السبت ٢٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٠
بقلم مريم علي جبة

حوار مع الشاعرة المغربية مامّاس أمرير


اخترت الكتابة للتعبير عن ذاتي ورصد العالم من زاويتي

لإغلاق الثقوب التي أحدثوها ويحدثونها في رأسي

والغربة: إنها ثقب آخر في رأسي

الشاعرة مامّاس أمرير كاتبة مغربية من مواليد مراكش، مقيمة في الأردن منذ عام ١٩٩٠ .. صدر لها: نوافذ عاشقة ديوان مشترك مع شعراء مغاربة عام٢٠١٠ .. وديوان: رأسي غرفة موحشة نصوص شعرية عام ٢٠١٦ . وهي عضو رابطة الكتاب الأردنيين وكتاب آسيا وأفريقيا و عضو اتحاد كتاب الأنترنت العرب و عضو اتحاد كتاب الأنترنت المغاربة وعضو شعراء العالم (تشيلي)، وعضو جامعة المبدعين المغاربة.
عضو سابق في شعراء حقوق الإنسان واتحاد نساء المغرب.. نشرت في مجلات مثل: أفكار، صوت الجيل، كتابات معاصرة وجرائد أردنية ومغربية بالإضافة إلى النشر الإلكتروني.

حوار معها فيه من الشجون والحنين والبوح الشيء الكثير، خيبات أمل، غربة، وفقد ، وأشياء أخرى حدثتنا عنها ماماس أمرير ...

- هو سؤال تقليدي لكنه مهم، نودّ أن نتعرف على البدايات؟

- في البدايات لم تخطر في بالي الكتابة، كنت أقوم بتدوين ما يعجبني وبعض انطباعاتي عما أقرأ....

في تلك الفترة من حياتي حلمتُ بأن أصبح ممثلة على خشبة المسرح، نعم ممثلة!

حتى أنني أتصور نفسي بطلة المسرحية عند عند حضور أي عرض مسرحي؟! وظل هذا هاجسا بالنسبة لي، كنت خجولة وغير شجاعة في أن أصبح كذلك... فأنا من عائلة لا تقبل هذا، و تهتم بالحفاظ على جسد الأنثى، ولا يمكن أن تتصور جسدي يلعب بكل تضاريسه على خشبة المسرح، وبدأ حلمي يتلاشى مع الأيام.... لكنني بقيت أعشق المسرح وأتابع عروض الهواة في ذلك الوقت وأتصور نفسي البطلة.
كان سن المراهقة دافعا إيجابياً بالنسبة لي، كانت رغبتي لمعرفة ما يجري حولي قوية... أما حين خسرت رغبتي في أن أكون ممثلة على خشبة المسرح، أصبحت غير مبالية.

قصة الكتابة الذاتية بدأت حين كنتُ، أنا وصديقة لي نلتقي، ويأخذنا الحديث والنقاش عن المسرح وعن همومنا وتطلعاتنا وجنوننا وحتى عن الأخطاء الجميلة التي نرتكبها، مما دفع بصديقتي أن تدون ما نتبادله، و كانت تنشر ما تكتبه في بعض الجرائد، كانت لديها الشجاعة لتنشر... ولم يكن لدي ذلك الإهتمام، كنت دائما أستخف بأفكاري في الوقت الذي كانت هي تستفزني فيه لقول أشياء غريبة ومدهشة!!

كانت ميولاتها ذات بُعد ثوري، أثار إعجابي، وكانت ناشطة في صفوف الطلاب بالجامعة.
ثم حصل ما لم يكن بالحسبان: ذات يوم يصلني إشعار بالحضور إلى مركز الأمن.... فيما بعد اكتشفت أن صديقتي كانت مرشدة في الجهاز السياسي تستدرج الأشخاص، تصادقهم للحديث معهم وعندما تجد فيهم بذرة التفكير، تحتال عليهم وتنتزع المعلومات بكل ما يخص تفيرهم ثم تبلغُ عنهم... صحيح أن التحقيق في مركز الأمن كان ناعما ورقيقا، ولم تكن هناك تهمة موجهة... لكنه مس جانبا بريئا وآمنا بداخلي. وتساءلتُ:

لماذا يحصل كل هذا؟ ولماذا أضطر أن أقف هذا الموقف دون أن أفهم ما يجري؟ كنت ما زلت ساذجة وبريئة... لكن هذا الموقف يرجع له الفضل في أشياء كثيرة، حيث أعطاني رغبة جامحة في الإنفلات من أي خوف أو قلق يتهددني لمجرد أنني أفكر، وأن يَقتحم شخص ما حياتي، بوقاحة، باسم الصداقة ويتلاعب بي.

