الأربعاء ٢١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

حين يدنو الحنين

ثمة اقترابٌ لا تُدركه المسافات، ولا تراه العيون؛ يحدث حين يمرّ صوتٌ قديم على الروح، فتنهض في أعماقها امرأةٌ ظنّت أنها أودعت قلبها خزائن النسيان، وأوصدت دونه الأبواب.

ربما كانت ليلةً عادية، لولا أن صوتًا من زمن الطرب أخذ يتسلّل إلى عزلتها، كعطرٍ أفلت من منديلٍ احتفظ بسرّ صاحبه أعوامًا.

وفجأةً، لم تعد الغرفة غرفتها، ولا الليل ليلها؛ صار للستائر همسُ الذكريات، وللصمت شفتان، وللقلب موعدٌ لم يحدّد أحدٌ ساعته.

يا لهذا الحنين!

كيف يعرف الطريق إلى الأبواب التي أقسمنا ألّا نفتحها؟ وكيف يوقظ فينا لهفةً دفنّاها تحت ركام الحكمة، وأحكمنا فوقها أقفال الكبرياء؟

كانت تظنّ أنها تجاوزت الحكاية، حتى باغتها لحنٌ قديم، فعرفت أن بعض الحكايات لا تنتهي، وإنما تتوارى خلف غيمة، كنجمةٍ خبّأت ضوءها لتراقبنا من وراء الغياب.

وفي لحظةٍ غامضة، تخيّلت أن الغائب يدنو منها؛ لا يحمل باقة ورد، ولا اعتذارًا، بل يحمل تلك الطمأنينة التي افتقدتها طويلًا، كأنما جاء ليلمّ شتات روحها من دروب الانتظار.

لم تمدّ يدها إليه، ولم تنادِه.

فبعض الشوق أكرم من أن يُقال، وبعض الحنان يظلّ واقفًا على عتبة القلب، لا يطلب الدخول، ولا يقوى على الرحيل.
وهكذا أدركت أن الإنسان لا يشتاق دائمًا إلى مَن أحبّ؛ أحيانًا يشتاق إلى نفسه حين كانت تحبّ، إلى تلك النسخة التي كانت تمنح الدفء دون حساب، وتصدّق الوعود كما تصدّق الأرض المطر.

أغمضت عينيها، وتركت اللحن يمضي بها حيث شاء، فإذا بالخيال يمدّ يده إليها، ويقودها إلى ما وراء حدود الليل، حيث لا تُقاس المسافات بخطوات العابرين، بل بما تحتمله الروح من دهشة.

أخذها إلى بحرٍ لا شاطئ له ولا قرار، فغاصت في لجّته، وانتشلت من أعماقه أعوامًا من اللحظات، وذكرياتٍ نامت في أصداف الزمن، حتى خُيِّل إليها أن العمر لم يكن إلا حلمًا أضاع طريقه إلى اليقظة.

هناك، حيث لا يبلغ الماء منتهاه، رأت الشمس تميل إلى البحر، وتغسل جدائلها الذهبية بمائه، كعروسٍ أرهقها السهر، جاءت تستعير من الموج مرآةً، ومن الغروب مشطًا من لهب. وعلى كتف الأفق، تدلّى قمرٌ ورديُّ الوجنتين، كأن الحياء أعار الفجر خدّيه، وكأن السماء خبّأت في محيّاه سرًّا لا يُقال.

ظلّت مسحورةً بين الأمواج، لا تدري أهي التي تعبر البحر، أم أن البحر هو الذي يعبرها. وأخذ الماء يغسل عن روحها غبار السنين، فيما بدأ الصمت الذي رافقها طويلًا يبوح بأسراره.

ثم مضى بها الخيال إلى باديةٍ لا تعرف للحدود اسمًا؛ صحراء تفرش رمالها كالسجاد تحت أقدام الليل، وكثبانٌ نائمةٌ كجمالٍ أضناها السفر، ونجومٌ تنثر فضّتها على جبين الفلاة، كأن السماء نثرت عقدها، ثم نسيت أن تجمع حبّاته.

وفي البعيد، همست الريح في أذن الرمل، وتوارت ألحان العصافير بين شوك البراري، فلم تسمع إلا وشوشة الغيب، ولم ترَ إلا خيالًا يركض وراء خيال، حتى خُيِّل إليها أن للصحراء قلبًا يخفق، وللنجوم أسرارًا لا يجرؤ الفجر على كشفها.

وفجأةً، نهض المرسى من غفوة الأفق، ولاحت الفُلْكُ في انتظارها، كأنها خيولٌ مجنّحة أُعِدَّت لرحلةٍ لم يكتبها البحّارة.
صعدت إليها، لا لتقطع بحرًا، بل لتجوب سماءً لا تعرف أين تنتهي زرقتها، ولا أين تبدأ أحلامها.

ولبست السماء ثوب عرسها؛ تدلّت الغيوم على كتفيها كطرحةٍ من حرير، وزفّتها النجوم إلى المجهول، بينما ابتسم القمر في خفرٍ، وصفّقت أجنحة العصافير لعرسٍ لا موسيقى فيه سوى نبض القلب، ولا شهود عليه سوى الليل.

مضت بفُلْكها بين مجرّاتٍ تتفتّح كأزهار اللوز، وعبرت أنهارًا من ضوءٍ لا تجفّ، حتى بدت الأرض وراءها صغيرةً، كحكايةٍ نامت في كفّ طفل.

وعند آخر حدود المستحيل، اكتشفت أن الخيال لم يكن يأخذها بعيدًا عن العالم، بل يعيدها إلى ذلك الجزء من روحها الذي لم تفسده الحقائق، ولم تطفئه الخيبات، ولم تعلّمه الأيام كيف يشيخ.

هناك، حيث يلتقي البحر بالصحراء، ويصافح الموج الرمل، وتنام الشمس في حضن الليل، أدركت أن بعض الرحلات لا تحتاج إلى أقدام، وأن بعض العوالم لا تُفتح أبوابها إلا لمن احتفظ في قلبه بطفلٍ يعرف كيف يصدّق المستحيل.

ثم عادت إلى غرفتها، واللحن لا يزال ينساب في العتمة، كأن شيئًا لم يحدث؛ غير أن قلبها صار أوسع من وحدتها، وأقدر على الإصغاء إلى ما لم تقله الحياة.

فليس كل اقترابٍ لقاءً، وليس كل غيابٍ فراقًا؛ ثمة أرواحٌ تظلّ متجاورةً، حتى حين تفصل بينها أعمارٌ كاملة.

وربما كان أحنّ ما في الحكاية أن القلب، على الرغم مما تعلّمه من الفقد، لا يزال قادرًا على فتح نافذته للحنين.
كأنما خُلق الحنان ليبقى، حتى حين لا يبقى أحد.

فسلامٌ على الخيال، وسلامٌ على الحنين؛ كلما أطبق المساءُ أبوابه، دعاهما إلى مملكته، ليفتحا في جدار الروح نافذةً على المستحيل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى