السبت ٧ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم محمد علوش

حين ينهضُ الرماد

في البدءِ
كانَ الرمادُ
يتهجّى أسماءَ المدن،
وكان الليلُ
ينثرُ فوق الطرقات
ظلالَ القرون.

ثم مرّتِ الحربُ —
خفيفةً
كريحٍ سوداء،
وأشعلتْ في خاصرةِ الأرض
نارَها القديمة.

لم تكنِ الحربُ
ناراً فحسب؛
كانتْ ذاكرةَ الأرض
حين تضيقُ بها الأزمنة،
وكانتْ ليلاً طويلاً
يتكسّرُ فوق صدور المدن
كمرآةٍ عتيقة
أفلتتْ من يدِ التاريخ.

الحربُ —
هذا الاسمُ
المثقلُ بالحديد،
يمضي في الطرقات
كظلِّ قدرٍ أعمى،
يوقظُ في الحجارة
غبارَ القرون،
ويتركُ في الريح
طعمَ الأعمارِ المحترقة.

لم تكنِ الحربُ
مدافعَ تعوي،
ولا أسرابَ طائراتٍ
تمزّقُ صمتَ السماء؛
كانتْ صهيلَ الحديد
حين يتعلّمُ
كيف يفتحُ أبوابَ الليل
بمفاتيحِ النار.

وكانتِ التاريخَ
وهو يكتبُ نفسَه
على عجلٍ
بمدادٍ من رماد.

كم مدينةٍ
نامتْ تحت جناح الفجر
تحلمُ بالخبزِ والحدائق،
ثم أفاقتْ
على صريرِ القيامة.

وكم نهرٍ
كان يمضي هادئاً
كأنّه صلاةُ الأرض،
حتى رأى
وجوهَ القتلى
تلمعُ في مياهه
كأنها نجومٌ
انطفأتْ فجأةً
في ذاكرة السماء.

الحربُ —
أن تمشي الأمهاتُ
على حوافِّ قلوبهنّ،
وهنّ يعدُدن أسماء الأبناء
واحداً.. واحداً..
كما يعدُّ الفلّاحُ
سنابلَه
قبل هبوب الريح.

أن يقفَ شيخٌ
عند باب بيتٍ
لم يَعُدْ بيتاً،
ويقولُ للحجارة:

هنا
كان المساء
يهبطُ كحمامةٍ بيضاء،
وكان الضحك
ينامُ على الشرفات
كطفلٍ
لا يعرفُ الخوف.

لكنّ الحربَ
حين تفتحُ عينيها
تنسى كلَّ شيء.

تنسى
أن في الأرض قمحاً
ينتظر المطر،
وأن في صدور البشر
قلوباً
خُلقت
كي تحرس الضوء.

ومع ذلك —
في قلب الرماد
يبقى شيءٌ
لا تمسّه النار.

شيءٌ
يشبه جذور الزيتون
وهي تعانق الصخر
ولا تنكسر.

شيءٌ
ينهض من بين الركام
كأنّه وعدٌ قديم،
كأن الأرض
تقول لمن مرّوا عليها
وتركوا أسماءهم
في ترابها:
لن تكون النار
آخر الحكاية.

فالتاريخ —
مهما اشتعلت صفحاته
بالبارود والغياب —
يترك دائماً
نافذةً للنور.

هناك
يقف إنسانٌ
مغبرُّ الوجه،
لكنّه يرفع رأسه
نحو الفجر،
ويقول:
سنمرُّ من هذا الليل،
كما مرّت أممٌ
من قبلنا
وهي تحمل قناديلها
في الريح.

وسوف تعود الأرض
لتكتب أسماءنا
بالقمح..
لا بالدخان.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى