خنجر من عطر لا يموت !!!
كتب الدكتور سمير محمد ايوب«خنجر من عطر لا يموت» !!!
يقولون إن العطور تُنسى، وأنا أقول إن العطور هي التي لا تنسى أبداً.هناك عطور تمر عليك كنسمة، تشمها وتقول "جميل" وتمضي. وهناك عطر واحد، واحد فقط، يصبح هو الذاكرة نفسها. لا يزور أنفك، يزور روحك.
كان عطرها.لم يكن عطراً اشترته من سوق. كان خليطاً عجيباً من رائحتها هي، من صابونها، من شالها الصوفي، من شعرها حين تخرج من الحمام، ومن زهر الياسمين التونسي، كانت تضعها دائماً في حقيبتها دون سبب. إذا مرت من مكان، لا يحتاج أن يلتفت ليراها، كان يعرف أنها مرت، لأن الهواء بعدها يصبح مختلفاً.
ثم ودعها. لم يودعها لأنه لم يعد يحبها، بل ودعها لأن الحب أحياناً يكون أكبر من أن يستمر. ودعها كما يودع المرء وطنه، وهو يعلم أنه لن يعود. صافحها، أو بالأحرى لم يصافحها، خاف إن لمس يدها ألا يتركها. قال لها "الله معك"، وهي قالت "الله يحفظك"، ومشى كل منهما في طريق.
صارت ذكرى. صورة في إطار قديم، ورسالة مطوية في درج، واسم لا يجرؤ أن ينادي به بصوت عالٍ أمام أحد. وظن أنه نسي. وتزوج، وكبر، وشاخ، وصار له أولاد وأحفاد، وصارت حياته مليئة بأشياء أخرى. ظن أن القلب مثل البيت، إذا أخرجت منه أثاثاً قديماً، تنسى شكله. حتى جاءت تلك الليلة.
ليلة شتاء باردة في عمان. كان المطر ينقر على الشبابيك كأصابع حزينة، وكان البرد يدخل من تحت الأبواب. دخل إلى مقهى صغير في شارع المدينة المنورة في عمان، ليدفأ، مقهى لا يعرفه ولا يعرفه أحد فيه. جلس في الزاوية، طلب شاياً بالنعناع، وأخرج جريدته. ثم فُتِح الباب، ودخلت امرأة لا يعرفها.امرأة في الأربعين، لا تشبهها، لا وجهها ولا مشيتها ولا عمرها. مرت بجانبه مسرعة، تبحث عن طاولة فارغة، ومعطفها المبلل بالمطر لامس كتفه للحظة. وفي تلك اللحظة... عاد كل شيء!
ليس عطر المرأة التي دخلت، بل عطرها هي، الياسمين التونسي. نفس العطر. نفس الخلطة المستحيلة التي ظن أنها ماتت معها منذ أربعين سنة. نفس الوردة المخبأة في الحقيبة، نفس الصابون، نفس الدفء. تجمد الدم في عروقه.
رفع رأسه ببطء، وقلبه يضرب كشاب ابن عشرين. نظر إلى المرأة الغريبة التي جلست بعيداً، تنفض المطر عن معطفها.
هي لا تعرف شيئاً. هي اشترت هذا العطر أمس من محل في شارع الجاردنز في عمان، لأن رائحته أعجبتها. هي لا تعلم أنها تحمل على معطفها جنازة رجل عجوز، وحياة رجل شاب في نفس اللحظة.
أراد أن يتوكأ على عكازته ليقوم، ليقول لها: "أستحلفك بالله، من أين لك هذا العطر؟" وأراد أن يسألها: "هل تعرفين أنك أيقظت في قلبي امرأة، كنت قد دفنتها في تونس الخضراء منذ أربعين سنة؟"، لكنه لم يفعل.
بقي جالساً، والشاي يبرد أمامه، والعطر يملأ المقهى الصغير. وأغمض عينيه. فرآها، رآها كما كانت، عشرينية، تضحك، وشالها الصوفي الأحمر حول عنقها، وتقول له: "إذا نسيتني، سيذكرك عطري بي، ولن تستطيع الهرب". كان يضحك ويقول: "لن أنساك". وقد نسي، أو ظن أنه نسي.
اكتشف في تلك الليلة حقيقة موجعة وجميلة في آن واحد: نحن لا نودع النساء اللواتي أحببناهن حقاً. نحن نودع أجسادهن، نودع أصواتهن، نودع إمكانية أن نكون معهن. لكن عطورهن، عطورهن لا تودعنا أبداً. تبقى كامنة، كجمرة تحت الرماد، تنتظر ليلة شتاء باردة، ومعطف امرأة غريبة، لتشتعل مرة أخرى.
العطور الصعبة لا تسكن القوارير، بل تسكن القلب. وعطر امرأة ودَّعتَها وصارت ذكرى، هو أصعب عطر، لأنه لا يأتيك حين تطلبه. يأتيك متخفياً، خائناً، جميلاً، على معطف امرأة أخرى لا تعرفها، فيذكرك أنك ما زلت حياً، وما زلت تحب، وما زال في قلبك مكان لم يبرد رغم كل هذا الشتاء القارس.
ثم فتح عينيه، كانت المرأة الغريبة قد خرجت، وأخذت معها العطر. عاد المقهى بارداً مرة أخرى. ابتسم، ودفع ثمن الشاي، وخرج إلى المطر. كان يمشي وحده، لكنه لم يكن وحيداً أبداً. كان عطرها يمشي معه تحت المطر.
