائسُ بحرٍ ملائكية،
يرقصنَ برقةٍ شبقيةٍ.. وبمنتهى الروحِ فيهن،
يتمايلنَ بخفةٍ.. طريةٌ أجسادُهن ومُنيرة،
ناعمةٌ كالحريرِ.. عذبةٌ كالدراقِ والنسيم.
حبيبي..
يتلبسني دوماً ببجعهِ الأبيض، بمالكه الحزين،
بالبردي وياسنت الماء..
يغسلني في نيله المقدس.. في نيلنا العظيم.
وها أنا أخسرُ واقعي مجدداً،
أحبو في سريري خلفَ خياله الهادئ،
أتماهى مع النوم.. أتماهى مع اليقظة،
وأسرحُ في ذكرى عينيه الحلوتين.. الحلوتين،
في ذكرى سقوطي للمرة الأولى،
ضحيةً في أخاديدِ عسلهما.. في بنِّهما الملتهب،
كم جاهدتُ للتأثرِ بحديثه في المقهى،
أدّعي حزني على تمثاله الإيطالي الملطخ بالفيروز..
وعلى أوراقه التي بللها المطرُ.. وخانها الحِبرُ الضعيف،
على قهوته التي سئمَ البحثَ لها عن فنجانٍ يناسبها.
وفي لحظة..
أجدني اتركه خلفي.. غيرَ آبهةٍ بقلبه الصغير،
أقتحمُ خلسةً نافذته.. أكسرُ الزجاج،
وأركضُ كمجنونِ ليلى بين الغاباتِ والظلال،
أرقصُ والتيمُ يُسكبُ في رأسي ويفيض،
أرقصُ بعنفٍ هائمٍ في باطنه
مع جنياته.. ومع العرائس،
تتوسّطنا شعلةُ النارِ والحطب،
ومن ثمَّ أسبقهنَّ إليه..
أقبّلُ عينيه.
وداعاً أيها الحبيبُ المصطفى،
أيها الفرسُ السماويُّ الطاهر.
لكَ صدرٌ مكتنزٌ كاللوز،
أشبهُ بالمدفأة.. مدفأةٍ لبنيةِ اللون،
وصوتٌ كخريرِ المياه..
يترخّمُ بوَدَاعة، ويتهدّجُ بدماثة،
لا يكونُ حاداً ولا مستقيماً جافاً..
أذكرُ هسيسَهُ ورذاذَهُ الثلجيَّ عند الهمس،
وأذكرُ جداً أمواجه المتلاطمةَ برفق.
حبيبي..
دافئٌ كموقد.. كشمسِ أيلول،
رقيقٌ كعازف.. كملحن.. كروحٍ حرة،
قويٌ كعاطفةٍ قتلَ فورانُها صاحبها،
جميلٌ كفيلمٍ كلاسيكي،
كنفحةٍ درامية.. كغمرةٍ عُنفوانية،
جميلٌ كنهارٍ إسكندراني..
وعتيقٌ كإحدى عماراتها التي
تسكنها أنفاسُ اليهودِ واليونان.
حبيبي النائمُ بينَ الغيمِ والنجمات،
الحاضنُ للؤلؤِ في أغوارِ فؤاده..
أتسمعني؟!
مفتوحٌ مينائي على الدوام،
تأتي وتعودُ سفنُكَ ذهاباً وإياباً..
وأنتظركَ بينَ كل ساعَةٍ وأخرى..
وحدكَ تشغلُ بالي.. وحدكَ تجرحني،
وأحبك.
(مُقاطَعَةٌ في جَسدٍ غريب)
أيار ٢٠٢٦
كانت الشمسُ ثمرةَ برقوقٍ أسود،
ما إن أشقُّ غلافَها.. حتى تفورَ حُمرتُها المهيبةُ
بوهجِ نغمٍ
غرائبيّ،
كلعبةِ مصادفةٍ.. في حركةٍ أثيريةٍ خاطفة،
كشعلةٍ تُحلّق.. كانتفاضةِ أجنحةٍ
في باليه "طائر النار".
…
يُشعلُ جسدي مؤخرًا غابةً..
أعتقدُ أنها من الزرنيخ،
تسقطُ فيها ثلاثُ هاوياتٍ.. وأغرقُ غرقةً واحدة،
شُدّي جَذَعكِ إلى جَذَعي أيتها الأغصان،
وذوّقيني من حليبِكِ.. اسقيني شهدًا وحنانًا..
شهدَكِ الأسودَ المسعورَ في بريقه.
اسعريني.. هيّجيني.. أعيدي ليَ الحياة،
انفخي في فمي، في عينيَّ.. ردّي إليَّ روحي المفقودة.
أهلكتني المقاهي والشرفات،
تعذبني يوميًا المقاهي والشرفات..
حينَ لا حركةَ لباطني..
لا موجٌ يتلاطم، لا صرخةٌ ولا انفجار،
لا همسٌ أو حتى حفيفُ كلمات..
أعيشُ في رحلةِ بحثٍ عن طيرانِ كَنَاريا،
أن تمارسَ فكرتي الجنسَ مع الإحساس،
قبِّل يا صدري الشريدُ حبيبَكَ الهارب..
خُذهُ إلى نواتِكَ، صارِحهُ بحبّك..
جسِّد له تَيمَكَ ووجَلَكَ المشعَّ بالشوقِ والأحلام،
جسِّد له آلامَكَ وزُرقتَكَ التي تغزوك.
ولترتمي يا دمي في أحضانِ العظام،
تغلغل فيها.. كن ماهيتَها ورعشتَها الحيّة،
اصهرها تسيلُ مثلكَ أنهارًا جارية،
وثُر ثورتَكَ الأقحوانية..
افعل أيَّ شيءٍ، ولكن لا تستمرَّ في المشيِ ساكنًا،
لا تكتفِ بمضخّةِ القلب.. كن الملحمة،
كن مِحبَرةَ البلاد،
ولتتحلل يا جسدي في نفسِكَ.. تحلَّل..
وانتشلني من حالي.
غابةٌ من الزرنيخ..
لا، لن أُطفِئَها..
سأقفزُ فيها وأحشائي في كفِّ يديَّ أضمُّهما،
سأقفزُ فيها وأغرقُ حتى منتهاها.
…
هُناكَ في البعيد..
وراءَ حدودِ الطبيعةِ وعندَ الحوافّ،
على الحبلِ الفاصلِ بينَ الحقيقةِ والأسطورة،
عاشَ وعِلٌ مهيب..
قيلَ عنه حكيمٌ، وقيلَ غواهُ الخرَف!
يدّعي أنَّ في قرنيهِ آلافَ السنين،
عاصرَ الحضارتينِ؛ السبئيةَ والآشورية،
وشَهِدَ أعظمَ الممالكِ والإمبراطورياتِ الشرقية،
جابَ بلادَ الشامِ والرافدين،
وعرَفَ الملِكَ في القصصِ الفلكلورية؛
ذاكَ المنسوبَ إليهِ السحرُ والجمال،
سلطانَ الطبيعةِ والحيوان..
لكنّهُ آثرَ مملكةَ سبأ.. إذ أغراهُ جلالُها،
وتقديسُها لرمزيّتهِ وقوّتهِ الروحية،
وكثيراً ما جلسَ عندَ المصبّاتِ يتغزلُ ويتحاكى،
بعيونٍ واسعةٍ كوسعِ المحيط،
وبحزنٍ أرقَّ من رقائقِ الثلج:
آهٍ من الشرق..
أشدِّ الحضاراتِ بهرجةً وترَف،
كم عبدوا الفنَّ، وكم قدّسوا النشوةَ والنغم!
وآهٍ من نساءِ الشرق..
لم تستهوني يوماً تفاصيلُ العامة،
بل فُتنتُ بالجواري.. بالراقصاتِ والعازفات،
يا إلهي.. كم كُنَّ ألطفَ كائناتِ الأرضِ وأجملَها!
يخطُرنَ بقمصانٍ شفافةٍ وسراويلَ فضفاضة،
وتتألقُ عليهنَّ صدرياتٌ مطرزةٌ بالجواهر،
وزينةٌ من الريشِ واللآلئِ الفريدة.
يُوشِّحنَ الخواصرَ بالحريرِ والمخملِ الداكن،
ويشتعلنَ ببريقِ الذهبِ والفضة.
ما زلتُ أسمعُ رنينَ الخلاخيلِ في أقدامهنَّ،
ونجوى الأساورِ العريضةِ والقلائد..
كُنَّ الملهماتِ والربّاتِ لكلِّ روح،
محورَ الغزلياتِ الفادحةِ والملاحم،
أصلَ الحضارةِ وثروتَها.. كُنَّ الطرَب!
عشقَتهنَّ الملكاتُ العظيماتُ، وافتُتِنَ بهنَّ اللبُّ والخاطِر.
ولا تزالُ أجسادُهنَّ أبهى ما صاغتهُ الثقافة؛
تضاريسُ زهريةٌ تستشيطُ بالشجن،
ورقصةٌ تملأُ الآفاقَ عَبيرًا.. لتنتهي بسلوى صوفيةٍ،
سرعانَ ما تذوبُ معها العقولُ لتتحدَ بالآلهة.
كانَ الشرقيونَ التجسيدَ الحيَّ للطرب،
بكاملِ شِعرِهم وموسيقاهم..
حالةً من الانتشاءِ النفسيِّ والاهتزازِ الوجدانيّ،
تجلّياً حسّياً في فضاءٍ روحانيّ.
وكانَ العالمُ يتعقَّبُ ويتحرَّى حكاياهم،
مهووساً ببهائهم، مسحوراً بأدبِهم..
ولكن.. أينَ الشرقُ الآن؟
أخذوهُ منّا..
واغتالوا الجمال؛
الطواويسَ.. والرمان!
…
أيها الوعلُ الغريبُ في البعيد..
كلُّنا هُنا جوارٍ وعبيد،
نرتشفُ النايَ والربابةَ،
وننبشُ عمّا اختفى مع الريح..
ثمرةُ البرقوق..
نحنُ بحاجةٍ إلى شقِّ البرقوق،
لِعِتقِ الحُمرةِ التي حَرَموها.. ودنّسوا،
لتحريرِ الأغنيةِ الشبقيةِ الفطرية،
والعودةِ إلى الأصلِ البدائيّ..
إلى عبادةِ الشمسِ والرمال!
أُقسمُ أنَّ العنقاءَ تقطنُ في الثمرة،
أُبصرُها في كلِّ حُلْمٍ ومنام،
إنّها نبوءةُ الآلهةِ التي نسيناها:
"يجبُ أن تُشقَّ الثمرةُ قبلَ حلولِ الليل..
قبلَ الكسوفِ الأكبر".
العنقاءُ بنيرانِها الدافئةِ وضِيِّ عينيها،
تُحلّقُ خيالاتُها فوقَ صحارينا..
يُبصرُها فؤادي، يناديها قلبي.. ويركع.
أنا من هذا الشرقِ الحزين..
تقتلُني المقاهي والشُّرفات،
أحملُ روحاً سكندرية،
وهذهِ فراشتي البيروتية..
ففي مُهجَةِ كلِّ امرئٍ هُنا بَيروتة،
فراشةٌ تهبهُ من خفقِها أغنيةٌ،
ومن نفحاتِ بهائها.. الهناء،
لكي يستمرَّ في طلبِ الحياة..
إنَّ بيروتَ للعرب،
كالوعلِ لسبأ!
أراضينا منهوبةٌ أيتها الشمسُ ويا عنقاء،
ولكنّنا.. لا نرجو يداً تنتشلُنا، ولا أمّاً تتبنّانا،
لا نأملُ بالعودةِ لأيامِ الشرقِ الذهبية،
ولا التماهي في الغربِ الأقوى..
نريدُ فقطْ أنْ نكون.. أن نتحرَّرَ حقَّ الحرية!
أن نُفجِّرَ الغجرَ في دواخلِنا،
أن نقترفَ أطهرَ الجرائمِ والمحرمات،
أن نُطلقَ الأُنثى..
ونتمايلَ بكاملِ الشِّعرِ والشغفِ فيها.
والخصوبةُ تنبعُ من أغوارِنا.. من عُمقِ الأعماق،
سنرقصُ حتى تهتزَّ الأرضُ تحتَ أقدامِنا..
وينبتَ الجوريُّ، وتغرّدَ العصافير،
والوعيدُ ممتدٌّ.. ممتدٌّ إلى الوريد!
لن نقطعَ السيلَ في أجسادِنا،
لا بدَّ أن نسقيَ مَواتَنا لنكون..
لتبتهجَ الروابي والبساتين.
لسنا في انتظار نهرٍ جزيلٍ
مُعمّدٍ بالنخيل.
هو أحلى من الشهد،
وأشدُّ بياضاً من حليبِ الشياه،
ضِفافُهُ ياقوتٌ، ومجراهُ ماس.
نريدُ الحرية..
نريدُ الثورةَ الفنية!
(نريدُ الثورةَ الفنية)
أيار ٢٠٢٦
لعلَّ اليقظةَ الهيوليةَ هي السُّمّ
لجسدٍ عنّابيٍّ يرنو إلى عرشِ الفهم،
يرغبُ في الاستحواذِ على مستعمراتِ الفؤاد،
يغوصُ في القاعِ وينبشُ التراب
غيرَ مبالٍ بقدسيةِ العاطفةِ والشعور،
غيرَ مبالٍ بمنديلِ جدي لجدتي،
ولا بالسماءِ الماطرةِ بالرصاص.
ومَن ذا الذي يحيطُ به، يضمُّ إليه رأسَهُ ويُوعيه؟
ليُهدِيَه بعضاً من الوهمِ والهذيان،
بعضاً من المخيّلةِ الثقافيةِ للخيالات؟
ليُضيءَ بشعلةِ الإنسان،
وليكُن معلِّمي السامي في ليالي دموعِ الكمان.
عَلِّموني يا سادةُ الهجرةَ والنسيان،
عَلِّموني كيفَ أقذفُ بقلبي في المُحيطِ ولا أحِنُّ إليه،
ولا أعودُ أسألُ الناسَ عن عُضوٍ أحمرَ تاهَ في المِياه!
كيفَ يا تُرى يَتحوَّلُ المرءُ كَهرَماناً بين ليلةٍ وضُحاها؟
لا يَبكي ولا يَنوح..
جميلاً بلا إحساس، وهادئاً كما يجبُ أن يكون.
...
يُسلمني الليلُ لليلٍ آخر..
من كفِّ ليلٍ جارحٍ إلى كفٍّ أخرى أشدَّ جراحاً.
كم هما العقلُ والعاطفةُ الصراعُ الأزليُّ للكائن البشري!
إنها الأوديسةُ المقررةُ والمكتوبةُ في كتابِ أقدارنا جميعاً..
لا أدري إن كانَ النصرُ فيها متاحاً،
ولكنني أعرفُ أنني لا أعرفُ لماذا أخوضُ أوديستي،
ما ملامحُ طروادةَ في قصتي؟
وأيُّ وطنٍ أُخاطرُ لأعودَ إليه؟
مصرُ في صدري، وفراشتي الشاميّةُ حولي،
وجزيرةُ اللؤلؤِ لا سيفَ في الكونِ يمكنه قطعُ حبالِنا.
يقفزُ الضفدعُ من صخرةٍ إلى صخرة،
لمجردِ أن يتأكدَ بأنه لا يزالُ ضفدعاً.
يتأملُ انعكاسَ درجاتِ لونه الأخضرِ في الجدول،
يخطفُ ذبابةً ليلتهمَها، ويُصدرُ نقيقَه المعتاد.
قد يختلفُ الناسُ في مدى ظرافتِه..
أو مدى غرابته وشكلِ رمزيتِه،
ولكن، مَن منا يختلفُ على أنه ضفدع؟
كائنٌ، حيوانٌ فقاريّ، له روحٌ ودمٌ وعقل،
وينتمي إلى البرمائيات.
غَيرَ أنَّ.. لأيِّ فصيلةٍ ينتمي الإنسان؟
ومن أيِّ رحمٍ يُخلقُ ثقبُه الأسود،
مكنستُه وغولُه المتوحش؟
لماذا يوهمُني قريني دوماً بأنني لستُ هنا،
وبأنني قطعةٌ نُسجت لحماً وعصباً من الأشباحِ المحلّقةِ في كلِّ مكان؟
واحدةٌ مع أختي الميتةِ في حادثِ سيارةٍ منذ تسعِ سنوات،
ومع لوحاتِ رينيه السرياليةِ على جدرانِ غرفةِ المعيشة،
وتماثيلِ "حتشبسوت" خلفَ زجاجِ النيشِ الخشبيّ؟
يوهمُني رأسي بأنَّ ستَّ أرواحٍ تقطنُ هذا الجسدَ المؤنثَ البائس،
وبأنني مهما جُننتُ لن أعرفَ مَن أكونُ بينها.
ويقنعُني أيضاً بأننا نصبحُ سبعةً عند النوم؛
نغفو نحنُ، وتستيقظُ وقتها الروحُ السابعةُ البوهيمية،
تجوبُ البراري والصحاري البعيدة،
ووحدَها تصلُ إلى السماءِ وتُنشدُ مع العازفاتِ الملائكياتِ هناك..
يشربنَ، ويرقصنَ، ويمارسنَ نشوةً أحلى من أحلى نبيذ،
وأطهرَ من أيِّ طهارة.
ولكن نحن؟
إن حَفِيت أقدامُنا أياماً وسنين..
لن نعرفَ السماءَ أبداً
إلا بتلك النظرةِ العقيمةِ حين نرفعُ رؤوسَنا إلى الأعلى،
ونضيعُ.. إما في السحابِ البارد، أو في هذه النجومِ اللامتناهية.
...
سأكونُ كَهرَمانةً..
فارغةً من الوعي البدائي، لا غامضةً،
ولا تستفيقُ فجأةً من حالةِ العدمِ أو الضبابية،
إلى واقعٍ مختل..
أبحثُ عن يقينٍ في أيِّ جُحر،
أتبحثُ معي أيها الأرنبُ الصغير؟
أبحثُ عن فكرةٍ لا تتسببُ في هلاكي،
لا تنثرني كما ينثرُ القاهريونَ الماءَ في صباحاتِ الاسترزاق،
أو كما يُنثرُ الأرزُ للحمام.
الحقيقةُ الخامُ الوحيدة،
هي أنني فقدتُ الاتصالَ العقلانيَّ واللاعقلانيَّ مع نفسي،
وأفكرُ في الأبناءِ الثلاثة: نيللي، وائل، وهاني،
أبناءِ عمةِ أمي من زمنِ الزمن..
حلمتُ بهم الليلة، وأظنني أستطيعُ إخراجهم من بين ملايين الشعب،
أعرفُ شقتهم.. وبوابَها، والنخيلَ الذي يظللها،
وما يزينها من وردٍ وياسمين.
وعرضتُ أوراقي على بليغ..
بليغِ حمدي.. وقبّلتُ جبينَه ويديه.
أليست الأحلامُ هي المادةَ الأولى؟
المادةَ الأولى الخاليةَ من أيِّ شبهاتٍ وشوائب؟
الفكرةَ والمشهدَ الهلاميَّ، المُبهمَ،
الذي لم يتبلور بعدُ إلى صورةٍ أو مفهوم.
...
تَقبَّل يا جسدي عينَ حورس، فقد رُدَّت إليك شِفاءً،
ولن تفقدها بعد اليوم.
لقد جئتُكَ بها لِيَبتهجَ قلبُك،
فاحفظها رَعشةً حيّةً في عروقك كي لا تفنى.
خُذ عينَ حورس التي عادَت إليه سالمةً،
لترقصَ بها رقصتكَ الوثنية.
خُذ الماءَ الذي يسكنها، ولا تنفصل عن فيضه أبداً!
خُذ عينَ حورس، فبمائها القدسيّ يرى الإلهُ "تحوت" طُرقَ السماء.
.....
أو..
ضُمِّيني.. طهِّريني،
غطِّيني بأكاليلِ الزنبقِ والجوري،
ذوِّبيني.. واغسليني من نهرِ "فيلة" المبارك.
يا مَن يسبحُ في عينيها فرسُ بحرٍ رقيق،
ونجومٌ تدورُ دلالاً.. وفلكٌ يناديني وينادي.
وذكرياتٌ سكندريةٌ معتقةٌ لوناً وريحاً،
ولسانٌ مكسورةٌ فيه العربيةُ.. تصارعُها اليونانيةُ والإنجليزية.
وفي فمها.. أحسُّ أغواراً محيطيةً داكنة،
قراصنةً وكنوزاً ذهبيةً.. سيوفاً وأشرعة،
ودماءً تُسفَكُ، ومجازرَ تُقام..
والسفنُ هائلةٌ في ضخامتِها.. وفي عَدَدِها،
كم قرصاناً يا تُرى تضمّ؟!
مليوناً؟ ملياراً؟.. مَن تكونينَ يا أنتِ؟!
لكِ فقط أن تهمسي لي من بعيد،
أن ترمقيني بنظرةٍ من خلفِ حجاب.
آتيكِ من أقاصي الدنيا،
تستقبلني إمبراطورياتُ البحارِ السُّود،
شُبَّانٌ وشابَّاتٌ من عَبَدَةِ الإنسان،
أعزفُ لهم بعضاً من جذوري.. من العود،
أهديهم عينَيَّ وما فيهما من حُورَس،
من أمي.. ومن خاطرتي النيزكية.
وليقطعوا يدي كما يطلبُ الوفاء،
وليمتزج عنبي بعنبهم،
يثرثرون عن فقدانِ الاتصالِ اليومي،
يرتدون القليلَ من الحريرِ والدانتيل،
عن أهميةِ البربريةِ يتغزلون ويعلِّمونني،
وأعينهم تمتدُّ في الاتساع.. تطفحُ ببريقِها،
حزينون على زوالِ عباداتِ الغَوَى،
وزوالِ الحِسِّ التقديريِّ للجمالِ السُّفلي.
"إنه وجودٌ هستيريٌّ ومظلم"
هكذا وصفوا اليومَ المعاصر..
وأمكثُ مبهورةً بكوارثِهم ونزواتِهم وليالي الفجور،
وكأنهم أقزامُ جنيةٍ مسعورة،
تبحثُ عن المتعةِ ولا يحدُّ فضولَهم سياج،
أحرارٌ طلقاءُ.. جامحون أقصى الجموح،
يأخذونني إلى سماءٍ.. ويشهدُ رأسي على قدراتي،
ويشهدُ القرينُ أنني هنا ولستُ هنا.. وليجنَّ بجنونِه.
فإمَّا أنا الخاتمُ البرتقاليُّ في أيديهم،
أو أنني السيِّدُ سَمِي،
أو كلُّ ما هو حيٌّ.. ويخفقُ بشراسةٍ
لفرطِ الحياةِ الكامنةِ في أعضائِه وخلاياه.
(مقطوعة عنقود العنب)
حزيران ٢٠٢٦
يا ليلي الأزرقَ الطافحَ بأغوارِ زرقتهِ..
الهائمَ في هذه الزرقةِ القاتلة..
يا ليليَ الهادئَ الحزين،
يا ليليَ الحبيب..
مسكونةٌ محبرتي بالأشباحِ العائمة،
تمطرُ بزخاتِ خريفي على أوراقي.. تشرينَ وأيلول،
تعيدُ إليَّ أقدمَ المشاهدِ وأكثرَها خفقاً ووهجاً؛
مشاهدَ ووجوهاً من شريطي العتيقِ الممزق،
مشاهدَ ووجوهاً لا رغبةَ لي في استرجاعِها أبداً،
يؤلمني بعثُها من جديد..
وأتساءلُ: مَن ذا الذي أسكنها محبرتي؟
مَن ذا الخائنُ الذي أعادَ ذِكرَها.. ومَن رسمها؟
يختلجُ صدري بما لا أفهم،
تنقبضُ أحشائي وتنبسط،
تغرغرُ وتنتفضُ كأنها تريدُ الخروجَ مني،
تريدُ سلبي حياتي..
فأكرهني كما لم أكرهني من قبل؛
أكرهُ اسمي، وعقلي، وأنفاسي،
أكرهُ أنيني ووهني المثيرَ للشفقةِ تحتَ أقدامِ الذاكرة.
اعتقدتُ أنني أحرقتُهم!
أقسمُ أنني قذفتُ بهم في موقدِ النار؛
القمصانَ والتذكارات..
صندوقَ الموسيقى للباليرينا، وكلَّ ما هو مرتبطٌ ببحيرةِ البجع،
أغاني فريدِ الأطرش، وجميعَ أشعارِ غادةَ السمان..
أقسمُ لكَ يا ليل.. صاروا رماداً أمام عيني،
كنتَ هناكَ.. شاهداً على الرماد.. على اللهيب..
مزجتَهم مزجَ الدمِ بالدمِ في تُربةِ الغاباتِ في مَشَارِف الشمالِ،
فماذا إذن؟ وأين يكمنُ الخلاص؟
ويا إلهي.. لا تكتفي الشرائطُ بأفعالي المضطربةِ المُتَقَلقِلَة،
بل تهبُّ برياحِها وشمسِها على ما وراءِ الملامح،
تتسلل عبر الشقوقِ الضيقة،
وتعرّي الباطنَ بذهولهِ المختلِّ ومخاوفهِ المخبوءةِ تحت الجلد..
تتوغل عميقاً لترصدَ رجفةَ الصدرِ والشكَّ الأشبهَ بالوباء.
تطعنني بذاتِ النَّصلِ الذي طُعِنتُ به مراراً،
تَسقيني من ذات الكأس المرّة التي تجرّعتها طويلاً.
ويلتقي الغريمان في ساحةِ الرأس،
تعيدني إلى ذاتِ الدمعةِ الحارقةِ بعد سهرةِ العشاءِ القاهرية،
وإلى ذكرى طفولتي السوداء؛
تصرخُ بصوتِ أمي المعذبِ المبللِ بالجحيم والآلام،
تُجبرني على فتحِ جفنيَّ لأقصاهما،
تجبرني على إبصارِ أبهى صورِ الظلمِ الكونية:
"تأمليها.. تذكريها.. التهميها حتى آخر قطعةٍ فيها".
وتثورُ نيرانُ الحبيبةِ أمامي..
وغضبُها الباكي كبركانٍ استيقظَ بغتةً من خُمودهِ وهال،
وأنا هنا..
أنزفُ نزيفي..
وتُعقدُ شهقتي وتُكتمُ أنفاسي كَمَداً،
ولساني مقطوعٌ كعادته..
هنا..
أحبسُ مياهي وهلاكَ كياني،
وأربتُ عليها.. أقبلُ خديها وكتفيها،
لا حولَ لي ولا قوة،
أتمنى فقط لو كنتُ تراباً،
لو كنتُ نسياً منسياً.
يا ليلي..
الرحمةَ، أرجوك.
تدورُ حولي أشباحُ الرسائلِ القديمة،
تلكَ التي تجمدت لعشراتِ الشتاءات،
وجفت لعشراتِ الصيف،
تدورُ بثِقلٍ مناقضٍ للخِفّة،
ولا تتركني حتى يرتعدَ جسدي لِسِدرَتِهِ،
وينخسفَ القلبُ في نواتهِ..
يتقوقعُ يحاولُ النفاذَ بجلدهِ مني،
وترتخي العظام.. ما عدتُ أقوى على حملِ الريشة،
ولا على حملِ قدميَّ..
أجهشُ بالبكاءِ، ولا يفهمني القطُّ بجانبي،
الريحُ من خلفِ النوافذِ باردةٌ.. باردة..
أحسُّ بصقيعٍ في نخاعي، في لُبِّ الوريد،
أسقطُ مني..
وأرفعُ يديَّ المرتعشتينِ للأعلى،
وجبهتي على الأرضِ محنية:
الرحمةَ.. الرحمةَ أرجوك.
أنتَ عذابي يا "خونسو" ومُعذِّبي..
أنتَ كُنهُ الآهاتِ، بؤرتُها وماهيتُها،
وأتلوَّعُ تحتَ ضوئكَ المنيرِ المَزفُورِ بوجدهِ
وأشجانهِ المتأرجحةِ.. وما بيدي حيلة،
أنفطرُ مني ويكتوي الفؤادُ في جحرهِ المستباح؛
لا أريدُ إلا أن أكتب.. فلماذا ينقلبُ الصَّريرُ ضدي؟
وتفوحُ المحبرةُ بهسيسِ شاطئِ الإسكندريةِ في أشدِّ أيامي ضراوةً..
وكلُّ الفاكهةِ التي زرعتُها صباحاً تؤوّلُ إلى الذبول،
تسارعُ نحو الفناءِ والاحتضار..
وأجدني في غمضةِ عينٍ عاريةً أمامَ نفسي،
فارغاً جسدي من أيِّ شمعةٍ، أو فراشةٍ،
أو فكرةٍ تطوفُ وتُحلّقُ في البعيد.
الومضاتُ جميعُها والنشواتُ تبيتُ أسيرةً في قنينةِ الحبرِ الزجاجية..
يستغيثون بي.. وكذلك تستغيثُ الأشباح،
قبل أن أموتَ بجرعةِ صحراءٍ أو بفائضِ حبرٍ،
ولكن لا..
لن أخطَّهم مهما طالَ السَقمُ، وارتمى الجسدُ على فراشِ المرض،
لن أحررهم.. ولو دُفِنت خشبةُ الكمانِ.. وودعني العودُ بلا سلام،
لن أخطَّهم يا قمري.. لا،
إن ضعفي الآنَ أطغى من غروري، ومن وعيي وثباتي.
يعاندني الليلُ وأعانده،
قتالٌ.. قتالٌ.. ولا ألينُ.. لا أخضع،
وأستمرُّ في حشرجتي.. في ارتجافي الكونيِّ الأزرق.
أختبئُ تحتَ الغطاءِ العملاق،
اضمني لأعماقهِ.. أنسى جنوني،
وأقاسي.. كما أقاسي دائماً، لأغفو ولو لدقيقة.
(سِدرَة الليل)
حزيران ٢٠٢٦
وما الإنسانُ إلا محضُ جنونٍ،
مَلفوفٌ ومَحشوٌّ بعاطفةٍ جبارةٍ عتية،
وخيالٍ فاقَ الخيالَ.. وتعدَّى حدودَ اليقظةِ،
طغى على الصحوِ وأضدادِه.
خُلِقَتِ الشمسُ هُدًى لروحِهِ المُعذَّبة،
تُوقظُ روحَ روحهِ القابعةَ في قوقعتِها،
وتَهِبُهُ من هيبتِها هِبَةً.. يَتنفَّسُ بها العُمرَ كُلَّه.
وهناكَ فقط.. مستحماً بعُريهِ تحتَ أشعتِها الذهبيةِ اللّاهبة،
يدركُ معنى أن تكونَ الشمسُ "آتون"،
ويكونَ المفتونُ "إخناتون"،
ويغدو الحبيبُ.. قطةً صِيغَت من ذهب.
وعلى لحنِ تَهوِيدَةٍ تراثيّةٍ قديمة،
بإيقاعٍ بطيءٍ ومُنوِّمٍ.. تصاحبُه نغماتٌ
ممتدّةٌ من آلاتِ كمانٍ جَهير..
يسيلُ الإنسانُ من نفسهِ ويسيل،
يحسُّ كما لم يحسَّ من قبل..
يحسُّ هديرَهُ، أعضاءَهُ، وغديرَهُ الرقراق،
يحسُّ الدمَ الجاريَ في عروقِهِ،
والومضاتِ، النشواتِ، البريقاتِ الصغيرة،
وكلَّ التَّيمِ والفيروزِ والسِّلوَان.
ولَيسَت رقصةُ الشمسِ كرقصةِ الياقوتِ أو المِرِّيخ،
فالشمسُ تتمثّلُ باللينِ الأقصى،
وتغزلُ بحركاتِ ذراعيها البطيئةِ المنسابة..
مناخَها الأثيريّ.. مناخَ الحُلمِ والذهول.
…
في بطنِ الكونِ أنا نطفةٌ حائرة،
تتلمّذُ في مدرسةِ اليقين،
وأناملي غصنُ زيتونٍ يتقلّبُ بين زهوٍ وذبول.
أجهلُ نفسي.. ويدورُ الكوكبُ سنيناً،
والقمرُ في مدارِهِ يمضي..
يطوفُ حولَ ذاتِهِ وتتوالى الأطوارُ..
وأبقى كما أنا، غارقةً في حيرةٍ..
كبذرِ البطيخِ لا يكونُ إلا بها.
حين التقينا في ليلةٍ كسفَت وجهَ النهار،
رسمتُها أُعجوبةً مليحةً على قماشِ قلبي،
وغنيتُ لها:
حبيبتي.. يا سيدةَ السماء.. كوني دوماً حبيبتي.
وحين راسلتني، وأخذت بيدي إلى حدائقِها،
والمتحفِ المجاورِ، وبيتها الخشبيِّ العريق..
رسمتُها حوريةً، وراقصتُها صيفاً وشتاءً، وجداً وفرحاً.
وتمضي الأيامُ..
فتجيءُ الحبيبةُ تسألني عني،
تبتغي تفسيراً لضياعي.. لشتاتي الذي وصفَتهُ بالعدوى،
تعاتبني.. تتوهمُ، وتموجُ بظنونِها،
وتخبرني، بدمعةٍ تجرحُ خدَّيها:
"أريدُ الحفاظَ على عقلي.. لنفترق أطهرَ وأحكمَ لكلينا".
واليومَ، وقد قذفتني إلى أبعدِ مجرّةٍ في الغياب،
أرسُمُها حلماً ملائكياً..
نجمةً أضاءت لثوانٍ، وخمدَت للأبد.
وأعزفُ ذكراها على كمانِ الشمس،
أتلو قصائدَها على مسامعِ الريحِ
وليأخذها الريحُ أينما يأخذ..
كما تُؤخَذُ أرواحي الشاردةُ الهيدروجينية،
وتحلّقُ في العالي،
لا تنظرُ للخلفِ أو للأعلى..
ولا تَشعرُ بقلبٍ مائلٍ أو هَشيش.
تَسبَحُ نسوري وضباعي.. تَعُومُ حول شقائقِ النعمانِ والمرجان،
وأسودُ البَحرِ وأحصنةُ المَدِّ تُرَفرِفُ بالزعانف،
تَمرَحُ مع مُهرَةِ قوسِ قُزَح، والدواجنِ الجَوهَريَّةِ..
أكانت يا تُرى اختلالي،
أم كانت الاستقرارَ الذي فقدتُه؟
أيعقلُ أن أكونَ عرفتُ الحب؟
هذا الحسَّ الماورائيَّ.. لا شكلَ له أو لون،
يتغلغلُ في أدقِّ تفاصيلِ الكائنِ البشريِّ،
يهدهدُه لينام.. ويغني له بخفةٍ ليفيق،
يخافُ عليه من نسمةِ الهواء،
ويقبّلُ فمَه ووجنتيه..
حتى يجدَ المرءُ نفسَه جاهلاً: أهذهِ الجنةُ أم جسدي؟
تُرى، أيّ نهرٍ أصفى من الدمعِ استعارَ مجراهُ مني؟
وكيف انحلّتِ الأنفاسُ الأدفأُ من الحنين في دمي؟
كيف تبخّرت أصابعي.. لتتكثّفَ غيماتٍ زهرية؟
لا أفرّقُ بين اللوزِ والعين،
بين الرمشِ وجداولِ الشجرِ العامرِ بالخَضار،
لا أفرّقُ بيني وبينَ المحبوبِ الشبقيّ،
وتصيرُ دورتُنا الدمويةُ واحدةً موحدة،
وإحساسُنا واحداً.. وخاطرتُنا الفراشيةُ واحدة،
والريشُ واللؤلؤُ يزيّنانِ دنيانا..
وما أحلاهُ الطاووس! ما أحلى الرمان!
والرخامُ اللبنيُّ في قصورِ حبِّنا،
تماماً كالماءِ المنسابِ.. كالحليبِ الأزرق.
الحبُ لكِ.. فإذنِ الموتُ لي،
هكذا تُطوى العصورُ في دقيقةِ سَكرة،
وما آدمُ وبنوهُ إلا رمادٌ يرتجلُ الحياة،
ما الإنسانُ إلا محضُ جنون.
…
يستوطنُ سريري وقينيةَ حبري،
ثلاثُ سنبلاتٍ مُتَمَرِّدَة.
أشباحُ كلماتٍ وعوالمُ زغبيّةٌ تعبرُ جسدي،
تطوفُ بين الشريانِ والوريد،
بين الأعصابِ.. ومِن ثانيةٍ لثانية،
وأتعذّبُ تحت ضوء "خونسو"،
لأخطَّها حرفًا حرفًا على الورق:
أملاحٌ وفلقٌ عليل.. غُرَفٌ سريةٌ سرياليّة،
والكثيرُ من الربّات، الخادمات، الغجريات،
والراقصات الشرقيّات.
أشعرُ بامتلاءٍ قاتل.. وماذا بيدي؟
أرفعُها للشمس..
يدايَ مرتبكتان كَكاهِنَتَينِ خَانَتهُمَا النُّبُوءَة،
ورأسي غادرَ دنياهُ منذ زمن.
لا أدري من أين يبدأُ المدُّ، ولا أين تنكسرُ أمواجُه،
ولا أيُّ نرجسةٍ تمسكُ القلمَ أولاً.
أنا.. شمسي دليلي:
"لا تَغُرَّنَّكِ أَشبَاهُ الوُجُوهِ وَظِلَالُهَا..
غاباتُها وبياضِ أنيابها،
تعلمي السفرَ عميقاً نحوَ تَنَاظُرِ الأَروَاحِ وَرَعشَةِ المَشَاعِر."
لا أفهمُكِ يا شمس..
اللامعقولُ هو حقيقتُنا الأَصدَق،
فينا.. وبَيننا.
آهٍ من الكائنِ البشريّ،
العبقريِّ الوحيدِ في هندسةِ خرابِهِ الذاتيّ،
يصنعُ مشنقتَهُ بيديهِ بكاملِ وعيِه!
الجنونُ هو الأصل..
هو الطَّاقةُ والحيويّة،
أما العقل؟
فمجرّدُ استثناءٍ عابر،
مجرّدُ "مُرَوِّض".
(دليل النحلة المختلة.. شمسها)
حزيران ٢٠٢٦
لِمَ الدّموعُ يا يمامة؟
وقلبي المُثخَنُ بالجراحِ.. لم يعد يقوى!
يا يمامة..
أوجستِ في نفسي خيفةً،
أين غابَ أليفكِ الرمليّ.. زوجكِ الحبيب؟
أين عشُّ الغرامِ... كان هنا؟
آهٍ.. لم تكنِ العاصفةُ رحيمةً قط..
خسرتُ أنا أيضاً حبيبي!
لا تبكي يا يمامة..
فلن يطويكِ النسيانُ فيَّ مهما عتَتِ الرياح،
يدٌ بيدٍ.. سنبني عُشّاً جديداً،
فما لَنا في دنيانا القاسيةِ سِوى أن نُعيدَ بناءَ الأعشاشِ،
قشّةً.. إثرَ قشّة.
يمامتي..
وديعةٌ حتى في حزنِها، كالموجِ المنسابِ سَكينةً وهدوءاً،
تلتحفُ الحريرَ الشفافَ الناعم،
وعيناها.. لؤلؤتانِ تَحتضنانِ في جوفِهما ياقوتتين زرقاوين،
قلبُها.. أنقى بياضاً من اللبن،
وهديلُها.. أصفى من شَدوِ البلابلِ في السَّحر،
أصفى من رقرقةِ الينابيعِ العذبة.
تفتحُ ذراعيها للحياةِ دوماً،
وتغفو ملاكاً طاهرً على كتفي إذا جنَّ الليل،
فيا لروعتِها.. ويا لَشوقي الذي لا يشبعُ من تقبيلِ قدميها الصغيرتين.
....
أرقدُ على فراشي.. عاريةً من أيِّ آمال،
تُغطيني قشعريرتي ونفحةُ دبٍّ قطبي،
وأهذي..
أهذي طويلاً حتى تتفرقَ أطرافي
ويحلقَ كلٌّ منها على حدة،
وأسمعَ غديرَ أنفاسي اللامضطربة
يتخافتُ كموسيقى بحريةٍ كلاسيكية،
وقفصي الصدري يتبخرُ ندىً..
أبهى من أبهى أفيون،
وترتمي كُلِّيَتي فوقَ الأعشابِ التي يعاشرها الخضار،
أحوّلُني من وقودٍ للحركةِ إلى وسادةٍ للخمول،
ولا أقتنعُ بأني المُحوِّلُ على أيِّ حال.
إنَّ ثمّة مكاناً بارداً على بعد نصف بوصةٍ من كل الاتجاهات.
ولكنني هنا في البقعة المختارة.. البقعة الدافئة،
لا تراودني إلا رغبةٌ في الحب.
وها هو ذا.. هناك..
رجلٌ أسمر، بسمته أحلى من قَطر الشمس،
وأحلى من شَهدِ الزهر.
اختيالُهُ.. حصانٌ عربي،
وعيناهُ.. شاهينٌ حُرّي،
رجلٌ أسمر.. في صوته شجنُ الصحاري،
وعزفُ العيدانِ في ظلمات الليل.
ها هو.. ها هو ذاك..
يمدُّ لي يديه،
فأُودِعُ قلبي في كفّيه.
إن جاءكِ الموتُ يا يمامةُ..
فلا تردّيهِ فارغاً يائساً..
أكرميهِ.. بَثّي في جسدِهِ نشوةً صادقة،
ولا تبخلي عليهِ بحياتكِ.. لا تبخلي عليهِ بهواكِ.
وليكتملَ الفداءُ..
الموتُ كالأنثى؛ يظلُّ لغزاً يقاومُ التفسيرَ،
يقاومُ ما فيهِ من واقعٍ وتراب.
ويبقى الحلمُ.. وتبقى نفخةُ الربّةِ الثالثة،
حينَ تُخلقُ البنت.. وحينَ تموت،
وحينَ يُكتبُ لها الوجودُ الأبديُّ ما وراءَ السماء؛
وجودٌ من الدانتيلِ،
مزخرفٌ بالطمأنينةِ الحقيقيةِ،
وبنهرِ السلامِ الذي يشدو لها تهويدةَ النومِ،
يضمُّها إلى صدرهِ ويُطمئنُها بلا كلل:
"انعمي بالحرية.. وحدها الحرية،
لن تتأذي أبداً بعدَ الآن، ولن يقتربَ منكِ خريفٌ،
حبيبتي.. يا حَمَلاً أبيضَ.. دمتِ دوماً بيضاءَ،
واستحققتِ أخيراً الأمان،
أنشدُ لكِ روحي وأضمُّكِ.. لتدخلي في لحمي،
حبيبتي.. لا موتَ ولا عذاب".
(يا يمامتي.. الموتُ كالأنثى)
حزيران ٢٠٢٦
ماسةٌ بلورية...
كدمعِ الإوزِّ تلألأت،
عينٌ زرقاء...
قيلَ تَحمي النفسَ مِن الحسدِ،
وآلةُ بانجو..
تشدو بلحنٍ حرٍّ وجامح،
يسافرُ الليلُ.. فترحلُ الروحُ في وجلِها،
ترفضُ الرسوّ ثانيةً على اليابسة،
أو مهادنةَ شؤونها المتخبطة.
الموسيقى..
الموسيقى وهميَ اللذيذُ اللامؤلم،
أطيرُ نورسةً طليقة،
قطةً تتدلى فوقَ العشب..
تستحمُ بالشمسِ استحمامَ الطاهرين.
تُنسيني قسوةَ الغرفةِ المستطيلةِ..
ظلمتَها ووحشتَها العنيفة،
فلا ألمحُ قشرةَ الطلاء،
اتساخَ الأثاث،
والحشراتِ المقيمة..
تُنسيني لونَ بشرتي الزرقاء، ورأسي المبعثرَ الثائر،
وتمدُّ لي يديها، فأُسلمُ بدوري يديَّ.. وكُلِّي.
أُسلمُ كُلِّي للموسيقى..
لِحُبٍّ فيه المحبوبُ أداةً لا غاية،
مِشكَاةً تعكسُ جَذوَةَ النغمِ الكامنةِ في أوردتي.
أداةٌ تُفعّلُ طاقةَ الشغفِ داخلَ ذاتي المعزوفة.
ليسَ مَصبّاً لعاطفتي ولا مُبتغىً في ذاته،
إنما هو الفكرةُ القديمة.. التي يغتذي عليها
عُمرُ الطرب.
يا ابنَ حواء ويا ابنةَ آدم..
ما تشعرُ به ليس غريباً عنك،
بل هو بعضُ جَميعِك.
إنه الكامنُ في خلاياك قبل المبتدأ،
وقبل طينةِ التكوينِ الأولى...
من لُبِّ ثمارهِ نُحِتَ كيانُك،
وفيه أزهرَ شبابُك،
وإليه يمتدُّ خلودُك الأبدي.
إنها نجوى الأرواحِ حين تتلاقى.. تتناغمُ،
وتمتزجُ في واحد.
خُلقَ الإنسانُ من نغم.. من ألحانٍ ونوتات،
ولها دوماً سيحنُّ ويخضع،
ويبقى يرقصُ حتى انقطاعِ الأنفاسِ..
وما بعدها.
نراقصُ زَخَمَ الحياةِ في أنبلِ ذرواتها،
أَسمَها وأبلغها..
ونخطُّ الأغنياتِ ليلَ نهار،
منَّا وإلينا.. للوطنِ وللحياة.
وحبُّكِ يا مصرُ أصدقُ ما يعصفُ بالبال،
وما يدورُ في أجسادِنا المَفجوعة؛
نقفُ لعينيكِ صفاً واحداً.. مهما اختلفنا،
ونُهديكِ الحبَّ شَدواً يقطرُ من عمقِ المحبَّة.
…
آخر كلماتك..
ألقِ وصيتك يا ابنَ الأرض،
لك ما تريد، لا تبخل، انطق، تكلم.
"ادفنوني.. أحبابي..
ادفنوني دفناً طبيعياً أخضر؛
لا تحنطوني كيميائياً.. لفّوني بالكتان الأبيض،
كما يُلفُّ عرنوس الذرة في أقمشته البيضاء والخضراء،
غافياً بسلامٍ من كل شر، مرتاحاً مع الذبول والتحلل.
اسمحوا لجسدي أن يتحلل سريعاً،
ادمجوني بالطبيعة..
فقد خُلقتُ لها، وإليها أهدي جسدي؛
لتتغذى التربة من عناصر جثتي العائدة إليها،
ولتنمو النباتات وتزيد الأرض خصوبة وحيوية.
ادفنوني في الإسكندرية.. قرب الدلتا،
في جنتي البحرية، وحبيبتي العذبة النجلاء.
ازرعوا مكاني شجر التين والزيتون،
وأحيطوني بالخزامى والياسمين،
حوّلوا تربتي حديقةً للإوز..
أوصيكم بالياسمين والإوز،
سأزرع أنا حديقتي بمائها وكل ما فيها..
أوصيكم فقط: ادفنوني، أحبوني، ولا تنسوني.
وأمانة..
أمنتكم.. باليمام؛
انسوني ولا تنسوه،
أطعموه، ارووا عطشه ولا تجرحوه..
اليمام ملائكةٌ حرةٌ حساسة،
أحبوها، اعزفوا لها، وإياكم ودمعتها!
لم أنسَ الأطيار يوماً فلا تنسوها..
اليمام والعصافير وكل ذي جناح.
أوصيكم بالأرض: بحيوانها ونباتها.. وبشرها!
فالحب والموسيقى يصنعان السلام؛
فلا تتوقفوا عن الغناء،
ولا تقطعوا وصال الحب.
أما مصر..
أمانتنا أن نحفظَ غنوتها وفنها،
ولا يسلبنا شيءٌ جمالها؛
نغني لها.. نحمي نيلها وخضارها،
ونقبّل جبينها على الدوام؛
مصر تشفينا، ومنها نتعلّم ألف فرح،
هي أمنا وحبيبتنا الحسناء.
أخطأتُ أنا كثيراً وتجاهلتُ،
ولا أدري ليومي أين المخرجُ والذهاب،
بأيِّ مياهٍ يتعمَّد المرءُ ليستحقَّ الخلاص؟
لا ترضيني كلماتي مهما كتبتُ،
ولا يستقرُّ لي قاربٌ أو رياح،
أغنّي على الكمان "يا حمام"،
وعلى الرَّبابةِ ل "بليغ"،
فتمتدُّ جذوري، وأنمو في داخلي.
أعلمُ أنَّ رحيلي محتومٌ وقريب،
وما بعنقي وحنجرتي شيء،
أتمايلُ مع أوهامي، أحسُّ الحياةَ فيَّ،
أحسُّ نبضي، ومسامي، وجريانَ الدمِ في دورته،
وأعرفُ أنَّ رحيلي محتومٌ.. وقريب.
يا شمسي لا تتركيني،
ضمّيني إلى نواةِ فؤادكِ
ولا تحرميني أشعتكِ الدافئة،
أخافُ أنا الظلامَ، وأخافُ الوحدة.
آنِسيني يا شمس، وآنِسي موتي..
امكثي في حديقتي؛
فلا أرتعبَ فجأةً من سحيقِ وحشتي.
غنّوا لي.. أحبّوا اليمامَ، واحفظوا الخَضار،
غنّوا لي..
نظّفوا النيلَ، ولا تنم مصرُ إلا وجسدُها مُقبَّلٌ،
ممتلئٌ بالقبلاتِ حتى منتهاه.
كلّ ليلةٍ، وكلّ يومٍ،
امحوا عنها الجراحَ، وطهّروها من الشرور،
فلكلٍّ منا أمٌّ.. وحُماةٌ كلُّنا لأمهاتنا.
(وصيتي عِندَ موتي)
حزيران ٢٠٢٦
تقودُ أحلامي ثلاثُ بغايا،
يرتدينَ موتي عُرياً.. موشوماً على أجسادهن،
وتنبثقُ الهواجس موالاً.. أُجنُّ بجنوني:
"ليسَ الآن.. إن صدري مرتجف..
لا يعرفُ اليقين.. لا النصر..
أرجوكنَّ.. اطلبنَ لي المَدَّ،
مددنَ لي خفقَ قلبي.. أنامُ وأطمئنُ.
عاشَ "حسينٌ" نهاياتِهِ رفيقاً للموت،
صغيراً وجميلاً.. غفا بينَ اللوز،
وغفا معَهُ جزءٌ من كلِّ مضَخَّة،
وفي الغرفةِ الثامنةِ رقدَ "دنقل"..
شاباً عذباً في كَنَفِ السماء،
يعَرفُ الحزنَ، وينصتُ لنداءِ الكمان،
ولا يعرفُ الخنوع.
في ليلةٍ اغتِيلَت فيها زرقاءُ اليمامة،
اقتُلِعَت مُقلتاها..
وسالَ الإثمدُ من وراءِ جَوفيها،
وتلونت تربةُ الصحاري بأسودَ فضيٍّ.
قَد يأخُذُ العُمرُ روحي..
لكن، أيتركُ لِعينايَ إِثمِدَها؟
أيتركُ للمَحارِ لؤلؤتَها؟
ثمةَ حسٌ أثيريّ في بشرتها،
ومتونٌ من جواهرِ الزمنِ مرسومةٌ عليها،
وعيناها النجلاوان.. آهٍ منهما!
وثمةَ طِيبٌ شهديّ في مشيتها؛
فقد أينعت الثمار..
واختمر العقلُ في فكره.. في خياله.
…
تَعيشُ صبيةً في بيتٍ حدائقيّ،
تُزينه أكاليلُ زهورٍ بشتى ألوانها المُبهجة،
ممتلئٍ بالإجاص والبرتقال،
وبعضِ ذكرياتٍ وأحلام.
تَعيشُ مع شبح والدتها السمراء،
وعفريتٍ أزرقَ لطيف.. يعزف لها البيانو،
ويرقصُ رقصةَ العفاريت الصغار،
يعلمها لغةَ النجوم.. ولغة المياه السحرية.. السريالية.
تلعبُ وتشدو مع العصافير،
بفستانها التول الناعم.. الراقص مع الريح،
الفرحِ بالربيع.
تروي الرواياتِ للقطط وللفراشات،
بلسانِ شهرزاد تارةً،
وبلسانِ بيدبا الحكيم تارةً أخرى،
وما بين التارتين تحكي وتحكي،
تماماً كالحكواتي في المقاهي الشامية والمصرية القديمة.
لا تدري لمن تنسبُ الحكايات إلا لجنية الخيال،
أو ربة الإلهام المليحة..
أو لعلها الجنيةُ والربةُ في آنٍ واحد.
تُحدثُ اللوزَ عن الحب،
ويحدثها عن الشمس..
تسترجعُ حلوى والدتها والفيروزَ في عينيها،
ويسترجعُ هو أمه الشجرة الخضراء،
ويبتهلُ ابتهالاً.
تنسى حيرتَها والبئرَ في صدرها،
تنسى سقوطَها في شلال الليل.. في رماله المتحركة،
وضياعها في ثقبه الأسود الفلكي،
حيثُ خُيل لها: لا نجاةَ ولا عودة.
تودعُ نفسَها ولا تودع،
تفلتُ يديها من يديها،
تهربُ منها وتفرُّ خلاصاً إلى حضنها.
تستحمُّ في بؤبؤ العين مرتين،
في نهر السين مرة،
في النيل عشراً،
وفي الدمِ اليانع الحُمرة.. ألفَ مرة.
لَها قلبٌ في الصحراء.. قَدَمُها التصقت فيه،
حتى ركبتيها وصلَ التراب،
ولا تشعرُ الصبيةُ الجنيةُ الربة
إلا أنها تستمرُ في الغرقِ.. والغرق.
لا ترفعُها القصص، ولا الخيالاتُ البَرّاقة،
لا أعمقُ الدراما والكوميديا،
أو حتى أعظمُها جنوناً غجرياً.
كفَّاها تضمَّانِ حجرَ "جَمشتٍ" كريم،
تهمسُ لهُ كأنَّها تَنفخُ فيه:
"أَزِل عنِّي القلق.. هَبني السكينة،
نَقِّ عقلي من طاقاتهِ السوداء،
وساعِدني لأغفو.. أغفو غيمةً قطنيةً هادئة".
وحتى حين، سأظلُّ أهذي، وأهذي، وأهذي،
وما من أحدٍ يسَعُه إخراسي؛
أنا المُهرجُ والأميرةُ والفارس،
أنا الآنَ.. وأنا الكُلِّيَّة.
صَبيةٌ هَتكت غِشاءَ الكَوكب،
لو وُزِعَت الكلماتُ في رأسِها،
ما ساوَت يَختاً ولا قارَّة،
ولا ساوَت مَنطقاً مَعقولاً، ولا عَقلاً مَنطِقيَّاً.
تَعومُ مع الأسماك..
تَشربُ الشايَ مع رفيقتِها المَرجانة،
ومع صانعِ القبعات.. حينَ تُناديها "أليس" في أرضِ العجائب.
…
هل تَشفعُ لي يا إلهي؟
هل تَشفعُ ضَياعي في البحارِ السَّبع،
وَوَهني بينَ الرمانِ والزيتون؟
هل تَشفعُ لطائري المهاجر..
أن أَتلو مَزاميري على العودِ وليالي الصحراء؟
هل تَشفعُ لي الخنجرَ الغائرَ في خاصرتي..
وحادثَ سطحِ العِمارةِ مُنذُ تسعِ سنوات؟
هل تَشفعُ لي لَهوي عن كلِّ رصين،
وسَلامي من كلِّ حربٍ إلهية؟
هل تَشفعُ طَاهارتي المخدوشة،
وقَلبي المرتجفَ على الدوام؟
…
التِّيمُ رِداءٌ من الهندباء والأشعةِ الهلاميةِ
تحت البنفسجية،
ترتديه الصبيةُ ليلَ نهار.. ليلَ نهار.
كم حذرتها رقعةُ الشطرنجِ من العبث،
من التسليمِ للحسِّ والعاطفةِ الجيَّاشةِ؛
كعرضِ باليه بإيحاءٍ شرقيّ..
بالسراويلِ الحريميَّةِ الواسعة..
بالحرير، والشيفون، والساتان،
بالصدرياتِ المُرصَّعة،
والحركاتِ المُنسابةِ أشدَّ الانسيابية..
الأذرعِ والجِذع.. في تناغمٍ وتمايل،
والأجسادُ فنيةٌ.. فنيّة،
وآهٍ يا لها من موسيقى!
كم حذَّروها من العبث.. من القلبِ وأهوائه..
هذا الضعيفِ المفتون.. قالوا عنه:
جاهلٌ مَخبول.
وتتفجَّرُ الينابِيع..
ولا تَفهمُ الصَّبِيَّة:
أخَرَجتُ مِنَ الصَّحراء؟
أخَرَجت؟!
تهيمُ كالمريضةِ في نفسها..
تقرأ، تكتب، تأكل وترقص،
في الفلاسفة والمؤرخين تبعثر الساعات،
تَغوص في التَّاريخ والآدب، وتَعجَب في طَريقِها من السِّياسَة:
"مَن يكون الرِّجال بالبَدَلات؟.. أَكُلُّنا هنا من المَجانين؟!".
الشَّمسُ رَسَمَتها قُرصاً بالشَّمع مَكان حَنجَرَتِها،
والقَمَرُ بالكُحل على ظَهرِها،
تَتَجَوَّل في المَتَاحِف والمَعَابِد..
تَطوي العَالَم من غَربِه لِشَرقِه.. ومن شَمَالِه لِجَنُوبِه.
من أُسطُوانةٍ إلى أُسطُوانة..
تَهوى فَجأةً دُنياها:
"ما أَحلاكِ يا دُنيا.. ما أَبهاكِ،
أَوصِلي سَلامي للأَبنُودي ومُنير،
وقَبِّلي عَنِّي جَبينَ العَندَلِيبِ وبَليغ".
الشَّاطِئُ العِفريتُ وَقَّعَ خُطَاها،
وجَسَدُها حُوتٌ من رِيشٍ لا يُمسَك..
رِيشٌ لا يَرسُو إلَّا حينَ يَرسُو،
ولا يَستَقِرُّ مَهما استَقَرَّ..
تَتَمَزَّقُ الأُطروحاتُ أمامَ عَينِها،
وتُهدَمُ الأَعمِدة.. إغريقيةً كانَت أو فِرعَونِيَّة.
وتَبقى الذَّاتُ مُعَلَّقَة،
بينَ صَحراءٍ وجَنَّةٍ سَمَاوِيَّة،
تَرقُبُ من خَلفِ الزُّجاج،
تَرقُبُ بمِلءِ حواسها الصَّيف،
ويَشِي الفُؤَادُ على القَدَرِ فيقول:
"سَيَأتي شِتَاء.. وسَيَأْتي خَرِيفٌ تَمُوتُ فيهِ كلُّ حَيَاة..
الفَنَاءُ مَصِيرُكِ يا صَغيرة".
(صبيةٌ من هندباء)
حزيران ٢٠٢٦