كنت دائما لا أحب الحديث عن هذه الحادثة لكنها كانت البدايات، ذلك اليوم: في الليل كتبت أشياء مؤلمة وحميمة وشعرت بخوف من الحياة وبدأت أجرب أحاسيس جديدة... إنها حادثة تركت أثرا في نفسي وحياتي، وحياة عائلتي، لكنها كانت دافعا أيضا للكتابة، هكذا بدأتْ ملامحي في الظهور تدريجيا، وبدأتُ أرسم طريقا جديدا، ومع اطلاعي المستمر بدأتُ أقترب مِني ... وأتعرف عليَّ. واكتشف الرغبة الذاتية في الكتابة.

والكتابة الآن تشكل بالنسبة لي رافداً وجودياً... لقد أصبحت أكثر نضجا وشحنا من السابق، لم تعد الكتابة نوعاً من الترف، بل شرطاً من شروط غربتي واستمرار حياتي، منها أستمد القوة، وأيضاً أصبحت رغبة ملحة تشبه رغبة الجوع.

- لمن كانت تقرأ الشاعرة ماماس في بدايات اهتمامها بالكتاب؟

- القراءة عالم ساحر بكل تأكيد نحن نمتنُّ لكل من خلق هذه العوالم الجميلة.... في بداياتي لم أترك كتابا وقع في يدي لم أقرأه، ولست من هواة الكاتب الواحد... في بداياتي أحببت رامبو وتأثرت لمعاناته وتفهمت قدر الإنسانية في الجانب الذي يخص الرغبات والحرية والرغبات النفسية الشاذة.... قرأت كولن ويلسن، ميشو، هولدرين، عرفت شبنغلر واتعبني كثيرا ألخ... تأثرت بشعراء كثر، ومفكرين على رأسهم نيتشه وسيوران.... سيوران عرفته في لحظة خاصة كنت أعاني من أزمة نفسية وفكرية، وأحمل فيها غضبا للعالم... كنت أعتقد أنني حالة نشاز. لهذا دائما كنت أبحث عن شيء يدعمني.

إننا في الفكر والأدب نبحث عن دعم وجداني وفكري، يدعم ذلك الألم السحيق الذي تتخبط فيه البشرية، ويعريه، ونبحث عن أشباهنا في الوعي والمعاناة... هناك خيط رفيع يربط معاناة فئة معينة من البشر ببعضها... وهناك فئة وهي الأغلبية، منسجمة مع كل هذا الدمار.

لست عدمية لكن الواقع هو الذي يكرس العدمية ولا يثير الجانب الخير في أذهاننا، أحب الحياة كثيرا لكنها عبثية، وهذا قدر لا مفر منه.

- لندخل في تجربتك في الشعر؟

- تجربتي بسيطة وخاصة، لم يأخذ أحد يوما ما، بيدي، ولم أجد إلا كل من يُحطمني من المقربين ويتفرج على أخطائي بمتعة كبيرة، لم تكن هناك يد حانية، والفضل في إصراري على الكتابة يرجع لي وحدي، وحدي فقط... أخطيء وأتعلم من أخطائي بصمت دون طلب المساعدة....

ما نشرته عبارة عن كتابين كتاب مشترك مع شعراء من بلادي والثاني هو كتابي الأول (رأسي غرفة موحشة)... نشرته على شكل نصوص.

كنتُ كلما قدمت مخطوطا لجهة ما -لا داعي لذكرها- يعتذرون بحجة أن المنشور تم رفضه لأسباب دينية، وفهمت فيما بعد أنه علينا دائما أن ننشر نصوصا ناقصة وبسيطة، المهم أن تكون خالية من الأخطاء النحوية والدينية والسياسية... وربما هناك أيضا مواقف شخصية..... عموما لست مهتمة بالموضوع كثيرا فقد اخترت الكتابة للتعبير عن ذاتي ورصد العالم من زاويتي، باستمرار حاولت بالكتابة إغلاق الثقوب التي أحدثوها ويحدثونها في رأسي. حتى وإن رفض العالم كله.

والشعر عالم جميل وحميم أتعامل معه كطيف لطيف يحملني إلى مكان قصي، رغم أنه يجرحني كثيراً، لأنه يلح علي باصرار كي ينبش في أغوار أعماقي... صحيح أن بداخلي رغبة تستفزني، لكنني أشعر ببعض الألم لذلك... لكنني أيضاً أستعيد بهذا شيئاً بشرياً، وأحاول أن لا يضيع مني. الشعر وحده يلتقطني كلما تناثرتُ فتاتاً.
في المدة الأخيرة اكتشفت نفسي في القصة القصيرة، كنت في الماضي أكتب ما يشبه القصة لكنني كنت أخجل مما كتبت، فلم أجرؤ على خوض التجربة.... الآن الأفكار متراكمة في رأسي بدأت تحفزني لقول أشياء كثيرة بشكل أكثر دينامية وتناسق فكري وفني، دون الحاجة لأي إيحاءات كما في الكتابة الشعرية، واكتشفت أيضاً أن هناك أجناساً كثيرة في الكتابة يمكن ابتكارها، وتمنحناً دفقاً لقول أشياء كثيرة أو إخراج كوابيسناً من الظل دون أن نتبرأ منها.

- من المغرب إلى الأردن .. لا شك أنها تجربة تحمل الكثير من الشجون والحزن لديك؟

- الغربة: إنها ثقب آخر في رأسي.تماما، وأنا أعني ما أقوله ..و تقع في المرتبة الأولى من معاناتي الآن، إنها قدر مرعب، أعيشه بألم بالغ، مازال ينهشني.... في الغربة رأيت أشياء كثيرة مؤلمة ومقززة، لكن قتل ابنتي أمام عيني بأيدٍ آثمةٍ، "ضربة" قصمت ظهري وكسرتني وجعلت من الغربة فأساً مغروسة في رأسي، إن نزعتها أموت وإن تركتها أتألم.

حتى هذه اللحظة أستغرب كيف أنني ما زلت محتفظة بكامل قوايا العقلية... إنها تجربة قاسية بكل المقاييس، صحيح أنها علمتني أشياء كثيرة لكنها بكل أسف سرقت ملامح جميلة وأدخلت الحزن إلى حياتي، ودمرتها ولا يمكن استعادتها بأي شكل من الأشكال....

لم أكن محظوظة كثيرا في بلاد الغربة، أجرّ حرقة الوطن، وأحزاني وخيبتي ومشاعر الفقد تكاد تقتلني. رغم محاولاتي أن أكون أكثر انسجاما مع حزن هذا العالم، لكن الحنين يؤجج الألم وتكون الكتابة صديقة حميمة، للتخلص من الشوائب التي يفرزها الواقع البشع والتخفيف من عبث الحياة.

- أنتِ مغربية أمازيغية والشعر الأمازيغي له مكانة خاصة وخاصة جداً لديكِ، ماذا تقولين في هذا الجانب؟

- هو حديث ذو شجون. وجانب حميمي بالنسبة لي، في الشعر الأمازيغي يحضر التأمل وتحضر الفلسفة الوجودية، وللشعر الأمازيغي مكانة خاصة، وهذا شيء طبيعي... إنني أكتب بتأثر كامل بالشعر الأمازيغي، وأنا من أكثر المعجبين بالشاعرة الأمازيغية المتمردة (مريريدة نايت عتيق) وهي امرأة تمردت على ثقافة المجتمع في الحقبة الأولى من القرن العشرين حيث التقتْ كاتبا فرنسيا «رونيه أولوغ» الذي أعجب بما تقوله، فدوّن أشعارها في كتاب....

كان لقاؤه بها وهي تجول الأسواق والقرى وتنشد الشعر.
واسمحي لي أن أذكر بعض الأبيات من شِعرها :
بالنسبة لك أنت سيكون أحسن !!
سيكون أحسن بالنسبة لك أنت
إذا رجعت إلى بلدك
إني أعرف أنك تغير حبيباتك كل يوم
وتقبل أي مفتاح
لأنك مثل قفل خشبي قديم

عزو محبوبي، ذا الإسم الحسن،

كيف لي أن أقاومك أكثر؟

إن كانت عيناي بالنسبة لك صوان الشرار،
ألا ترى أن البارود على وشك الاشتعال؟
وأنني أفك أمامك ضفائري السوداء؟
ادخل، أغلق الباب، واحكم القفل...
لمدة طويلة، لم يكن لصوتك تأثير عليّ.
لماذا تحزنني بكلامك عن هدايا،
بما أنني أريد أن أنسيك قساوتي؟
سأعطيك كل ما تترجاه .
لك لساني الرقيق وشفتاي الرطبتان،
لك فخ ساقي المتشابكين!
ما همني رؤية الآخرين لأوشامي المخبأة!

مريريدة كانت آلهة الشعر الأمازيغي بلا منازع، رغم أن البعض يخجل من تاريخها فيجنح لإنكار وجودها... وأنا كأي أمازيغي متشبع بالثقافة الأمازيغية وسحر الثقافة الأمازيغية وحكاياتها الغابرة التي كانت الجدات تسردها... هذا منح كتاباتي ونصوصي ملمحا خاصا، فهي تحمل في الغالب هذه البصمة، حيث أن طريقة الكتابة مستمدة منه، أنا من عائلة "إيمارين" وتعني بالأمازيغية الشعراء، لهذا الشعر عند الأمازيغ فعل يومي، والشعر الأمازيغي شعر شفهي وحواري، تبدو فيه المنافسة هي العنصر المشوق... يلقى في الأمسيات والجلسات والسهرات العائلية والجماعية بطريقة المواويل، وحتى أثناء الحرث والحصاد يستحضرونه للتخفيف من تعب العمل في الغابة والحقول. وهو وسيلة من وسائل تبادل الأفكار والنقد وتواصل المجتمع الأمازيغي وكان في الماضي وسيلة لإيصال الرسائل الرمزية والسياسية.

- الجوائز الأدبية العربية التي نشطت بكثافة في السنوات الأخيرة .. كيف تقييمينها؟

- في كل العالم الجوائز بشكل عام تقدم بخلفية لها أهداف وتوجهات إيديولوجية، لكن برغم ذلك هناك جوائز تحتفظ بمستوى الإبداع، حتى في اختيارها للفائز من هذا المنظور، ولا تضر بالناحية الإبداعية... واعتبار أن الأدب في بلادنا مازال نخبويا ومحسوبيا فإن الجوائز لها ما لها وعليها ما عليها، وحتى لا أكون مسرفة في التعبير، للأسف لم أقرأ كل الأعمال التي حازت على جوائز، ولهذا أي كلام أو نقد سيكون ناقصا ومرتجلا.

- برأيك ما دور الكاتب والشاعر والأديب في زمن الحروب والأزمات والأوبئة؟

- الكاتب أو لنقل المثقف، بشكل عام دوره متواصل يساهم في تنوير وتأسيس لوعي المجتمع، الدور التنويري بحاجة لأن يكون موجودا باستمرار وليس مناسباتيا، حضوره ضروري في الرخاء وفي الأزمات، هذا يساعد المجتمع أن يكون مؤسسا ومحاطا بالقدرة على التمييز والوعي والنضال في الحالات القصوى كالحروب والأزمات، أو حتى في الثورات، ثورة شعب واعي ليست هي ذاتها ثورة شعب جاهل.... لكن في واقعنا، يتصدر المشهد رجل الدين، وأغلبهم، بتخلفهم ومحدودية تفكيرهم يرتكبون كوارث فادحة، لهذا من المؤسف أننا رأينا في العقود الأخيرة، أن المثقف الفعلي كان رجل الدين، وليس المثقف، ورأينا النخبة يقودها المجتمع! الربيع العربي أنموذجا! لقد بدا المثقف صامتا، مرتبكا، منزويا، بلا رؤيا مستقبلية تحدد قراءته للأوضاع، وهذا تسبب في توجيه الكثير من النقد لدور المثقف، لقد ترك دوره لرجل الدين، وبهذا شهدنا تنامي الكثير من التردي والرداءة والتخلف والتعصب والعنف خلال العقود الماضية وحتى الآن.

- أنتِ كنت من كتاب مجلة ديوان العرب؟

- نعم، بدأت أكتب في ديوان العرب منذ عام 2008 ولي العديد من المنشورات الشعرية والأدبية فيها، وأنا من متابعيها وما يعجبني فيها أنها تعنى بالأدباء والكتاب والشعراء والمفكرين والباحثين العرب على مساحة العالم العربي، فأنا أقرأ فيها البحث والقصيدة والقصة وكل أنواع الأجناس الأدبية والشعر، وأنا بلا مجاملة معجبة جداً بمجلتكم منذ تصفحتها أول مرة منذ عقد ونيف.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى