السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم محمد علوش

أيتها الحياةُ التي تخذلُ أعمارَنا

أيتها الحياةُ التي تُخذِلُ أعمارَنا،
كلَّما فتحنا نوافذَنا للشمسِ
دفعتِ في وجوهِنا
ريحَ المنافي،
وأغلقتِ أبوابَ الفرحِ
بأقفالِ الغيابِ.

وكلَّما زرعنا خطانا
في ترابِ الحلمِ،
أيقظتِ في الدربِ
قوافلَ التيهِ،
وأطلقتِ في القلبِ
ألفَ نحيبٍ
وألفَ سؤالٍ
عن وطنٍ
يشيخُ كلَّ ليلةٍ
على أرصفةِ الانتظارِ.
أيتها الحياةُ،
كم مرّةً
علَّقنا قلوبَنا
على حبلِ الرجاءِ،
فعادتْ إلينا
كقميصِ يوسفَ،
مبلَّلةً
برائحةِ الغيابِ،
ومحمولةً
على بكاءِ الأمهاتِ
اللواتي يُطفئنَ الليلَ
بالدعاءِ.

نمشي بأعمارِنا
مثلَ عمّالٍ متعبين
في آخرِ الليلِ،
نجرُّ خلفَنا
تعبَ السنينِ،
ونحملُ فوقَ أكتافِنا
خرائبَ المدنِ،
وصوتَ الأمهاتِ،
وأسماءَ الذينَ
ناموا طويلاً
تحتَ ركامِ الحروبِ،
كأنَّ الموتَ
كانَ أكثرَ رحمةً
من هذا العالمِ القاسي.

نمشي،
وفي عيونِنا
بقايا قمرٍ مكسورٍ،
وفي جيوبِنا
حفنةُ أحلامٍ
أكلها الجوعُ،
لكنَّنا نخفيها
كسرٍّ صغيرٍ
كي لا تهزمَنا الحياةُ
تماماً.

أيتها الحياةُ،
كم سرقتِ من أصابعِنا
دفءَ البيوتِ،
وكم تركتِنا
وحيدينَ
نرتِّبُ خرابَ الروحِ
كما يرتِّبُ الناجونَ
صورَ أحبّتِهم
بعدَ الزلازلِ.

وكم مرّةً
أكلَ الخوفُ أصواتَنا،
فصرنا نُحادثُ الصمتَ
كصديقٍ قديمٍ،
ونقتسمُ مع الليلِ
خبزَ الوحدةِ
وماءِ الحنينِ.

لكنَّنا،
رغمَ هذا الخرابِ كلِّهِ،
ننهضُ،
كشجرةِ زيتونٍ
تُقاومُ الفأسَ
بجذورِها،
وكأغنيةٍ قديمةٍ
تخرجُ من أفواهِ الفقراءِ
لتنتصرَ على البكاءِ.

ننهضُ
كأنَّ في أرواحِنا
سرَّ البلادِ التي لا تموتُ،
وكأنَّ في عروقِنا
قمحَ الفقراءِ
حينَ يُقاومُ الجوعَ
بأغنيةٍ
وببقايا الضوءِ.

أيتها الحياةُ،
لن نخاصمَ ضوءَكِ
ولو كان شحيحاً،
ولن نتركَ للعتمةِ
أن تربحَ المعركةَ،
فنحنُ الذينَ
تعلَّموا كيفَ يصنعونَ
من الدمعِ نهراً،
ومن التعبِ
أغنيةَ نجاةٍ.

نحنُ الذينَ،
كلَّما انكسرَ الوقتُ فينا،
جمعنا شظايا القلبِ،
وصنعنا منها
وطناً صغيراً
يكفي للحبِّ
وللنجاةِ،
ويكفي
كي نُخبِّئَ فيهِ
آخرَ ما تبقّى
من إنسانيتِنا.

أيتها الحياةُ،
لسنا قدّيسينَ،
ولا أنبياءَ للمعجزاتِ،
لكنَّنا
كلَّما سقطنا
وقفنا مرّةً أخرى،
كأنَّ اللهَ
أودعَ في قلوبِنا
عنادَ الأرضِ
وصبرَ الفقراء.

ولهذا
سنظلُّ نمشي،
ولو أثقلتْنا الهزائمُ،
وسنفتحُ للنوافذِ
ألفَ شمسٍ جديدةٍ،
وسنزرعُ فوقَ الخرابِ
أغنياتِنا،
لعلَّ طفلاً ما
يعثرُ يوماً
على وطنٍ
أقلَّ حزناً
من هذا العالمِ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى