الخميس ٢٣ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم عبده حقي

حيرة الصدق فِي زَمَنِ النُّصُوصِ المُوَلَّدَةِ

لَمْ تَعُدِ الكَلِمَةُ تُولَدُ فِي صَمْتِ المَخْطُوطَاتِ، وَلَا تَنْبُتُ فِي تُرْبَةِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الخَالِصَةِ، فقد أَصْبَحَتْ تُنْتَجُ بِسُرْعَةِ الضَّوْءِ عَلَى أَطْرَافِ خَوَارِزْمِيَّاتٍ لَا تَنَامُ ولا تخلد للراحة ، يَتَصَاعَدُ سُؤَالٌ مُرْبِكٌ كَالضَّوْءِ فِي بطن لَيْلٍ طَوِيلٍ: مَنْ يَحْرُسُ الحَقِيقَةَ؟ وَمَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ صَوْتِ الإِنْسَانِ وَصَدَى الآلَةِ؟

لَمْ يَعُدِ النَّصُّ مِرْآةً صَافِيَةً لِلتَّجْرِبَةِ الإنسانية، بَلْ غَدَا مَسَاحَةً مُشْتَبِهَةً، تَتَقَاطَعُ فِيهَا النِّيَّاتُ وَالاحْتِمَالَاتُ وَالخَوَارِزْمِيَّاتُ. فِي هَذَا الفَضَاءِ الجَدِيدِ، تَكْتُبُ الآلَةُ بِلُغَةٍ تُشْبِهُنَا إلى حد كبير، تُحَاكِي أَحْلَامَنَا، وَتُقَلِّدُ أَسَالِيبَنَا الخاصة، بَلْ قَدْ تَتَفَوَّقُ أَحْيَانًا علينا فِي تَنْظِيمِ الجُمْلَةِ وَتَرْتِيبِ الفِكْرَةِ. وَلَكِنَّ التَّشَابُهَ هُنَا لَيْسَ بريئا، بَلْ هو فَخٌّ جَمِيلٌ، يَخْفِي فِي طَيَّاتِهِ تساؤل وسُؤَالَ الأَصَالَةِ.

إِنَّ النُّصُوصَ المُوَلَّدَةَ لَا تَعْرِفُ الأَلَمَ، وَلَا تَخْتَبِرُ القَلَقَ، وَلَا تَعِيشُ التَّارِيخَ. هِيَ نَتِيجَةُ حِسَابٍ، لَا نَبْضَ فِيهِ، وَخَلِيطُ مَعْلُومَاتٍ لَا ذَاكِرَةَ لَهَا. وَهُنَا تَكْمُنُ دهشة المُفَارَقَةُ: نَصٌّ بِلَا تَجْرِبَةٍ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَجْسِيدِ كُلِّ التَّجَارِبِ. كَأَنَّنَا أَمَامَ كَائِنٍ لُغَوِيٍّ جَدِيدٍ، يَسْتَعِيرُ أَصْوَاتَنَا لِيَقُولَ مَا لَمْ نَقُلْهُ، وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ العَالَمِ دُونَ أَنْ يَعِيشَهُ.

فِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ الحَقِيقَةُ إِلَى كَائِنٍ هَشٍّ، مُهَدَّدٍ بِالذَّوْبَانِ فِي سَيْلٍ مِنَ النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ، حَيْثُ تَتَرَاجَعُ الفُرُوقُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالمُفْتَرَضِ، وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالمُحَاكَاةِ. لَمْ يَعُدِ القَارِئُ يَسْأَلُ: مَا الحَقِيقَةُ؟ بَلْ أَصْبَحَ يَتَسَاءَلُ: هَلْ هَذَا النَّصُّ كُتِبَ بِقَلْبٍ آدمي أَمْ بِمُعَالِجٍ برمجي؟

إِنَّ الخَطَرَ لَا يَكْمُنُ فِي التِّقْنِيَةِ ذَاتِهَا، بَلْ فِي سُهُولَةِ الإِيهَامِ. فَالنَّصُّ المُوَلَّدُ قَادِرٌ عَلَى إِنْتَاجِ حَقَائِقَ مُحْتَمَلَةٍ، وَأَخْبَارٍ مُمْكِنَةٍ، وَرُؤًى مُقْنِعَةٍ، دُونَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا بِوَاقِعٍ أَوْ مَسْؤُولِيَّةٍ. وَهُنَا، تَتَدَاخَلُ الأَخْبَارُ الزَّائِفَةُ مَعَ الأَدَبِ، وَتَتَسَرَّبُ الأَوْهَامُ إِلَى مَسَاحَاتِ الحَقِيقَةِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ حِرَاسَةَ الحَقِيقَةِ لَمْ تَعُدْ مَهَمَّةَ الصَّحَافِيِّ وَحْدَهُ، وَلَا النَّاقِدِ فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَتْ مَسْؤُولِيَّةً جَمَاعِيَّةً، يَتَقَاسَمُهَا القَارِئُ وَالكَاتِبُ وَالمُبَرْمِجُ وَالمُؤَسَّسَةُ. فَكُلُّ نَصٍّ نَقْرَؤُهُ اليَوْمَ يَحْتَاجُ إِلَى شَكٍّ خَلَّاقٍ، وَكُلُّ مَعْلُومَةٍ تَتَطَلَّبُ تَحَقُّقًا أَخْلَاقِيًّا، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تَسْتَدْعِي وَعْيًا بِمَصْدَرِهَا.

إِنَّنَا نَعِيشُ مَرْحَلَةً يَجِبُ فِيهَا إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الكِتَابَةِ ذَاتِهَا. فَهَلِ الكِتَابَةُ هِيَ مَا يُكْتَبُ، أَمْ مَا يُعَاشُ؟ هَلِ النَّصُّ هُوَ مَا يُنْتَجُ، أَمْ مَا يُحِيلُ إِلَى تَجْرِبَةٍ حَيَّةٍ؟ إِنَّ هَذِهِ الأَسْئِلَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ شُرُوطًا جَدِيدَةً لِفَهْمِ الحَقِيقَةِ فِي عَصْرٍ تَتَكَاثَرُ فِيهِ النُّصُوصُ بِغَيْرِ مِقْدَارٍ ولا طائل.

وَرُبَّمَا يَكْمُنُ الحَلُّ لَا فِي مُقَاوَمَةِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ، بَلْ فِي تَطْوِيعِهِ أَخْلَاقِيًّا وَمَعْرِفِيًّا. أَنْ نَجْعَلَهُ أَدَاةً لِتَوْسِيعِ الحَقِيقَةِ، لَا لِتَشْوِيهِهَا، وَوَسِيلَةً لِإِغْنَاءِ المَعْنَى، لَا لِتَسْطِيحِهِ. فَالتِّقْنِيَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ خَيْرًا وَلَا شَرًّا، بَلْ مِرْآةٌ لِكينونتنا.

إِنَّ الحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَكْتُبُهَا فَقَطْ، بَلْ إِلَى مَنْ يَحْرُسُهَا مِنَ الذُّبُولِ. وَفِي زَمَنِ النُّصُوصِ المُوَلَّدَةِ، تُصْبِحُ الحِرَاسَةُ فِعْلًا ثَقَافِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا، يَتَجَاوَزُ الكَلِمَةَ إِلَى المَوْقِفِ.

لِذَلِكَ، لَيْسَ السُّؤَالُ اليَوْمَ هُوَ: هَلْ تَكْتُبُ الآلَةُ؟ بَلْ: هَلْ نَحْنُ مَا زِلْنَا نَكْتُبُ بِمَعْنًى أصيل؟

وَبَيْنَ نَصٍّ يُنْتَجُ، وَحَقِيقَةٍ تُحْرَسُ، تَتَشَكَّلُ مَعْرِكَةُ العَصْرِ: مَعْرِكَةُ المَعْنَى.

وَفِي آخِرِ هَذَا المَسَارِ المُثْقَلِ بِالخَوَارِزْمِيَّاتِ، يَقِفُ الإِنْسَانُ وَحِيدًا أَمَامَ ذَاكِرَتِهِ، كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى صُورَةٍ قَدِيمَةٍ اصْفَرَّتْ أَطْرَافُهَا، وَلَكِنَّهَا مَا زَالَتْ تَحْمِلُ دَفْءَ الأَصَابِعِ الَّتِي لَمَسَتْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي ينأى عنا كَأُفُقٍ بَعِيدٍ، كَانَتِ الكَلِمَةُ تُشْبِهُ جُرْحًا حَقِيقِيًّا، تَخْرُجُ مِنْ لَحْمِ التَّجْرِبَةِ، وَتَنْزِفُ بدم المَعْنًى، لَا مُجَرَّدَ تَرْكِيبٍ لُغَوِيٍّ أَنِيقٍ.

لقد كَانَتِ الجُمْلَةُ تَتَعَثَّرُ أَحْيَانًا، تَرْتَبِكُ، تَتَلَعْثَمُ، لَكِنَّهَا كَانَتْ صَادِقَةً، كَأَنَّهَا تَعْتَذِرُ عَنِ نَقْصِهَا بِكَمَالِ إِحْسَاسِهَا. وَكَانَ الكَاتِبُ يَكْتُبُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ قَدْ تُكَلِّفُهُ قَلْقًا، أَوْ عُزْلَةً، أَوْ حَتَّى خَسَارَةً، لَكِنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُقَالُ إِلَّا ولها ثَمَنٍ.

أَمَّا اليَوْمَ، فَنَحْنُ نَكْتُبُ كَثِيرًا، وَلَكِنْ قَلِيلًا مَا نَعِيشُ مَا نَكْتُبُهُ. نُرَاكِمُ النُّصُوصَ كَمَا تُرَاكِمُ الآلَةُ بَيَانَاتِهَا، وَنُحَاكِي الحَقِيقَةَ أَكْثَرَ مِمَّا نُجَازِفُ بِقَوْلِهَا. وَفِي هَذَا التَّضَخُّمِ اللُّغَوِيِّ، يَتَسَلَّلُ إِلَيْنَا شُعُورٌ خَفِيٌّ وكئيب، كَأَنَّنَا فَقَدْنَا شَيْئًا لَا نَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ، وَلَكِنَّنَا نَشْعُرُ بِفَرَاغِهِ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مَصْقُولَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.

إِنَّهَا حَسْرَةُ الإِنْسَانِ عَلَى زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ تَخْطُو بِبُطْءٍ ووثوق، وَلَكِنَّهَا تَصِلُ، وَكَانَتِ الكَلِمَةُ تُولَدُ مُتَعِبَةً، وَلَكِنَّهَا تعيش وتخلد. زَمَنٌ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الكِتَابَةُ مِهْنَةَ سُرْعَةٍ، بَلْ طَقْسَ اعْتِرَافٍ، وَلَمْ يَكُنِ القَارِئُ مُسْتَهْلِكًا لِلنُّصُوصِ، بَلْ شَرِيكًا فِي اخْتِبَارِهَا.

وَرُبَّمَا، فِي قَلْبِ هَذِهِ الحَسْرَةِ، تَكْمُنُ فُرْصَةٌ أَخِيرَةٌ: أَنْ نَعُودَ إِلَى أَنْفُسِنَا، لَا لِنَهْرُبَ مِنَ التِّقْنِيَةِ، بَلْ لِنُذَكِّرَهَا بِأَنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُنْتِجٍ لِلنُّصُوصِ، بَلْ شَاهِدٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَحَارِسٌ لِمَعْنَاهَا.

فَبَيْنَ مَاضٍ كَانَتْ فِيهِ الكَلِمَةُ تَنْبُضُ، وَحَاضِرٍ تَتَكَاثَرُ فِيهِ النُّصُوصُ، يَبْقَى السُّؤَالُ مُعَلَّقًا فِي ضَمِيرِ الكِتَابَةِ: هَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكْتُبَ مِنْ جَدِيد ونَشْعُرُ بما نكتب؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى