الأربعاء ٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

حين كان للسطح قلبٌ… وللترعة ذاكرة

كان لسطح بيتنا موعدٌ مع السماء.

كلما أرخى المساء سدوله، وصعدنا درجات السلم، كنا نشعر أننا نغادر ضجيج الأرض قليلًا، لنقترب من نجمةٍ بعيدة، أو نسرق من القمر حكاية.

لم يكن السطح مجرد مساحةٍ تعلو البيت؛ كان بيتًا آخر، بلا جدران، سقفه السماء، وستائره نسائم الليل، ومصباحه الصغير رفيقٌ يعرف وجوهنا واحدًا واحدًا.

كانت هناك أريكةٌ قديمة، لكنها في ذاكرتي ما زالت أكثر أناقةً من كل أرائك العالم.

كانت تستقبل أجسادنا المتعبة، وتحتفظ في خشبها بضحكاتٍ كثيرة، وهمساتٍ أكثر، وحكاياتٍ لم يكن لها شاهدٌ سوى الليل.

كنت أراها يومًا كأنها امرأةٌ وقورة تجلس في صدر السطح، تراقبنا ونحن نكبر.

وفي الجهة الأخرى، كانت شجرة التوت عند الترعة تقيم مجلسها الخاص.

شجرةٌ عتيقة، تمد أغصانها كأذرع أمٍّ واسعة، وتلقي ظلها على الماء، حتى ليخيّل إليك أن الشجرة والماء يتغازلان منذ زمنٍ لا تعرف بدايته.

وكان بين أريكة السطح وشجرة التوت شيءٌ من المودة السرية.

الأريكة تصعد بنا إلى السماء…

والشجرة تأخذ بأعيننا إلى الماء.

وبينهما كنا نحن؛ أطفالًا في أول الحكاية، ثم صبيانًا يطاردون أعمارهم، ثم شبابًا لم نكن نعرف أن الزمن كان يخبئ لنا حقائب الرحيل.

كنا نجلس في المساء، والهواء يمر علينا خفيفًا، كأنه يعرف أننا أبناء المكان، فيداعب وجوهنا دون استئذان.

نرفع أعيننا إلى السماء، فتبدو النجوم قريبة.

قريبة إلى الحد الذي يجعل الطفل يمد يده كأنه يستطيع أن يقطف واحدة، ويضعها في جيبه، ليحتفظ بها إلى الصباح.
وكان القمر يومها أكبر مما هو الآن.

أو لعل قلوبنا كانت أصغر، فكانت الأشياء تبدو لنا عظيمة.

كان الليل طويلًا، جميلًا، رحيمًا.

وكانت العائلة تجتمع.

الأخوة، والأعمام، والأخوال، وأصوات النساء وهي تتداخل مع ضحكات الرجال، وحكايات الكبار التي كنا نسمع نصفها ونخترع نصفها الآخر.

كانت اللمة يومها وطنًا صغيرًا لا يحتاج إلى عنوان.

يكفي أن يكون الجميع موجودين.

وجهٌ هنا، وصوتٌ هناك، ويدٌ تمتد بطبقٍ، وضحكةٌ تنطلق فجأة فتوقظ الساكنين في القلب.

لم نكن نعرف أننا نعيش أجمل أيام العمر.

فالطفولة لا تخبرنا أنها طفولة.

والدفء لا يعلن عن نفسه وهو يحيط بنا.

لا نعرف قيمة الحضن إلا حين تصبح الأذرع بعيدة، ولا ندرك معنى اللمة إلا حين تتسع الموائد وتقلّ الوجوه.

وكان هناك مصباح صغير يعلّق ضوءه على جدار السطح.

لم يكن ضوؤه قويًا، لكنه كان يعرف كيف يجعل الليل أكثر ألفة.

كان يونسنا.

كأنه واحدٌ من أهل البيت، يجلس معنا ولا يتكلم، يراقب حركة الأيدي، ويشهد على الضحكات، ويحفظ أسرار السهرات.

وحين يهدأ الجميع، كانت الوسادة تأتي في موعدها.

وسادةٌ بسيطة، لكنها كانت تعرف طريقها إلى أعيننا.

نضع رؤوسنا عليها، فتنساب أحلام الطفولة إلى الجفون، كأن النوم نهرٌ هادئ ونحن نعرف مجراه.

كانت الوسادة تتناغم مع أعيننا…

تغمضهما برفق، وتترك للسماء بقية الحكاية.

كم كان جميلًا أن ننام والنجوم فوقنا!

لم نكن نخشى الغد.

كان الغد بعيدًا، لا نعرف اسمه، ولا نعرف أن الأيام ستكبر بنا حتى يصبح لكل واحدٍ منا طريق، وبيت، ومسافة، وذكريات يفتش عنها ذات مساء.

كبرنا.

كبرت الأجساد، وتغيّرت الأصوات، وتفرقت الجلسات.

الأريكة بقيت هناك في ذاكرتي، وإن غابت من المكان.

وشجرة التوت ما زالت في داخلي، واقفةً على حافة الترعة، تمد أغصانها نحو طفولتي كلما اشتقت.

أما السطح…

فما زلت كلما أغمضت عيني أراه.

أرى السماء فوقه، والنجوم معلقة كحبات فضة.

أرى الأريكة في مكانها.

وأرى شجرة التوت تتدلّى على الترعة كأنها تلوّح لنا من الضفة الأخرى للزمن.

أسمع أصوات إخوتي.

ضحكة عمّ.

نداء خال.

صوت أمٍّ تنادي من أسفل السلم.

وأشعر بذلك المصباح القديم يسكب ضوءه على وجوهنا.

ثم أبحث عن الوسادة…

فأجدها في مكانها، تنتظر رأسي كما كانت.

لكنني هذه المرة لا أنام.

أجلس فقط، وأترك عينيّ معلقتين بالسماء.

فبعض الأماكن لا نعود إليها بأقدامنا.

نعود إليها بالذاكرة.

وبعض البيوت لا تسكنها بعد أن تغادرها…

بل تسكنك أنت.

ويبقى السطح، بكل هوائه ونجومه وأريكته ومصباحه، نافذةً مفتوحةً في جدار العمر.

كلما أثقلتنا الأيام، فتحناها قليلًا…

فهبّت علينا نسمةٌ من الماضي.

نسمةٌ تحمل رائحة شجرة التوت، وصوت الترعة، وضحكات الأخوة، ودفء الأعمام والأخوال، وطمأنينة تلك اللمة التي كانت تجعل العالم، مهما اتسع، صغيرًا بما يكفي ليجلس الجميع حولها.

يا ليت العمر يعود ليلةً واحدة فقط…

لا لنغير شيئًا.

بل لنصعد السطح.

نجلس على الأريكة.

ننظر إلى النجوم.

نسمع أصوات أهلنا من حولنا.

نترك المصباح يونس وحدتنا الجميلة، ونضع رؤوسنا على الوسائد.

ثم نغمض أعيننا…

ونترك للطفولة أن تكمل الحكاية..

لكن، يا ليت العمر يعود ليلةً واحدة…

ليلة عمر.

ليتني أجد آلة الزمان، تلك التي تعيد عقارب الساعة إلى حيث كانت القلوب لا تعرف معنى الفقد، وحيث كان الغياب مجرد دقائق نتعجل فيها عودة الغائب.

أو ليتني أعثر على مصباح علاء الدين، فأفركه، وحين يخرج الجني من بين الدخان لا أطلب منه مالًا ولا ذهبًا ولا قصرًا…
سأطلب منه أمنيةً واحدة:

خذني إلى تلك الليلة.

إلى سطح بيتنا.

إلى أريكتنا القديمة.

إلى شجرة التوت الواقفة على حافة الترعة، وهي تمد أغصانها للماء كأن بينهما سرًا قديمًا لا يعرفه سوانا.

خذني إلى إخوتي وهم حولي، وإلى الأعمام والأخوال، إلى الوجوه التي كان حضورها يملأ المكان حياة، وإلى الأصوات التي كانت تتداخل في أذني حتى أصبحت، بعد السنين، موسيقى لا يعرفها إلا قلبي.

خذني إلى المصباح الصغير…

إلى ضوئه الحاني الذي كان يسكب على وجوهنا شيئًا من الطمأنينة، ويجعل الليل أقل وحشة وأكثر ألفة.
خذني إلى وسادتي…

إلى تلك الوسادة التي كانت تعرف طريقها إلى عينيّ، فتحتضن رأسي، وتنسج لي من النوم غيمةً صغيرة، بينما كانت النجوم تسهر فوقنا.

وليته يكون فانوسًا سحريًا هذه المرة…

فأنا لا أريد أن أغيّر شيئًا.

لا أريد أن أمنع الأيام من أن تمضي، ولا أريد أن أسترد أعوامًا كاملة.

أريد فقط ليلةً واحدة.

ليلة أجلس فيها بينهم وأنا أعرف أنني أجلس فوق كنزٍ لن يتكرر.

سأنظر إلى الوجوه طويلًا.

سأصغي إلى الضحكات وكأنني أسمعها للمرة الأولى.

سأحفظ نبرة كل صوت، وطريقة كل ضحكة، وحركة كل يد، وحتى الصمت الذي كان يتسلل بين الكلمات.

سأرفع رأسي إلى السماء، وأقول للنجوم:

انظرن جيدًا…
هؤلاء أهلي.
هذا بيتي.
وهذه أجمل ليلةٍ في عمري.
ثم سأترك رأسي للوسادة، وأغمض عينيّ مطمئنة…
غير خائفة من الغد.
ففي تلك اللحظة سأكون قد عرفت سرًا لم أعرفه وأنا طفلة:
أن بعض اللحظات لا نعرف أنها العمر كله…
إلا بعد أن تصبح ذكرى.
وأن بعض البيوت لا تغادرنا حين نغادرها…

بل تحملنا في جدرانها، وتخبئ أصواتنا في زواياها، وتترك للهواء مهمة أن يعيدها إلينا كلما اشتقنا.

ولذلك، حين يثقل بي العمر، لا أبحث عن مكانٍ جديد…
أبحث عن ذلك السطح.
عن أريكةٍ كانت تعرف أجسادنا الصغيرة.
عن شجرة توتٍ كانت تتغازل مع الترعة.
عن مصباحٍ صغير كان يونسنا.
عن وسادةٍ كانت تتناغم مع أعيننا.
عن سماءٍ كانت تبدو أقرب.
وعن لَمّةٍ كان العالم كله يصغر حين نجتمع فيها.
ليت العمر يعود ليلةً واحدة…
ليلة عمر.
نصعد فيها السلم كما كنا…
نجلس…
نضحك…
ننظر إلى النجوم…
ثم نغمض أعيننا.
وحين يطلع الفجر، لا أطلب من آلة الزمان أن تعيدني إلى الحاضر.

سأتركها هناك…

وأعود وحدي.

يكفيني أنني عشت تلك الليلة مرةً أخرى.

فالحنين لا يريد أن يعيد الماضي كله؛
يكفيه أحيانًا أن يعيد لنا لحظةً واحدة…
فنستعيد معها قلبًا كان يسكننا ذات يوم


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى