الاثنين ٢١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

أفريقيا التي لم تكتب نفسها

كيف صنعت السردية غير الأفريقية صورة القارة؟

ليست المشكلة دائمًا في الصورة التي تُرسم لأفريقيا، بل في اليد التي تمسك بالقلم. فعلى مدى قرون، ظهرت أفريقيا في كثير من السرديات القادمة من خارجها باعتبارها أرضًا تنتظر أن تُكتشف، ثم قارة تحتاج إلى أن تُفهم، ثم مساحة تحتاج إلى أن تُنقذ، قبل أن تتحول في زمننا الحديث إلى عنوان واسع للأزمات: الحروب، والفقر، والمجاعات، والهجرة، والأوبئة والانقلابات. وبين صورة وأخرى ظل سؤال أقل حضورًا: أين أفريقيا التي تروي نفسها بنفسها؟

لا يعني ذلك أن كل ما كُتب عن أفريقيا من خارجها كان زائفًا، ولا أن كل سردية أفريقية تمتلك بالضرورة الحقيقة الكاملة. لكن امتلاك القدرة على الرواية ليس مسألة ثقافية محايدة تمامًا؛ فمن يختار الموضوع، ويحدد المصطلحات، ويضع الكاميرا في المكان الذي يراه مناسبًا، يستطيع بدرجات مختلفة أن يحدد أيضًا الصورة التي ستصل إلى الآخرين. وهنا تبدأ الحكاية.
في كثير من أدبيات الرحلات والاستكشاف الأوروبية، ظهرت أفريقيا بوصفها مساحة واسعة من المجهول. كان الراوي يصل إلى مكان جديد، فيصف الجغرافيا والعادات والقبائل والأنهار والحيوانات، وكأن القصة تبدأ لحظة وصوله. لكن القارة لم تكن تنتظر وصول أحد كي تبدأ. كانت هناك ممالك وإمبراطوريات ومدن وشبكات تجارية ومؤسسات دينية وثقافات ولغات وآداب وتقاليد سياسية واجتماعية ممتدة. ومع ذلك، وضع جزء من السردية الخارجية الراوي في موقع «المكتشف»، ووضع الأفريقي في موقع «المكتشف عنه». وهذا فرق صغير في اللغة، لكنه كبير في تشكيل الوعي. فحين يصبح الآخر هو من يصفك، تتحول حياتك تدريجيًا إلى مادة في كتابه، بينما يتحول كتابك أنت إلى هامش في قصته.

تغيرت اللغة مع الزمن، لكن بعض الصور بقيت. لم تعد أفريقيا في الخطاب الدولي الحديث مجرد أرض غامضة، بل أصبحت في كثير من التغطيات والتقارير مرتبطة بالأزمة: خبر عن حرب، وتقرير عن مجاعة، وصورة لأطفال أمام مركز للمساعدات، وانتخابات مضطربة، ومخيم للنازحين، ووباء جديد، وقارب يحمل مهاجرين. ثم تتكرر الصور حتى تتحول من أخبار منفصلة إلى صورة ذهنية واحدة. وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات السردية الحديثة إزعاجًا: يمكن أن تكون كل صورة صحيحة، ومع ذلك تكون الصورة الكاملة ناقصة.

فأفريقيا تعرف الحروب فعلًا، لكنها تعرف أيضًا الجامعات والموسيقى والسينما والابتكار والمدن الحديثة والأسواق والفنون والحياة اليومية والعلاقات الإنسانية العادية التي لا تجد طريقها عادة إلى العناوين الدولية. المشكلة إذن ليست في أن الأزمات تُذكر، وإنما في أن الأزمة قد تصبح الطريقة الوحيدة التي نرى بها المكان. وعندما يحدث ذلك، لا تعود أفريقيا قارة متعددة الوجوه، بل تتحول إلى صورة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة.

وربما تبدو المسألة أكثر تعقيدًا حين تأتي الصورة من باب التعاطف. فأفريقيا الفقيرة التي تحتاج إلى المساعدة، والطفل الذي يحتاج إلى الغذاء، والمرأة التي تحتاج إلى الإنقاذ، واللاجئ الذي يحتاج إلى الحماية، كلها صور تستند أحيانًا إلى واقع حقيقي لا يجوز إنكاره أو تجميله. لكن هناك فرقًا بين أن نرى الإنسان في ضعفه، وأن نراه ضعيفًا فقط. فالإنسان الأفريقي ليس أزمة دائمة. له مهنة وذاكرة وحب وغيرة وطموح وذائقة موسيقية وأصدقاء وأحلام سخيفة أحيانًا، مثل أي إنسان آخر. وقد يقضي يومه في البحث عن وظيفة أو حضور مباراة أو كتابة قصيدة أو انتظار حافلة، وهي تفاصيل تبدو عادية إلى درجة أنها لا تستحق خبرًا، لكنها في الحقيقة الجزء الأكبر من الحياة.

وفي مرحلة أخرى، أصبحت أفريقيا تظهر باعتبارها ساحة لصراعات الآخرين. جعلت الحرب الباردة عددًا من الدول الأفريقية جزءًا من صراع دولي أوسع، ثم جاءت تحولات أخرى: مكافحة الإرهاب، والمصالح الاقتصادية، والمعادن والطاقة، والهجرة، والنفوذ السياسي والعسكري، والتنافس بين القوى الدولية. وبدأت بعض الأسئلة عن أفريقيا تُطرح من خارج القارة: من يملك النفوذ؟ من يمول؟ من يسيطر على المناجم؟ من يكسب الميناء؟ من يوسع حضوره؟ ومن يخسر؟ وهي أسئلة مشروعة في السياسة الدولية، لكنها تصبح مشكلة حين تحجب سؤالًا أبسط: ماذا يريد الناس الذين يعيشون هناك؟ فالدولة الأفريقية قد تتحول في التحليل الخارجي إلى قطعة على رقعة جيوسياسية، بينما تختفي المجتمعات التي تتأثر بكل حركة على تلك الرقعة.

ومع ذلك، سيكون من السهل أكثر مما ينبغي أن ننتهي إلى اتهام الغرب كله بأنه صنع صورة مشوهة عن أفريقيا. لكن ذلك سيكون تبسيطًا آخر. فالسرديات التي تتحدث عن أفريقيا ليست غربية فقط؛ هناك سرديات عربية وآسيوية وأمريكية وأفريقية نفسها، وكل واحدة منها تنظر إلى القارة من موقع مختلف. حتى نحن، في العالم العربي، نحمل صورًا عن أفريقيا قد لا ننتبه إلى مصدرها. قد نعرف أفريقيا من الأخبار، أو من كتب المدرسة، أو من صور المجاعات، أو من البطولات الرياضية، أو من أفلام أجنبية، أو من حكايات السفر، أو من تغطيات الهجرة. وفي أحيان كثيرة، نعرف بعض الدول الأفريقية أكثر من خلال علاقتها بمصالحنا، لا من خلال تاريخها وحياتها الداخلية. وهذا يضعنا أمام سؤال غير مريح: هل ننظر إلى أفريقيا كما هي، أم كما تعلمنا أن ننظر إليها؟

وربما لا تحتاج أفريقيا إلى متحدث باسمها أصلًا. فالحديث عن «إعطاء أفريقيا صوتًا» قد يحمل، من حيث لا يقصد، افتراضًا غريبًا بأن القارة كانت بلا صوت قبل أن يصل إليها الآخرون. لكنها لم تكن صامتة. كانت لها لغاتها وآدابها وموسيقاها وحكاياتها الشفوية وفلاسفتها وكتابها ومسرحها وسينماها وصحفها وجامعاتها. المشكلة لم تكن غياب الصوت، وإنما وصول هذا الصوت إلى العالم بدرجة أقل من وصول الأصوات التي تملك أدوات النشر والتوزيع والترجمة والمنصات الدولية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نعطي أفريقيا صوتًا؟ بل: كيف نسمع الأصوات الموجودة أصلًا؟

حين تكتب أفريقيا نفسها، لا يعني ذلك أنها ستقدم صورة وردية عن ذاتها. قد تكتب عن الفقر والفساد والحرب والاستبداد والهجرة والتمييز والنزاعات، وربما تكون أكثر قسوة في نقدها من أي كاتب قادم من الخارج. لكن الفارق أن الحكاية عندها لا تكون مضطرة إلى المرور دائمًا عبر عين خارجية. يمكن أن تكون أفريقيا موضوعًا، نعم، لكنها في الوقت نفسه ذاتًا تتحدث. أن يصبح الأفريقي ليس مجرد شخصية في قصة شخص آخر، وإنما مؤلفًا للقصة؛ ليس مجرد موضوع للصورة، وإنما صاحب الكاميرا؛ ليس مجرد رقم في تقرير، وإنما صاحب تجربة يملك الحق في تفسيرها.

لا توجد صورة واحدة تستطيع اختصار قارة. أفريقيا ليست الفقر، كما أنها ليست النهضة. ليست الحرب، كما أنها ليست السلام. ليست الهجرة، كما أنها ليست الاستقرار. وليست الموارد الطبيعية، كما أنها ليست الفقر وحده. هي كل ذلك وأكثر. قارة ضخمة ومتنوعة إلى حد يجعل كلمة «أفريقيا» نفسها أحيانًا تخفي أكثر مما تكشف. فالسودان ليست كينيا، وكينيا ليست السنغال، والسنغال ليست نيجيريا، وداخل الدولة الواحدة قد توجد عوالم اجتماعية وثقافية مختلفة. ولهذا فإن أول خطوة نحو سردية أكثر عدلًا ربما تكون بسيطة جدًا: أن نتوقف عن التعامل مع أفريقيا باعتبارها قصة واحدة.

ربما لم تكن المشكلة يومًا أن أفريقيا لم تملك من يكتب عنها. المشكلة أن الآخرين كتبوا عنها كثيرًا. كتبوا الرحلة، ووصفوا المكان، وفسروا المجتمع، وصنفوا الشعوب، وصوروا الفقر، ووثقوا الحرب، ودرسوا الموارد، وحللوا الصراعات. وفي كل ذلك أنتجوا معرفة لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست المعرفة الوحيدة. فخلف كل تقرير عن أفريقيا حياة كاملة لم تدخل التقرير، وخلف كل صورة لإنسان أفريقي قصة لا يعرفها المصور، وخلف كل رقم مجتمع من البشر لا يمكن اختصاره في خانة إحصائية.

لذلك، ربما لا تحتاج أفريقيا اليوم إلى أن نكتبها أكثر، بقدر ما تحتاج إلى أن نقرأ ما كتبته هي عن نفسها، وأن نسمح لأصواتها بأن تصل دون أن نعيد صياغتها مسبقًا كي تناسب الصورة التي اعتدنا عليها. فالقارة لم تكن بلا حكاية، وكانت الحكاية موجودة دائمًا. لكن المشكلة كانت، وربما ما زالت، فيمن يمسك القلم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى