حين يصبح الطفل أكبر من عمره الطفولة في عصر الشاشات
كانت الطفولة، في زمن ليس ببعيد، مرحلة تُقاس بعدد الألعاب التي لعبها الطفل، والقصص التي سمعها قبل النوم، والطرق التي اكتشف بها العالم ببطء ودهشة. كان يكبر عامًا بعد عام، ويكتشف الحياة بالقدر الذي تسمح به سنواته. أما اليوم، فقد أصبح الطفل يرى العالم كله قبل أن يغادر غرفته، ويسمع عن الحروب، والجرائم، والأزمات، والخلافات، قبل أن يفهم معنى كثير من الكلمات التي يسمعها. وكأن الزمن لم يعد يمنحه فرصة أن يكون طفلًا كاملًا، بل يدفعه، على عجل، إلى عالم الكبار.
لم تعد المشكلة في أن الطفل يمتلك هاتفًا ذكيًا، فالتقنية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، ولا يمكن عزل الأجيال الجديدة عنها. لكن السؤال الأهم هو: ماذا يرى هذا الطفل؟ وكم من العالم ينبغي أن يصل إليه قبل أن يكتمل نضجه النفسي والعاطفي؟ فالإنسان لا يحتاج إلى المعرفة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى العمر الذي يساعده على فهمها.
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن الأجيال الحالية تعرف معلومات أكثر من أي جيل سبقها، لكنها لا تعيش بالضرورة طفولة أكثر ثراءً. فالطفل يستطيع اليوم أن يجيب عن أسئلة معقدة في التكنولوجيا أو الجغرافيا، لكنه قد يعجز عن قضاء ساعة كاملة في اللعب الحر، أو في تخيل قصة من صنع خياله، لأن الشاشة تكفلت بتقديم كل شيء جاهزًا.
وقد غيرت المنصات الرقمية مفهوم القدوة أيضًا. ففي الماضي، كان الطفل ينظر إلى معلم، أو كاتب، أو عالم، أو أحد أفراد أسرته باعتباره نموذجًا يحتذي به. أما اليوم، فقد أصبح يقضي ساعات طويلة مع شخصيات لا يعرفها إلا من خلال الشاشة، فيتعلم منها طريقة الكلام، والملبس، وحتى شكل الأحلام التي ينبغي أن يسعى إليها. وهكذا، لم تعد الأسرة وحدها هي التي تربي، بل أصبحت تتقاسم هذا الدور مع عالم رقمي واسع لا يعرف أحد حدوده.
ومن هنا، تظهر مشكلة أخرى أكثر عمقًا. فالطفولة تحتاج إلى الملل أحيانًا، لأن الملل هو المساحة التي يولد فيها الخيال. لكن الطفل الذي يجد التسلية جاهزة بضغطة زر، قد يفقد تدريجيًا قدرته على الابتكار، لأنه اعتاد أن يتلقى الصور، لا أن يصنعها في ذهنه. ومع مرور الوقت، تصبح الإثارة المستمرة شرطًا للاستمتاع، ويغدو الهدوء شيئًا يصعب احتماله.
وليس المقصود من ذلك أن التكنولوجيا سرقت الطفولة بالكامل، فقد فتحت أيضًا أبوابًا واسعة للتعلم، واكتشاف اللغات، والعلوم، والثقافات المختلفة. لكنها، مثل أي أداة قوية، تحتاج إلى من يرشد استخدامها. فالفرق كبير بين طفل يستخدم التقنية ليتعلم، وطفل تستخدمه التقنية ليظل متصلًا بها أطول وقت ممكن.
ومن أخطر ما يواجه أطفال اليوم أنهم يتعرضون لضغوط لم تكن موجودة من قبل. فهم يقارنون أنفسهم بصور مثالية، ويتابعون حياة الآخرين، ويشعرون، في أعمار مبكرة، بضرورة النجاح السريع، أو الشهرة، أو امتلاك ما يملكه غيرهم. وهكذا، تدخل المنافسة إلى الطفولة قبل أن تكتمل براءتها، ويبدأ القلق في العمر الذي كان يفترض أن يكون أكثر أعمار الإنسان خفة.
وربما لهذا السبب، لم تعد مسؤولية الأسرة أن توفر لأطفالها كل وسائل التكنولوجيا، بل أن تعلمهم كيف يعيشون خارجها أيضًا. أن يعرفوا متعة الكتاب الورقي، واللعب في الهواء الطلق، والحوار الحقيقي، والخطأ الذي لا يراه آلاف المتابعين، بل يراه أب أو أم يبتسمان ثم يساعدان طفلهم على التعلم منه.
فالطفولة ليست مرحلة لإعداد موظف ناجح فقط، ولا صانع محتوى مشهور، ولا متفوق في الاختبارات وحدها. إنها المرحلة التي يتكون فيها الإنسان من الداخل، ويتعلم فيها الرحمة، والخيال، والصبر، والقدرة على الدهشة. وإذا فقد هذه الأشياء مبكرًا، فلن تعوضها أكثر الأجهزة تطورًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل أصبح أطفال اليوم يعرفون العالم أكثر مما ينبغي، أم أنهم فقدوا فرصة اكتشافه بالسرعة التي تناسب أعمارهم؟ فربما لم تكن الطفولة تقاس بكمية المعلومات التي يمتلكها الطفل، بل بقدر المساحة التي نتركها له ليكبر... طفلًا، قبل أن تطلب منه الحياة أن يصبح رجلًا أو امرأة.
